آخر تحديث:13:05(بيروت)
الثلاثاء 04/05/2021
share

صداقة برنار ستيغلر وتقنيتها

روجيه عوطة | الثلاثاء 04/05/2021
شارك المقال :
صداقة برنار ستيغلر وتقنيتها ستيغلر: فايسبوك يقتضب المستخدم بعلاقاته
بمناسبة صدور كتاب "صداقات برنار ستيغلر" (دار غاليله)، الذي جمع فيه جان لوك نانسي، 12 مداخلة عن ستيغلر، وقد وضعها أصدقاء له، هنا تعريب لأجزاء من محاضرة ألقاها ذات يوم الفيلسوف الراحل حول الصداقة والتقنية الاجتماعية، وقد جمعها له أوبير غييو.

يرتبط ما يسمى بشبكات التواصل في الانترنت، بمسألة الاجتماع. بحسب أرسطو، يشكل الأصدقاء قاعدة الاجتماع. في التقنيات العلائقية التقديمة، يحدد المستخدم شبكة أصدقائه باختيارها واعلانها، وهذا ما يبدل الشبكات الاجتماعية، التي كنا نعيش فيها قبل الزمن التقني.

"الصداقة هي الأكثر لزوماً للعيش"، يقول أرسطو في إطيقيا نيقوماخية. الفيليا (التي تعني الصداقة، الحب) هي "أجدى النفع" للأفراد، وللمجتمعات أيضاً، وهذا لأنها تؤلف علتها بما هي قدرة على انتاج التآزرات، وبالتالي، تكوين الأشكال العلائقية. على أن "الأصدقاء" هم ماركة العملية العلائقية التي يفرضها فايسبوك. في هذا الموقع: نعلن ونشكل ونعمم صداقاتنا. بالطبع، الإعلان العام للصداقة له قيمة أدائية، يمكن نقدها من باب فرضها للعلاقة. فالصداقة لا تتغذى بالضرورة من التشكلية، أو من الإعلان. مع الإشارة إلى ان الاعلان المعمم للصداقة كان على الأرجح قد وُجد دوماً، وذلك حتى لو كان هذا الإعلان خاصاً، ونسبياً، وشخصياً. في كل الأحوال، حين يرتكز فايسبوك على الكثير من الوظائف، وعلى رأسها انشاء البروفايل، فهو يقتضب المستخدم بعلاقاته. بالتأكيد، انشاء البروفايل اشكالي، لا سيما حين يستعمل المعلنين من أجل الماركتينغ. المبدأ حالياً هو اعلان الانتماء الاجتماعي، تماماً، كما في حالة اثنوغرافي ما: لا بد من "السيوسيو-اثنوغرافيا الذاتية".

لكن، هل التقنيات تدمر الاجتماع، وهذا، في حين إعادة تشكيله بالصداقة؟ في الواقع، هي تتيح حسبنة الوجود الى درجة تدميره. لكن، وبالانطلاق من هذه الحسبنة، كانت أبحاث "السوشال نتوورك"، أو أبحاث كلود ليفي-ستراوس، قد شيدت، وهذا، من أجل الكشف عن العلاقات المستترة، التي تكوّن العلاقات الاجتماعية. في الجهة عينها، القانون يشكل قواعد اجتماعية مرنة. فالمدينة أو الوطن يستندان الى تقنية اعلان العلاقات المشكلة بالكتابة، كما هو الوضع بالنسبة الى الحالة المدنية.

في حال كانت الكتابة، بوصفها نظام فردنة، تمتن الصلات الاجتماعية، فهي تقدر على الحمل الى سيرورة خضوع، وهذه السيرورة تفضي الى فك التفردن. حين درس فوكو مجتمع المراقبة، شدد على كيف يُقدِم هذا المجتمع على توثيق الأفراد. فـ"الامتحان يُدخل الفردية في حقل التوثيق"، الذي يركزها. السؤال الأكبر لا يرتبط بالمراقبة البوليسية لبروفايلاتنا وشبكاتنا، لكن، باستعمالها للماركيتينغ، الذي يودي بنا الى نمط من أنماط العبودية. لا تختزل الشبكات الاجتماعية بالبوليس، أو بالماركيتينغ، ولا يجب شيطنة الأول ولا الثاني. إلا أن سيرورة التشكيل والتفريد تسمح بعمليات الحسبنة والضبط. ككل سيرورات المسرحة، الشبكات الاجتماعية فارماكولوجية، اذ تؤدي الى التفردن وضده. فعلياً، ذلك السؤال هو السؤال الذي لا مناص من الحفر فيه عبر طرح برنامج للبحث حول الما-بعد التفردن في الشبكات الاجتماعية، التي يجب اختراع مستقبلها بواسطتها.

ثمة حضارات صناعية جديدة تبصر النور مع كل كوارثها الاجتماعية والنفسية والفردية. العائلة، المدرسة، المواطنية، علاقات الجيرة...كل هذه تتغير بفعل فيض السلطات النفسية (الميديا، الرأسمالية الثقافية إلخ.)، التي تؤدي الى نزع التفردن. تدمير العلاقات التداخلية بين الاجيال، القبض على الانتباه من قبل الصناعات الثقافية، هو علامة على تغير التقنيات. الشبكات الاجتماعية، بهذا المعنى، تشارك في خلق سيرورات لتدمير الاجتماع، لكنها في الوقت نفسه، السبل الأساسية لتطوير اشكال جديدة لبناء الاجتماع.

يمكن اعتبار فايسبوك وغيره، شبكة لا-اجتماعية، تأخذ محل العلاقة الاجتماعية، وبهذا، هي تحمل خبراً ساراً. اذ يُبدي أن الشباب يريدون التفردن، التبادل، وليس الاستهلاك فقط. كما أن الفضاءات التي تبنيها الشبكات الاجتماعية التقنية تتيح القطع مع الشبكات التلفزيونية. فالمراهق يريد تطوير شبكته الخاصة به، أي شبكة اصدقائه. نعم، قد لا تكفي الشبكات السوسيو-تقنية لبناء مجموعات، لكن يجب التفكير في أثرها داخل هذا البناء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها