آخر تحديث:10:20(بيروت)
الأحد 02/05/2021
share

فصح الروم

أسعد قطّان | الأحد 02/05/2021
شارك المقال :
فصح الروم
كانت خالتنا سعدى لا تفتح صالونها إلاّ بضع ساعات في فصح الروم. ما إن تغسق الدنيا يوم سبت النور، الذي يسبق الفصح، حتّى تبدأ سعدى طقوسها. تمرّر للمرّة الألف قطعةً مستطيلةً من القماش على الأثاث كي تتأكّد من خلوّ الصالون من الغبار. تستبدل أغطية الطاولات الكانفا المخرّمة بملاّءات شاميّة من القطن الأبيض المطرّز بخيوط الذهب. تصفّ على أطباق إهليليجيّة الشكل ملبّس العيد وأقراص المعمول بالتمر والجوز والفستق الحلبيّ، التي استقدمتها خصّيصاً من محلاّت رفعت الحلاّب في طرابلس، تجهّز كلّ شي. تجترح للأشياء أمكنةً وللأمكنة أشياء. ثمّ تتكوّم في زاويتها منتظرةً أن يثقب جرس الكنيسة غلالة الصمت بموسيقاه الفصحيّة.

جرس الكنيسة في ضيعتنا كان يُقرع طوال الليلة التي تصل مساء سبت النور بسحر الفصح. وكان الوقع النحاسيّ يؤرق ليلنا نحن الأولاد. فنشعر بالرهبة. وندرك أنّ هذه الليلة مسكونة بشيء خفيّ هو أشبه بوميض يخترق بهيم السماء وينتثر في الفضاء محوّلاً أمداءه إلى نثار من نور. وحين كنّا نسأل الخالة سعدى عن سبب قرع الجرس الذي يغتصب سكون العتمة ويمنعنا من النوم ليلة الفصح، كانت تجيب: «لا يقوم المسيح، يا أولاد، إذا لم يُقرع جرس الكنيسة كلّ الليل». «ولكنّ المسيح قام، يا خالة سعدى، من زمان. مكتوب في الإنجيل إنّه قام قبل مئات السنين حين كانت الروميّات في فلسطين لا تزال صغيرةً وبونطيوس بيلاطس والياً على اليهوديّة». فتجيب سعدى بشيء من الاشمئزاز وكثير من القسوة: «ولكنّه لا يقوم في ضيعتنا ما لم يقرع الجرس».

لكنّ سعدى لم تكن تذهب إلى الكنيسة في العيد الكبير. كانت ترتّب صالونها وتفعمه بالجمالات والأطايب، ثمّ تدخل إلى قيعان ذاتها وتنتظر. تنتظر احتمالات الليلة الغرائبيّة والترجيع النحاسيّ الذي سيهتك تلافيف الظلام. وتنتظر المسيح الذي لن يقوم من بين الأموات ما لم يطنّ النحاس في قريتنا طوال الليل ويعكّر علينا صفو الرقاد. هل كانت سعدى تنام تلك الليلة؟ هو سؤال كثيراً ما طرحته على ذاتي باحثاً عن جواب ما في البرزخ السرّيّ الذي يصل الأفكار بالمخيّلة. ولكنّ السؤال سرعان ما كان يتلاشى مع سطوع فجر الفصح. فقيامة المسيح تبدّد الأسئلة جميعها.

لا أحد يعرف ما إذا كانت الخالة سعدى تنام ليلة الفصح. ولكنّ الناس كلّهم يعرفون أنّها لم تكن تذهب إلى الكنيسة. من طاقة بيتها، كانت تحملق في الناس يخترقون، في طريقهم إلى الكنيسة، زرافات وفرادى عتمة الهزيع الرابع من الليل، كي يشاهدوا المسيح ينبلج من سواد القبر جميلاً مثل عروس في ليلة عرسه. فيتحوّل السواد، على وقع الترتيل البيزنطيّ ودندنات الملائكة، إلى فجر شفيف يتفجّر منه النور. وحين كان الناس يرجعون من الكنيسة وقد تلوّن الصباح بالقيامة وتبخترت الفراشات في الفضاء المغلّف بالضوء، كانت سعدى في انتظارهم، تفتح صالونها المضياف وتدعوهم إلى القهوة العربيّة والملبّس والمعمول هاتفةً بصوتها المثقل بالشيخوخة: «المسيح قام يا أهل ضيعتنا». فيجيب بعضهم: «قام، يا خالتي سعدى، حقّاً وصدقاً قام».

ذات صباح ربيعيّ ينوء بالضوء، ماتت خالتنا سعدى. سقت الحبقة في جنينتها. قبّلت الأطفال بحنوّ. ودّعت الجيران وقالت إنّها مسافرة إلى مكان غمامه بلون البنفسج وصدى أجراسه لا ينقطع. ثمّ دخلت حجرتها المربّعة المحاذية للصالون الفصحيّ، وتناولت قطعةً من الملبّس الأبيض، ونامت ولَم تصحُ. كان ذلك بعدما قام المسيح في ضيعتنا بأسابيع قليلة. في العام الذي تلا الموت، افتقد الناس سعدى. مرّوا ببيتها صبيحة العيد الكبير عائدين من كنيسة القدّيس كرياكوس. ولكنّ الصالون بقي مغلقاً. انتظروها كي تفتح لهم وتدعوهم إلى احتساء أنخاب العيد وازدراد معموله الطرابلسيّ المعتبَر، لكنّها لم تبارح حجرتها المربّعة. كان السكون يزيّح شفتيها المسكونتين بالموت فيما الفراشات تترنّح وتردّد في سرّها أنشودةً عن تباشير القيامة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها