آخر تحديث:10:21(بيروت)
الأحد 02/05/2021
share

إيمان مرسال التي وهبت جائزتها لعنايات الزيات.

نزار آغري | الأحد 02/05/2021
شارك المقال :
إيمان مرسال التي وهبت جائزتها لعنايات الزيات. ايمان مرسال
 
هناك أرواح يصعب عليها أن تسكن الأجساد التي أثثها القدر كي تكون منازل لها.
الجسم، والحال هذا، قفص يخنق أنفاس هذه الأرواح فلا يعود أمامها من خيار سوى الهرب والقفز إلى الفضاء.

الأرواح الرهيفة، مثل الفراشات، ترفرف مستعجلة للوصول إلى الضوء كي تستحم به إلى أن تحترق، فإن حال بينها وبين الضوء حائل عمدت هي ذاتها إلى إزهاق نفسها. 
ولكنها قبل ذلك تكون قد صنعت عسل خلاصها ووضعته في شهد الإبداع. في قصيدة أو لوحة أو رواية أو أغنية. ثم تمضي لتسير على طريق النهاية.

هكذا يكون الإبداع تحدياً في وجه الجسد البائس، كما كان الحال مع فان غوخ وفريدا كاهلو، مثلاً. 

أو يكون العجز في الصمود في وجه الجسم السجن فتهرع الأرواح إلى نهاياتها طوعاً. هكذا فعلت فرجينيا وولف وسيلفيا بلاث، مثلاً.

المصرية عنايات الزيات واحدة من هذه النفوس التائهة في أروقة الحياة. وضعت خلاصة حياتها في رواية قصيرة وسطور محيرة ومضت. آثرت أن ترفرف بجناحيها ثم ألقت بنفسها لتهاجم النار وتحترق به. 

كان لها أن تروح دون أن تمسنا بأطراف ثوبها لو لم تعثر على بقايا خيوطها روح أخرى. 
الكاتبة إيمان مرسال، عثرت بالصدفة (لا، ليس بالصدفة فالقدر يعرف كيف يربط الأرواح بعضها ببعض)، على همسات عنايات ونشيجها ونشيدها وحنينها، مخبوءة في كتاب صغير: رواية مرمية عند سور الأزبكية في القاهرة.

مثل أم عثرت على طرف ثوب ابنتها الضائعة.
وكأم تبحث عن فلذة كبدها، راحت إيمان تمضي من ركن إلى ركن ومن زاوية إلى زاوية، تسأل، تهتف، تنادي، تطرق الأبواب والنوافذ، تستجوب، تستفسر، تستوضح، تستعلم.

تحولت عنايات إلى هوس لا يغادر إيمان. صارت الضوء الذي يشدها إليه. وأصبحت إيمان، الصديقة، الأخت، الأم، كالفراشة التي تضرب جدار القنديل بجناحيها كي تتأكد من رقاد جسد عنايات تحت وهج النور.

استنفرت أمومتها وحملت حنانها وراحت، لاهثة، في سباق محموم مع الزمان، ومع المكان، تبحث عن بقايا الفراشة. صار البحث شغلها الشاغل. أصبح جزءاً أساسياً من يوميات عيشها، التصق بواقعها، سكن قلبها وذهنها وفكرها وحقيبتها وأوراقها، معها، في بيتها ومكتبها ومكان عملها ورحلاتها بين المدن وفي المطارات والمقاهي والجلسات مع صديقاتها وأصدقائها وأبنائها وبناتها.

ننشغل، نحن القراء، بانشغال الكاتبة. نتورط معها في قلقها الوسواسي بشأن عنايات. نتحمس لحماسها. لا نتهيب الدخول إلى أي مكان كي نتحمل معها عبأ الترقب والخوف والحيرة والبلبلة. 

نتابع خطواتها ونترقب ما سيسفر عنه تفتيشها للجهات والأماكن.

حين تهرع إلى مكان لا أثر فيه لعنايات، تحدس ذلك على الفور فتستدير لتهرع في اتجاه آخر. وحين تعثر على قطعة قماش أو صفحة كتاب أو صورة، تنجذب إليها على الفور. تحتضنها، تتمسك بها، برقة وحنان. إنها شيء من رائحة الإبنة، شيء من ذكراها، من ذاكرتها.

تشحذ الكاتبة أدواتها وتستنفر قواها وملكاتها في التقصي. تلتقي بالناس، تراسلهم، تهاتفهم، تنادي، تدعو، ترجو، تكتب أفكاراً، تدون ملاحظات، تخط سطوراً، تزاوج الواقع والمخيلة، الماضي والحاضر، العاطفة والعقل، الحسابات الباردة والمشاعر الغامرة. 

وها نحن أمام كتاب شيق أشبه بأوديسة صغيرة متقنة. سرد أنيق، متدفق، حار، يطفح بالدفء والحنان. لوحة فائقة الجمال.

تجرنا إيمان مرسال في هذا الكتاب إلى سراديب متداخلة للوصول إلى حيث ترقد روح عنايات المرفرفة فوق جسد فتته ثقل الزمان وغمرته تربة المكان، في مقبرة ضائعة، في المجهول.
في رفقتنا لإيمان مرسال في بحثها عن الزمن المفقود، زمن عنايات، نكتشف القوام المدهش لروح عنايات، ولكننا نتعرف إليها هي، إيمان مرسال، الكاتبة، الأم، الإنسانة.
نشعر بالعرفان لإيمان لأنها أخذت بأيدينا إلى روح عنايات، ولكننا نشعر أيضاً بالعرفان لعنايات لأنها جعلتنا نتعرف إلى كاتبة بارعة تتعامل مع الكلمات كما تتعامل الفراشة مع النور.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نزار آغري

نزار آغري

روائي وناقد ومترجم، سوري كردي، مقيم في أوسلو