آخر تحديث:13:00(بيروت)
الخميس 13/05/2021
share

الشيخ جراح..منذ أن أنجَد مقدسيٌّ يهودياً هارباً من أوروبا

المدن - ثقافة | الخميس 13/05/2021
شارك المقال :
الشيخ جراح..منذ أن أنجَد مقدسيٌّ يهودياً هارباً من أوروبا صورة من العام 1900، ويظهر مسجد الشيخ جراح في الخلف (مكتبة نيويورك العامة)
من دون شك أن قضية حي الشيخ الجراح هي قضية فلسطين كلها، أو ما يجري فيه هو ما جرى في فلسطين كلها على مدى مئة عام أو أكثر... سواء في الاستيلاء على الأراضي أو التهجير، أو التسويق لرواية امتلاك العقارات، وصولاً إلى السعي إلى "تهويد المكان" والذاكرة والرواية، أو بمعنى محو الذاكرة الأصلية وتسويق ذاكرة مخترعة أو متخيلة. واختراع الذاكرة لا يختلف عن "اختراع الشعب اليهودي" نفسه، وهو عنوان كتاب شلومو ساند الشهير.

والحال أنه فيما يدافع المقدسيون عن ملكياتهم للعقارات التي ولدوا وترعرعوا فيها، يزعم مستوطنون يهود أنهم اشتروا تلك العقارات من جمعيات يهودية، ويسعى المستوطنون إلى المطالبة بهذه البيوت بحكم قانون الملكية الذي أقرته الحكومة في خمسينيات القرن الماضي. وبحسب الزعم الاسرائيلي، فإن ملكية هذه المنطقة تعود إلى العام 1876، حين اشترت مجموعتان يهوديتان أراضي في الحي، لأنها، من وجهة نظرهم، منطقة مقدسة تضم قبراً لأحد كهنتهم.

ويشتهر الحي بضريح الشيخ الجراح، حيث أقيم مسجد ما زال يؤدي وظائفه الدينية. ومنذ سنوات، يتعرض هذا الحي لهجمة استيطانية، بعدما سيطر اليهود على مقام إسلامي في المكان يخص شخصاً يُطلق عليه محلياً اسم "الشيخ السعدي"، ليحولوه إلى مقام يهودي باسم "شمعون الصديق". سكنت بضع عائلات يهودية في المكان بعد إخراج السكان الفلسطينيين من منازلهم، نُصبت أبراج حراسة اسرائيلية، وبدت الأمور ممهدة لإقامة حي يهودي في القدس العربية، وهو ما كان أعلن عنه قبل سنوات، عضو الكنيست بيني ايلون، المنتمي إلى حزب الاتحاد الوطني (المفدال)، والذي يُعتبر عراب الاستيطان اليهودي في الشيخ جراح. وهو كان قد تزعّم بنفسه، عندما كان وزيراً للسياحة في إسرائيل، عمليات طرد السكان الفلسطينيين من الشيخ جراح، كما حدث في نيسان/أبريل 2003، عندما طُرد 20 شخصاً من عائلة غاوي من منازلهم. وعاد ايلون إلى الواجهة مع مخطط جديد، بالاستيلاء على 18 دونماً بالقرب من مقام الشيخ السعدي. ووفقاً لهذا المخطط، كما أعلنه أيلون، وطُرح على لجنة التنظيم والبناء المحلية في بلدية القدس، فإنه ستُقام فيه 200 وحدة سكنية. ويرى أيلون أنه من أجل تنفيذ المخطط "ينبغي هدم المنازل الفلسطينية الموجودة في الحي، وضمّ المناطق المفتوحة هناك إلى خطة البناء المقترحة".

والنافل أن الحيّ سكنت فيه عائلات فلسطينيّة معروفة، مثل عائلة النشاشيبي، ويتحدر منه إسعاف النشاشيبي (1882-1948) الكاتب الفلسطينيّ الذي ما زال قصره ماثلًا هناك. بنى النشاشيبي قصره في حي الشيخ جراح، ليس بعيداً من مقام الشيخ السعدي، وزخرفه بقطع الموازييك الأزرق التي ما زالت تزينه حتى الآن. وفي هذا القصر، حل كثر من أعلام الأدب العربي، مثل الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وحافظ إبراهيم، والشاعر والكاتب العراقي معروف الرصافي، الذي نزل ضيفاً في هذا القصر وذكره في قصيدته: "ويل لبغداد مما سوف تذكرني عنها وعن الليالي في الدواوين". واستذكر القدس وقصر النشاشيبي بقوله: "وكان فيها النشاشيبي يسعفني وكنت فيها خليلاً للسكاكيني"، والإشارة واضحة لإسعاف النشاشيبي، والمفكر الفلسطيني خليل السكاكيني. ويقول الكاتب عادل الأسطة أنه لا يعرف ماذا كان سيكتب الرصافي، لو قُدّر له أن يعيش ليرى حال القصر الآن. فعلى بعد أمتار قليلة منه، أقام اليهود نصباً تذكارياً للقتلى من المنظمات اليهودية الذين سقطوا خلال معركة شنها المقاومون العرب على قافلة لهذه المنظمات في العام 1948. وتحول هذا النصب إلى ما يشبه "حائط مبكى" جديداً، يأتي إليه المستوطنون بالحافلات، ويقفون بجانب قصر النشاشيبي...

وفي الروايات المتداولة حول حي الشيخ جراح، أنه في العام 1880، وصل للقدس اليهودي يوسف بن رحاميم، قادمًا من أوروبا، هاربًا من الاضطهاد الذي طاول اليهود هناك، فسارع إلى نجدته، المقدسيّ ابن حيّ الشيخ جرّاح، عبد ربه خليل بن إبراهيم، وأجّره قطعة أرض لنجدته. ووفق القانون الشرعي، يسمى هذا الاستئجار "التحكير"، وهو يتيح تأجير اليهود الأرض ويمنع بيعها لهم بموجب الأنظمة والقوانين العثمانيّة.

سعت إسرائيل، العام 1948، إلى احتلال الحيّ، لموقعه الذي يربط بين شرق القدس وغربها، وكنقطة رصد استراتيجية مهمة، وهي الجامعة العبريّة الواقعة على جبل المشارف في القدس. ولم تستطع إسرائيل حينها احتلال الحيّ، حتى العام 1967، حينما مُنع اتصال الأحياء المقدسيّة وتم فصلها بوحدات استيطانيّة. وكانت الأردن قد أسكنت، العام 1956، لاجئين فلسطينيين في الحيّ، باتفاق مع "الأونروا"، مقابل تنازلهم عن حقّهم كلاجئين وتملّكهم البيوت بعد ثلاث سنوات، وحالت الحرب العام 1967 دون تسجيل هذه البيوت في الطابو الأردني. ومع انتهاء فترة التحكير، ظنّ الفلسطينيون أنهم يمكنهم استعادة أراضيهم، لكن في العام 1997، وقبل انتهاء مدّة التحكير بقليل، ذهب فلسطينيو الشيخ جرّاح إلى المحاكم الإسرائيليّة، مطالبين باستعادة الأراضي الوقفية مع انتهاء التحكير، إلّا أن الالتماس رُفض، واستأنفت العائلات القرار، إلّا أن المحكمة في العام 2010 منحت الأراضي لمستوطنين يهود.


(المدفعية البريطانية أثناء مرورها عبر القدس العام 1936، ويظهر مسجد الشيخ جراح في الخلف - الصورة من مكتبة الكونغرس)

ومنذ العام 2008 جاءت جماعة استيطانية تدعى "نحلات شمعون انترناشيونال"، تريد هدم الحيّ وإقامة مستوطنة كبيرة لتفصل أحياء القدس العربيّة عن القدس. استمر السجال القانوني بين الفلسطينيين والإسرائيليين عقوداً من الزمن، وبقي الحال على ما هو عليه. وفي الأيام الماضية، طلبت سلطات الاحتلال إخلاء منازل لعائلات في الشيخ جراح، ما فجّر الاحتجاجات القائمة راهناً.

يقول الشاعر اللبناني عباس بيضون في تعليق له: "حين تحكم محكمة بإخلاء منازل في حي الشيخ جراح استناداً الى ادعاء من 150 سنة، نفهم نحن أن هذا الحكم اعتداء فحسب. وأنه، وهو يشبه الدعوى التي قامت عليها اسرائيل، يضع هذه الدعوى أيضاً على المحك. اسرائيل في تجديدها دعواها هذه، لا تخدم نفسها. إنها تضع شرعيتها موضع سؤال. الآن لم تعد الهولوكست هي الحجة الغامضة والدائمة وراء قيام اسرائيل. الآن هو الاستيلاء والغصب اللذان لا يتستران بشيء، واللذان، في رجوعهما الى التاريخ، يجعلان منه مهزلة تشكك في كل الحق التاريخي ودعاويه"...

أما تسمية الحيّ، الشيخ جراح، فلها قصة اخرى. تتضارب المعلومات في حقيقة اكتسابه هذا الاسم، وهوية الرجل الذي منحه اسمه. بحسب بعض المراجع، فإن أقدم الإشارات التي وردت عن حي الشيخ جراح، أو الشيخ جراح نفسه، جاءت من القرن الميلادي السادس عشر.

وذكر مجير الدين الحنبلي، عبد الرحمن بن محمد المقدسي العُمري (860-928هـ)، في كتابه "الأُنس الجليل في تاريخ القدس والجليل" ويُعرف بتاريخ الحنبلي، إنه رأى زاوية في القدس، باسم الزاوية الجراحية، وتقع بظاهر القدس، من جهة الشمال كما حددها، وأضاف: "ولها وقفٌ ووظائف مرتبة ونسبتها لواقفها الأمير حسام الدين الحسين بن شرف الدين عيسى الجراحي".

ويقول الكاتب السوري عهد فاضل: "يفاجئ النابلسي قرّاءه، بأن قبر الجراح، صار مزاراً، وأن اسم صاحبه، شيخ، بعدما ذكره الحنبلي، بأنه أمير، فيقول النابلسي: "فوصلنا إلى مزار الشيخ جرّاح، فوقفنا هناك وقرأنا الفاتحة"، ويضيف: "هذا المزار، في المدرسة الجراحية" مستنداً إلى ما ذكره الحنبلي في تاريخه، من دون أن يتطرق إلى أن الحنبلي كان قد وصفه بالأمير عند صلاح الدين الأيوبي. وبعدما كان أميراً، عند الحنبلي في تاريخه، ثم صار شيخاً بمزار في رحلة الشيخ النابلسي، تبيّن أنه كان طبيباً أيضاً، بحسب مصادر حديثة، لم تستند إلى أي مرجع سابق في إطلاق هذه الصفة الإضافية على جراح، من أمير إلى شيخ إلى طبيب.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها