آخر تحديث:12:16(بيروت)
الأربعاء 07/04/2021
share

"الرابع من آب 2020".. بيروت مدينة بلا شِعر

محمد حجيري | الأربعاء 07/04/2021
شارك المقال :
"الرابع من آب 2020".. بيروت مدينة بلا شِعر عنبر رقم 12 لأيمن بعلبكي
في زمانه كتب الشاعر باول تسيلان كتابه "تحوّل النَّفَس"، وأراد بحسب نقاده أن يشيرَ إلى تحوّل النَّفَسِ الشعريّ، أي شعرية جديدة للشعر، وأن يتحدّى بالشعر عبارة تيدور أدورنو المعروفة بأن "كتابة الشعرِ بعد أوشفتز فعلٌ بربريّ". فمهما يكن ما حدث في الحقبة النازية بين عاميْ 1933-1945، يبقى الشعرُ بالنسبة إلى تسيلان يمثّل "مواجهةً" وتواصلاً، إنه "مصافحةٌ" كما قال مرةً، راهن تسيلان على كسر مقولة أدورنو عبر إيمانه بقوة الشعر وطاقته على نعي الموت، في قصيدته الطويلة "كوة للموت"...
والسؤال هل يمكن كتابة الشعر عن انفجار مرفأ بيروت؟ هل يمكن الكتابة عن هول ما حصل؟ هل يمكن الرثاء؟ هل تحوّل النّفس في المدينة القتيلة، أم تبدّلت أدوات التعبير؟ أم ليس لدى الشعراء ما يقولونه؟
بالطبع ليس سهلاً كتابة الشعر عن 4 آب 2020... ما الذي يمكن أن يقوله الشاعر عن انفجار، وقد رأيناه بالصوت بالصورة، بعشرات الأفلام، بل مئات الأفلام، مصورة سواء بتلك الكاميرات التي كانتْ تصوّر مصادفة الحدث الرهيب، أو تلك المركونة في زوايا البيوت والمحال والشوارع. والحال أن كتاب "الرابع من آب 2020" للشاعر عقل العويط(صدر عن دار شرق الكتاب)، يحمل عنواناً زمنياً مفصلياً، فيه شيء من "تحوّل النّفَس"، وشيء من مقولة ادورنو، فالشاعر يكتب وهو يعيش هول اللحظة القاسية، يقول "كيف، وبأي صوت، أغطي هذه الفاجعة؟!" و"القتل ضاق ذرعاً بنفسه"، و"المقبرة لم تعد تتسع". ويسأل نفسه وهو يكتب "ليس ممتعاً ولا مناسباً/ توقيت هذا الرثاء/ أيصح أن يرثى/ مكان/ ما لم يلتئم بأشلائه؟ و"لستُ شاهداً، لكنّني أروي"/ "كيف أصفُ مشهداً إذا كنتُ غريقاً فيه"، "كيف أصفُكِ يا بيروتُ، قبل الساعة السادسة وسبع دقائق؟ كيف أصفك بعد الساعة السادسة وسبع دقائق؟ كل ما في الأمر، أني كنت ميتاً، فكيف لميتٍ أن يصف؟"، يسأل عقل العويط و"كيف سأعرف أني لم أعد أتألم إذا كنت ميتاً؟ يقول الناقد الفرنسي رولان بارت.

  الشاعر عقل العويط الذي كان جالساً في بيته في الاشرفية لحظة الانفجار الكبير، رأى البناية العالية التي قبالته كأنها تميل وترتج، تحطم أثاث منزله... كان في مشهد الموت والفجيعة، لم يستطع ان يبقى بلا كتابة، لم يستطع أن يبقى متأملاً، "هذا الوجع لا بدّ أن يُكتب. وذلك الثلثاء اللعين لا بدّ أن ينزف على ورق"، قال في ديوانه "4 آب 2020"، ودخل في "كباش مع القسوة"، كباش مع مشهد ما فوق القسوة، تمرّد على نفسه في اختيار موضوع الكتاب، كتب عن حدث وواقعة مباشرة، واختار أن يكون العنوان عنها حدثياً وعاماً، هو الذي دأب في أعماله السابقة أن يكون ذهنياً وموارباً، ويكتنفه شيء من غموض الحداثة إذا جاز التعبير. الآن يكتب شعراً عن لحظة موت مدينة في انفجار اشبه بالنووي، ويقرّ بأنه "لن ينقشعَ الضوءُ لنرى مَن هو القاتل"... و"نصفي ثأرنا مع هذا الليل؟


ما أكتبه ليس نقداً، ولست ضليعاً في نقد الشعر والتأويل والبحث في بواطن الأمور... وما انتبهت إليه، من خلال الاطلاع على كتاب شاعرنا، وبغض النظر عن مضمونه ولحظته ورثائيته، هو التحوّل الذي حصل في وسائل التعبير خلال السنوات القليلة الماضية، فانفجار ضخم بحجم انفجار المرفأ، دمر مدينة وقتل ناسها وشردهم، كُتب عن لحظته الهائلة قصائد معدودة ("بيروتشيما" لعبده وازن، وبعض التجارب الشبابية)... في السابق كتب عن أحداث كمخيم تل الزعتر عشرات القصائد المعروفة والمغناة، من أبرز الأسماء الشعرية في ذلك الوقت (من محمود درويش الى مظفر النواب وإيتيل عدنان)، وكذا حصار بيروت 1982... واذ كان الشعر تراجع كوسيلة للتعبير الساخط عن حدث، لا يعني أن الفنون الأخرى غائبة، على الاقل في الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي والفيديو آرت والنصوص النثرية والشذرية والفنون المعاصرة.

تراجعت الكتابة الشعرية الجديدة عن بيروت، بينما استحضرت قصائد الأمس(نزار قباني، محمود درويش، جوزف حرب، ناديا تويني...) للتعبير عن الواقع المؤلم.

ولا ضرر إن قلنا، بيروت مدينة الشعر، بلا شعر...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها