آخر تحديث:13:44(بيروت)
الثلاثاء 06/04/2021
share

متحف رقمي للفن العام:هيمنة تجربة التسعينيات

حسن الساحلي | الثلاثاء 06/04/2021
شارك المقال :
  • متحف رقمي للفن العام:هيمنة تجربة التسعينيات
    غرافيتي يزن حلواني
  • فيديو ضمن إقامة فنية لمنصة الفن المؤقت
    فيديو ضمن إقامة فنية لمنصة الفن المؤقت
  • عرض أدائي صوتي لجو نعمة
    عرض أدائي صوتي لجو نعمة
في العام 2016، أصدرت منصة الفن المؤقت Temporary Art Platform دليلا لمساعدة الفنانين الراغبين بإنتاج عمل فني ضمن الحيز العام. يسجل الدليل الخطوات القانونية التي على الفنان القيام بها، والتحديات التي يمكن ان يواجهها (في حال رغب بإنتاج العمل بشكل قانوني أو غير قانوني) على أن يكون الدليل موجها في المستقبل للسلطات الرسمية، التي غالباً لا تزال تجهل معنى تعابير مثل تجهيز فني أو تدخل ذي صلة بفضاء مكاني محدد Site specific Intervention، كما يوجه للبلديات التي يعوّل عليها مستقبلاً، لتعزيز دور الفن  في المجال العام. أنتج الدليل حينها بالتعاون مع المحامية نايلة جعجع واستند على دراسات حالة، ومقابلات مع منتجين ثقافيين يمتلكون تجربة تنظيم عروض سابقة في الحيز العام.


دفع البحث الاولي الذي قامت به المؤسسة عند إنتاج الدليل، واطلاعها على عدد الأعمال الكبير والمجهول، الذي أنتج منذ التسعينات حتى اليوم، إلى التفكير جديا بضرورة العمل على دليل بحثي آخر. يهدف الدليل المرة إلى توثيق جميع الأعمال الفنية التي ظهرت في الحيز العام خلال العقود الثلاثة الماضية، ثمّ ازيلت أو اختفت بفعل العوامل الطبيعية، لتسهيل عمل الباحثين والمهتمين بقراءة أدق لتاريخ الفن المعاصر: "نحن نعيش في بلد، كل شيء فيه مؤقت. يولد أجيال من الفنانين، ينتجون أعمالاً، ثم يهاجرون، قبل مجيء غيرهم، الذين يفعلون الأمر نفسه ويغادرون أيضاً. يميل هؤلاء إلى إنتاج أعمال مؤقتة، يمكن تحريكها بسهولتها أو ازالتها، بدون رغبة في إنتاج أعمال دائمة. لذلك، لا تترك هذه الاعمال أثراً ولا تعرف بها الأجيال اللاحقة. لذلك من الضروري وجود جهة تحفظها وتمنع حصول انقطاع بينها" وفق الباحثة نور عسيران. 

تخطط المؤسسة في مرحلة لاحقة إلى العمل على مشروع آخر يكمل الأول، يهدف لتوثيق الأعمال ذات الروحية الحداثية (التماثيل مثلا أو النصب التذكارية) التي لا تأخذ سوى حصة صغيرة الآن من الدليل البحثي.

من الأمور المثيرة في المشروع، أن المؤسسة لم تضع مخططاً مسبقاً أو تحدّد منهجية بحثية، بل بدأت مباشرة بتوثيق الأعمال، بالاعتماد على المصادر المتاحة عندها أي أرشيف المؤسسات والمهرجانات، أرشيف الصحف، والمعلومات الشفهية من الفاعلين الفنيين والمعارف: "بعد تمكننا من جمع 400 عمل فني، حينها بدأنا بالتصنيف وخلق الخانات التي تساعدنا على تطوير البحث. كان لدينا بعض الأفكار الأساسية في البداية، مثل اسم العمل، التاريخ، التعريف العام، الجهة المكلفة، رابط مقالات حول العمل، الصورة... لكن ما اضفناه لاحقاً كان التصنيفات التي تعتمد على طبيعة العمل، مثل عمل دائم، مؤقت، او سريع الزوال، بالاضافة الى التصنيفات المرتبطة بالنمط: منحوتة، نصب تذكاري، تدخل ذي صلة بمكان، فن ديجيتالي. ثم أخيراً أضفنا عشر إشارات Tags، يحق لكل عمل ثلاثة منها، أهميتها تكمن بقدرتها على أخذ المستخدم إلى أعمال ذات صلة، إن كان من ناحية الطبيعة او السياق العام، لنحول بذلك عملية البحث إلى رحلة استكشافية داخل متحف تاريخ الفن في المجال العام".

بعد إنهاء البحث الأولي الذي قامت به نور عسيران، بالتعاون مع متدربين تعاقدت معهم المؤسسة لثلاثة أشهر، تم التعاون مع مصمم مواقع لخلق نسخة تجريبية لأداة بحثية تضم قاعدة البيانات وتؤمن تجربة بحثية سلسلة للمستخدمين، الذين يفترض ان يتوجه إليهم الموقع، على أن يتم إطلاق المنصة في حزيران القادم، بدون ان يعني هذا التوقف عن توثيق الأعمال الفنية، التي لا يزال حجم الموثق منها قليلاً بالمقارنة بعددها الفعلي على ارض الواقع. 

اكثرية الأعمال الفنية التي لحظها الأرشيف، أنتجت إما في سياق مهرجانات او مشاريع لمؤسسات فنية، مقابل عدد قليل جداً من الاعمال التي انتجها أفراد لوحدهم بدون مناسبة. هذه  ليست إشارة إيجابية، إلا أنها مرتبطة بطبيعة الفن في القرن الحالي، وآليات عمل المؤسسات المرتطبة بجهات الدعم، التي خلقت سلوكيات "اتكالية" إلى حد ما عند الفنانين، ما ينسحب على الفن العمومي الذي أصبح عاجزاً عن الاستمرار بدون المؤسسات والمهرجانات التي تساعد على خلق الظرف والمناسبة والسياق. من ناحية أخرى، تساعد هذه الفعاليات على تأمين الحماية القانونية وتسهيل عمل الفنانين في الحيز العام، الذي رغم كل شيء، يبقى في الحالة اللبنانية تحت وطأة الجماعات. 

لذلك عند طرح سؤال حول اكثر المناطق التي تركز فيها الفن العمومي ضمن الارشيف، تكون الاجابة مرتبطة بأمكنة تنظيم الفعاليات الفنية. فقد لاحظت عسيران مثلاً، ان بلدة عالية كانت مكانا لعدد كبير من الأعمال، لتفهم لاحقا أن السبب مرتبط بتنظيم إقامات وفعاليات فنية بمبادرة من غسان معاصري (نظم احدى الفعاليات بالتعاون مع تمارا السامرائي) أحد الفاعلين المهمين في المجال الفني، بالتعاون مع بلدية عالية "التي يبدو ان رئيسها كان متنوراً وواعياً لدور الفن في مرحلة من المراحل". ينسحب ذلك على راس بيروت، الذي كان مكاناً رئيسا لفعاليات مثل "مهرجان أيلول"، كما على شوارع الجميزة التي تستقطب الحركة الثقافية المدينية خلال السنوات الماضية.  

لا يزال هذا الواقع مستمراً حتى اليوم، وإن كانت الأنماط ستصبح أكثر تنوعا خلال الالفية الثالثة، مع زيادة تسليع الفن المعاصر وتعزيز حجم الأعمال التي تغلّب القيمة الجمالية والتزيينية على القيمة التدخلية في الحيز العام. نجد نماذج هذا النمط في فعاليات مثل "أسبوع التصميم" و"بيروت آرت فير"، التي ينتجها في حالات كثيرة بعض الفنانين غير اللبنانيين، كما هو الحال مثلا مع تصميمات وسط بيروت التي اكتسبت شهرة خلال انتفاضة 17 تشرين، من بينها "بوابة بيروت" التي ظهرت باستمرار خلال تغطيات التظاهرات بالقرب من فندق "لو غراي" (مع أن هذه الاعمال، تقدّم نفسها على انها مفاهيمية وتمتلك صلة بالحيز المشترك، إلا ان جوهرها يبقى في موضوعها وشكلها الخارجي)، علما ان هذا الصنف نجده أيضاً في جنوب لبنان، بتكليف من مؤسسات حزب الله الفنية. النموذج الاكثر شهرة هو في متحف "مليتا" ويحضر في عدد من الساحات والمناطق التي تمتلك خصوصية إيديولوجية عند الحزب (سبق ان قدم المخرج أحمد غصين محاضرة ادائية حول الموضوع، كما أجرت الباحثة الفرنسية زارا فورنييه دراسة بحثية عنه).
 

بكل حال، تبقى مرحلة التسعينات وبداية الالفية وفق عسيران، الأكثر كثافة من ناحية كم الانتاج الذي يمتلك مستوى سياسي ورغبة حقيقية في التدخل ضمن الحيز العام، لكن يبقى من غير الواضح السبب وراء ذلك. 

يمكن التفكير في بعض الأسباب مثل الظروف التي مر بها لبنان خلال التسعينيات، واهمها عودة الدولة للعمل بعد نهاية الحرب، ما بشر بولادة حيز عام غير محتسب على ميليشيا او قوة طائفية، بالاضافة لنشاط مجموعة من الفنانين المعروفين بجيل ما بعد الحرب، المهتمين بقضايا المجال العام والذاكرة الحضرية لبيروت، الذين انخرطوا في صراع مع سوليدير إلى جانب حقوقيين ومهندسين، شكلوا مجموعات ضغط لإنقاذ المجال العام الوحيد الحقيقي والجامع في العاصمة. نجد صدى هذا الصراع والانشغال بالمجال الحضري، في الأعمال الفنية التي نظمت ضمن "مهرجان أيلول" خلال نفس الفترة، او ضمن فعاليات مؤسسة "أشكال الوان" التي كانت لا تزال حينها بدون مركز ثابت (نظمت "أشكال الوان" أول معارضها في حديقة الصنائع، قبل ان تستنسخ النموذج نفسه في امكنة اخرى مثل كورنيش عين المريسة، شارع الحمرا، وحديقة السيوفي). 

لا يعني هذا أن الفن العمومي والتدخّلي لم يعد موجوداً اليوم. فمن حين إلى آخر، نشهد مهرجاناً او مجموعة تكليفات مرتبطة بهذا النمط، من بينها اعمال مجموع "ديكتافون" (تانيا خوري، بترا سرحال، عبير سقسوق) التي خلقت سياقات فنية مواجهة للهيمنة على شواطئ بيروت، كما فعاليات مؤسسة Temporary Art Platform التي استجابت أيضاً لقضايا المساحات العامة، من بينها قضية دالية الروشة حيث كلفت مجموعة فنانين لإنتاج أعمال تدخلية على الكورنيش والشاطئ، تتفاعل مع المارة وسكان المنطقة. وقد حصل الأمر نفسه في مشروع آخر، تركز حول نهر بيروت، ثم في سلسلة إقامات فنية نظمتها المؤسسة في قرى لبنانية، تعيش بعضها تناقضات من ناحية الصراع على المجال العام المهدد بسبب المصانع والكسارات.


من الفعاليات الأخرى التي انتجت في سياقها أعمال فنية عمومية خلال السنوات الأخيرة، سلسلة تكليفات في صحف لبنانية، استخدمها الفنانون لإيصال رسالة عبر عمل محدد، معارض نظمت ضمن مواقع تاريخية من بينها مبنى معرض رشيد كرامة الدولي، قلعة طرابلس، وقلعة بعلبك (من تنسيق كارينا الحلو وتنظيم معهد الفن الحديث Bema)، وقد شارك في هذه الفعاليات فنانون كانوا ناشطين في أواخر التسعينات وأول الالفية الثالثة مثل جوانا حجي توما وخليل جريج، مروان رشماوي، ولميا جريج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها