آخر تحديث:11:21(بيروت)
الأحد 04/04/2021
share

أحد القيامة وصُوَرُهُ الأولى

محمود الزيباوي | الأحد 04/04/2021
شارك المقال :
  • أحد القيامة وصُوَرُهُ الأولى
    منمنمة من مخطوط سرياني يعود إلى سنة 586 ويُعرف باسم "انجيل ربولا"، محفوظة في المكتبة اللورنزية في فلورنسا.
  •  حاملات الطيب أمام الضريح، جدارية من مدينة دوارا أوروبوس السورية الفرن الثالث، متحف جامعة يال.
    حاملات الطيب أمام الضريح، جدارية من مدينة دوارا أوروبوس السورية الفرن الثالث، متحف جامعة يال.
  • القيامة في قطعتين من العاج تعودان.. القرن الخامس. الأولى محفوظة في متحف سفورزيسكو (ميلانو)، والثانية في المتحف البافاري ميونخ.
    القيامة في قطعتين من العاج تعودان.. القرن الخامس. الأولى محفوظة في متحف سفورزيسكو (ميلانو)، والثانية في المتحف البافاري ميونخ.
  • القيامة على أحد جوانب علبة عاجية من القرن الخامس، المتحف البريطاني، لندن.
    القيامة على أحد جوانب علبة عاجية من القرن الخامس، المتحف البريطاني، لندن.
  • فسيفساء من القرن السادس، كنيسة القديس ابوليناريو في مدينة رافينا الإيطالية.
    فسيفساء من القرن السادس، كنيسة القديس ابوليناريو في مدينة رافينا الإيطالية.

 



في العصر العباسي الذهبي، كتب أبو الحسن المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" رواية مختزلة لسيرة ليسوع الناصري عرضها في باب "ذكر الطبقة الأولى من ملوك الروم"، وفيها تحدّث عن صلب المسيح "عند النصارى"، وقال: "وهو عندهم منه في مثل اليوم الذي أهبط فيه آدم من الجنة، ومات عندهم ودُفن وقام وانبعث من بين الموتى حياً، وصعد إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة، ولا يصعد عندهم إلى السماء إلّا من نزل منها".

 

بحسب رواية الأناجيل، أخبر المسيح بقيامته من بين الأموات مرّات عديدة قبل صلبه وموته ودفنه. نقرأ في انجيل متى: "ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكَتَبة، ويُقتَل، وفي اليوم الثالث يقوم" (16: 21). وفي انجيل مرقص: "وابتدأ يعلّمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا، ويُرفَض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكَتَبة، ويُقتَل، وبعد ثلاثة أيام يقوم" (8: 31). وفي انجيل لوقا: "وسيتمّ كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان، لأنه يُسلَّم إلى الأمم، ويُستهزأ به، ويُشتَم ويُتفَل عليه، يجلدونه، ويقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم" (18: 31-33). وفي انجيل يوحنا: "فلما قام من الأموات، تذكّر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع" (2: 22).

تتقاطع روايات الأناجيل في نقلها لوقائع الموت والقيامة. في رواية متى، بعد صلب المسيح ودفنه، قصد رؤساء الكهنة الحاكم بيلاطس، وطلبوا منه حراسة القبر إلى اليوم الثالث، "لئلا يأتي تلاميذه ليلًا ويسرقوه، ويقولوا للشعب: إنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشرّ من الأولى" (27: 64). ومضوا وجعلوا حرّاساً منهم على القبر وختموه بالحجر. "وبعد السبت، عند فجر أول الأسبوع، جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر. وإذا زلزلة عظيمة حدثت، لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب، وجلس عليه. وكان منظره كالبرق، ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه ارتعد الحرّاس وصاروا كأموات. فأجاب الملاك وقال للمرأتين: لا تخافا أنتما، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنه قام كما قال، هلمّا انظرا الموضع الذي كان الربّ مضطجعا فيه" (28: 1-6).

ينقل مرقص رواية مشابهة، مع بعض الاختلاف في التفاصيل: "وبعدما مضى السبت، اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة، حنوطا ليأتين ويدهنه. وباكراً جداً في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس. وكن يقلن فيما بينهن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟ فتطلعن ورأين أن الحجر قد دُحرج، لأنه كان عظيماً جداً. ولما دخلن القبر رأين شاباً جالساً عن اليمين لابسا حلة بيضاء، فاندهشن. فقال لهن: لا تندهشن، أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب، قد قام، ليس هو ههنا، هوذا الموضع الذي وضعوه فيه" (16: 1-6). 

تتكرّر القصة مرةً أخرى في إنجيل لوقا، وفيها يتضاعف عدد شهود القيامة، ويحضر ملاكان أمام القبر: "ثم في أول الأسبوع، أول الفجر، أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه، ومعهن أناس. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر، فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع. وفيما هن محتارات في ذلك، إذا رجلان وقفا بهنّ بثياب براقة. وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض، قالا لهن: لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا، لكنه قام، اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل قائلا: إنه ينبغي أن يسلّم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة، ويُصلَب، وفي اليوم الثالث يقوم. فتذكرن كلامه، ورجعن من القبر، وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن، اللواتي قلن هذا للرسل. فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن. فقام بطرس وركض إلى القبر، فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها، فمضى متعجبا في نفسه مما كان" (24: 1-12).


نصل إلى رواية يوحنا، وفيها تأتي مريم المجدلية وحدها إلى القبر، وترى الحجر مرفوعاً، فتنقل الخبر إلى بطرس ويوحنا، وتقول لهما: "أخذوا السيد من القبر، ولسنا نعلم أين وضعوه". يمضي بطرس ويوحنا سريعا إلى القبر، يجدان الأكفان في موضع، والمنديل الذي كان على رأس السيد "ملفوفا في موضع وحده"، يدركان معنى ما جاء في الكتاب: "انه ينبغي ان يقوم بين الأموات". يواصل الراوي السرد، ويقول: "أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكي. وفيما هي تبكي انحنت إلى القبر، فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحداً عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعا. فقالا لها: يا امرأة، لماذا تبكين؟ قالت لهما: إنهم أخذوا سيدي، ولست أعلم أين وضعوه. ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء، فنظرت يسوع واقفا، ولم تعلم أنه يسوع. قال لها يسوع: يا امرأة، لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ فظنت تلك أنه البستاني، فقالت له: يا سيد، إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته، وأنا آخذه. قال لها يسوع: يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له: ربّوني، الذي تفسيره: يا معلّم. قال لها يسوع: لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (20: 1-17).


التجليات الفنية

دخل مشهد القيامة في الفن المسيحي الأول في مرحلة متأخرة نسبيا، وأقدم شواهده لوحة جدارية مصدرها مدينة دورا أوروبوس التي تُعرَف اليوم بصالحية الفرات، وتقع على الضفة اليمنى لهذا النهر، على مسافة تسعين كيلومتراً من مدينة دير الزور. تعود هذه الجدارية إلى بيت استُخدِم كدار عبادة في منتصف القرن الثالث، وتمثل ثلاث نساء يقفن منتصبات أمام ضريح كبير، وهن "حاملات الحنوط الذي أعددنه" كما نقل لوقا، ويُعرَفن بـ"حاملات الطيب". تتبع هذه الجدارية الأسلوب الذي ساد في دورا أوروبوس، وهو أسلوب يجمع بين النهج الروماني والنهج الفارسي في حلة محلية خاصة. تعطي هذه الجماليّة الأفضلية الى وضعية الوجه المواجه. من هنا، تحدّق الوجوه في الناظر إليها، وتتلاقى عيون هذه الوجوه بعيون مَن يتوجه اليها. خيط الرّسم يسبق عمليّة التلوين ويحدد أجزاء التأليف على المسافة المسطّحة، أما تناسق الألوان في رسم حدودها وتدرجاتها في ما بينها فيعتمد على الصياغة والتنفيذ الواضح.

الفضاء الحسي غائب، والأبعاد المادية لا وجود لها: تختفي جاذبيّة الأرض، ومعها يغيب النور الطبيعي بانعكاساته وتنتفي قواعد المنظور. تتخلّص الأجساد من قوانين الثقل والجاذبية وتبدو في ثبات وقفتها وكأنها تحلّق في فضاء عمودي. يظهر أبطال اللوحة بوجوه مسطحة وأجساد خالية من الثقل والوزن، ويتجاورون دون أن يتخاطبوا.

يأخذ هذا المشهد طابعا خاصا يتجلّى في مجموعة صغيرة من القطع العاجية تعود إلى القرن الخامس وتتميّز بأسلوبها الروماني الكلاسيكي. أشهر هذه التحف قطعة من محفوظات متحف قصر سفورزيسكو في ميلانو، وقطعة محفوظة في المتحف البافاري الوطني في ميونيخ، وقطعة محفوظة في المتحف البريطاني في لندن. تتألّف القطعة الأولى من قسمين متساويين. في القسم الأعلى يحضر حارسان أمام الضريح، وفي القسم الأسفل نرى امرأتين تنحنيان أمام يسوع المسيح كما في رواية متى، حيث خرجت مريم المجدلية ومريم الأخرى من القبر راكضتين لتنقلا خبر القيامة إلى تلامذة المسيح، فلاقاهما يسوع وقال: سلام لكما. فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما يسوع: لا تخافا، اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل، وهناك يرونني".

في المقابل، تجمع قطعة المتحف البافاري بين مشهد القيامة ومشهد صعود المسيح في إطار واحد. حاملات الطيب ثلاث، وهنّ هنا واقفات ينظرن إلى الملاك الجالس عند باب الضريح، رافعاً ذراعه في اتجاههن في حركة ترمز إلى المخاطبة. يظهر حارسان من خلف الضريح، وفي الأعلى يظهر المسيح صاعدا إلى السماء أمام دهشة اثنين من تلامذته. يحضر مشهد القيامة في تأليف مغاير على قطعة المتحف البريطاني، وهي قطعة من أربع قطع تشكل معا أربع جهات لعلبة عاجية من الحجم الصغير. يحتل الضريح وسط التأليف، ويظهر عند طرفيه جنديان جالسان وحاملتا الطيب واقفتان من خلفهما.

تشهد هذه القطع العاجية على تكوين مشهد القيامة في صياغته الأولى، ونرى هذا التكوين في لوح من الفسيفساء في كنيسة القديس ابوليناريو في مدينة رافينا الإيطالية. تعود هذه الفسيفساء إلى مطلع القرن السادس، وتشهد لبروز الجمالية البيزنطية في عصرها الأول. يجلس الملاك بلباسه الأبيض على حجر، رافعاً يمناه في اتجاه حاملتَي طيب تتقدمان باسطتين أذرعهما في اتجاهه، ويرتفع في الوسط ضريح سقفه أرجواني تحده أربعة عواميد وسط فضاء من الذهب الصافي.   

يأخذ هذا المشهد بعداً انشائياً في منمنمة تزين مخطوطاً سريانياً يعود إلى سنة 586 ويُعرف باسم "انجيل ربولا"، وهو من محفوظات المكتبة اللورنزية في فلورنسا. في هذه الصورة، تغيب المسافة التي تفصل بين مراحل الحدث. في وسط التأليف نرى ثلاثة جنود منطرحين على الأرض أمام باب ضريح يوناني يزينه عمودان من الخام الأحمر يعلوهما تاجان كورنثيان. من باب الضريح المفتوح تخرج ثلاثة أشعة حمراء تصعق حراس القبر. أمام هذا الضريح يجلس ملاك الرب بلباس أبيض، رافعاً يده في اتجاه مريم العذراء وإحدى المريمات. تمسك الأولى بيسراها قارورة الطيب، وتحمل الثانية بيمناها مبخرة. نراهما مرة ثانية في الجهة الأخرى من الصورة، راكعتين أمام المسيح. مثل الملاك الجالس على حجر القبر، يرتدي يسوع رداء ناصع البياض، والأبيض في سفر الرؤيا رمز القيامة والظفر، وهو لون الحلل التي يلبسها المختارون في السماء.

لا يشير أيٌّ من الأناجيل بشكل مباشر إلى مجيء مريم العذراء إلى القبر صباح أحد القيامة. في المنمنمة السريانية تظهر العذراء بشكل جلي، وتشهد على ذلك الهالة التي تكللها. نراها هنا برفقة إحدى المريمات هي في الأغلب المجدلية، رسولة الرسل وأوّل من تراءى لها المسيح عند قيامته بحسب يوحنا. تتميّز منمنمة انجيل ربّولا عما سبقها من أعمال بحيث تبدو أقدم تصوير معروف لظهور المسيح أمام العذراء عند قيامته.

تشكل هذه الصورة ترجمة تشكيلية لتقليد مسيحي قديم يؤكّد أن العذراء شهدت قيامة ابنها، ويجد هذا التقليد صداه في مؤلفات افرام السرياني ويوحنا الذهبي الفم قبل أن يتحول إلى تقليد ثابت في القرن السادس.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها