آخر تحديث:13:44(بيروت)
الجمعة 30/04/2021
share

صُور كيغام... غزة التي لا نعرفها: مايوه، موسيقى وغيفارا

محمد حجيري | الجمعة 30/04/2021
شارك المقال :
  • صُور كيغام... غزة التي لا نعرفها: مايوه، موسيقى وغيفارا
    حفلات في غزة
  • نساء
    نساء
  • غيفارا
    غيفارا
  • ثياب البحر
    ثياب البحر
  • اعراس وموسيقى
    اعراس وموسيقى
  • لقاءات
    لقاءات
في مقاله "المحجبات لمدينة الخليل.. والسافرات لرام الله"، أشار الزميل أدهم مناصرة إلى أنه بين الجدل والسخرية، تداول ناشطون ومستخدمون فلسطينيون في فايسبوك، صورتين لمضمون إعلاني واحد على طريقة "بيلبورد" لماركة الأرزّ "شقحة"، إحداهما لامرأتين محجبتين في الخليل جنوبي الضفة الغربية، وهما نفسهما من دون حجاب في إعلان في مدينة رام الله"، واتهمت الشركة مصممة الاعلان "بالعنصرية وتكريس تمييز بين المحافظات ومعها الصورة النمطية بين مدينة الخليل "كمحافِظة ومتدينة" جنوباً، ورام الله كمدينة أكثر تحرراً!"

لا ضرورة للنقاش في أشكال في التنميط في واقع فلسطين في خضم معاناة الاحتلال من جهة، والانقسام من جهة، لكن في وقت الانتباه للإعلان، كان الرسام المصري حلمي التوني ينشر لوحة له ويكتب معلقاً: "اكتشف المصريون مؤخراً انه أصبح في مصر شعبان.. ويبدو أنني رأيت ذلك مبكراً بعض الشيء.. سنة 2008"...(اللوحة إلى اليسار).

أحسب أن ما رآه حلمي التوني، في لوحته، يختصر أقاليم ودولاً، من مصر الى العراق وإيران وحتى أفغانستان،. ففي معظم هذه الدول كانت المرأة تعيش شكلاً من الحرية، على الأقل في اختيار الثياب والموضة والوصول الى الجامعات وخوض مسابقات الجمال. ومنذ صعود الأصوليات، تراجعت أدوار النساء، وانحدرت ثقافة الموضة نحو التلاشي لصالح الألبسة المؤدلجة و"الشرعية"، فصارت هذه الدول بين صورتين: قديمة فيها شيء من المعاصرة، وجديدة تعود الى العصور الغابرة... دخلت المرأة في "تنميط" الأسلمة، ودخلت المناطق في تنميط التحجيب، من مصر إلى العراق وإيران وحتى مناطق مثل الأوزاعي وطرابلس ودمشق... وهذه الحالة تنطبق على قطاع غزة في فلسطين الذي تسيطر عليه حركة "حماس" المتشدّدة، اذ شهدنا مؤخراً، ناشطاً حمسوياً يعتدي بالضرب على صحافية لأنها من دون حجاب. وقبل الثقافة الحمسوية، وربما حتى قبل الفتحاوية، كانت صورة أخرى لغزة، ربما هي امتداد لثقافة مصر في زمن صعودها، صورة أخرى لغزة المنفتحة المتعددة... ما الذي يثبت ذلك؟

صُور الأرمني الفلسطيني كيغام جيغاليان (1910- 1981) تحكي أكثر من أي كلام. فالمصوّر الناجي من الإبادة الجماعية لمذبحة الأرمن العام 1915، انتقلت والدته إلى سوريا وهي طفلة، هرباً من الإبادة. وبعد وفاتها، أُرسل كيغام في سن المراهقة للإقامة مع أقاربه في القدس التي كانت تحت الانتداب البريطاني في ذلك الوقت. في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، ترك كيغام القدس وحطّ كاميراته في شارع سيُعرف بعد بضع سنوات باسم "شارع عمر المختار" في غزّة، ليستقرّ ويؤسس فيها أول استديو تصوير العام 1944 المسمّى "فوتوكيغام"، وعلى مراحل سيكون شاهداً على النكبات والهزائم والتحولات في فلسطين... يقول حفيده في مقابلة نُشرت في موقع "فايس" أن كيغام أحب غزة وأهلها وانتمى لها ولهم، ووثق بكاميراته تفاصيل حياتهم داخل الاستديو وخارجه. ويضيف "أن صور جدي كيغام ليست بعيدة من الكشف التاريخي، فهي توثيق لغزة المغايرة تمامًا للصورة النمطية السائدة عنها حاليًا". ويقول: "لم أعرف جدي في حياتي، فهو ظل في غزة وتوفي فيها مطلع الثمانينيات، لكن ما دفعني إلى معرفته فعلًا، إضافة إلى مشاركتي له عشقه للفنون البصرية، هو رد فعل الغزيين ممن عرفتهم، سواء في القاهرة، أو باريس حيث أقيم حاليًا، عندما يعرفون أني حفيده. طوفان من الذكريات المختلطة بالدموع والمحبة، حتى بشيء من الوفاء، كل ذلك دفعني للبحث عن هوية جدي، وتساءلت حينها، من هو كيغام صاحب أول وأقدم أستوديو تصوير في غزة؟ لماذا يُحدث اسمه هذا التأثير في ذاكرة الغزيين ممن تتجاوز أعمارهم الخمسين عامًا؟ أو الذين عاصروه عمومًا. وقتها أبي لم يذكر شيئًا عن هذه الصناديق الثلاثة، لأنه ببساطة كان قد نسيها، حتى وجدناها العام 2018، وعندها تغيرت حياتي كثيرًا، بت مطلعًا على تاريخ عائلتي، على شخصية جدي، وأعطتني فكرة أعمق عن هويتي، والأهم من ذلك هو رد الاعتبار لغزة التي تستحق حكايتها أن تُروى بشكل مغاير"...

 


كيغام الجد، بحسب كيغام الحفيد "قرر أن تكون غزة مدينته، أحبها وانتمى إليها، ووثق بكاميراته النكبة، ثم النكسة، وخيام اللاجئين، وجميع المآسي التي ذاقها أهلها". نجح كيغام من خلال التصوير الفوتوغرافي في الحفاظ على ثقافة غزة بصرياً، ووثق أهم مظاهر الحياة الاجتماعية، السياسية، الثقافية والرسمية، الحقب التاريخية المهمة للمدينة، سواء في ظل الانتداب البريطاني، الحكم المصري أو الاحتلال الإسرائيلي بين العامين 1956 و1967.

نكتشف، عبر عدسة كيغام، امتلاك غزة، في منتصف القرن العشرين، مطاراً وخط سكة حديد، ووجود فرق موسيقية فلسطينية شعبية وآلات نفخ، ونساء بمايوهات على الشواطئ وفي المخيمات، حفلات الفنانين التي كانت تجوب غزة، من نجاة الصغيرة، صباح، عبد الحليم وآخرين. كيغام الذي حظي باهتمام ملحوظ في السنوات الأخيرة، صنعت قناة "دويتشه فيله" الألمانية، فيلماً وثائقياً عنه تحت عنوان "جمع الذاكرة: الحفاظ على تاريخ الفوتوغرافيا في غزة". ويستعرض الفيلم، الصور التي تمثل شهادة عن غزة والحياة الاجتماعية فيها، ويعرض صوراً التقطها كيغام جيغاليان، صورة لأنور السادات حين كان ضابطاً في غزة، وصورة أخرى لمحمد نجيب، وصورة لزيارة تشي غيفارا إلى غزة العام 1959، وصور للبحر والميناء للشوراع والبنك العربي في واحدة منها، لبائع السوس، لفتيات يعملن في مقسم هاتف.

هي غزة أخرى، بدلتها أنماط السياسة، وعاشت على وقع الاحتلال، وتعيش على وقع الانقسام، وكلاهما (اي الاحتلال والانقسام)، يبطش بخيارات الناس..

(*) عُرض جزء من الصور في معرض بعنوان "مصور غزة كيغام - فتح الصندوق"، ضمن فعاليات "أسبوع القاهرة للصورة" منتصف مارس/آذار الماضي، وينطلق في الشهور المقبلة إلى فرنسا، بلجيكا، إنكلترا وغيرها من الدول الأوروبية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب