آخر تحديث:12:58(بيروت)
الخميس 29/04/2021
share

هل انتهى زمن الأوسكار؟

محمد صبحي | الخميس 29/04/2021
شارك المقال :
هل انتهى زمن الأوسكار؟ أماندا سيفريد في اوسكار 2021 (غيتي)
ليس اللبنانيون وحدهم مَن لم يشاهدوا حفلة جوائز الأوسكار، بل الأميركيون أنفسهم أيضاً. تختلف الأسباب والنتيجة واحدة.
لنتخيّل فيلماً يضم براد بيت ورينيه زيلويغر ويواكين فينيكس وأنجيلا باسيت، وعدداً قليلاً من نجوم هوليوود الآخرين، كتيبة تمثيلية من الصفّ الأول، لكن بالكاد يجد هذا الفيلم المدجج بالنجوم جمهوراً. هذا بالضبط ما حدث لحفلة جوائز الأوسكار في نسختها الأخيرة. رغم أن أكاديمية هوليوود المانحة للأوسكار، وضعت رهانها على ستيفن سودربيرغ، السينمائي الخبير في أنواع فيلمية متباينة وسياقات إنتاجية نقيضة، لابتكار حفلة تستحق المشاهدة والمتابعة في زمن الجائحة لأشهر جوائز الأفلام في العالم، جوائز الأوسكار. النتيجة؟ بدلاً من 23.6 مليون شخص كما في العام الماضي، فقط 9.85 مليون أميركي شاهدوا الحفلة على التلفاز والشاشات الأخرى (الأرقام الدولية غير متوافرة بعد). رقم قياسي سيئ جديد، بعدما نجحت نسخة العام الحالي في تجاوز سوء نسبة المشاهدة في العام الماضي التي سجّلت أسوأ أرقامها حتى تاريخها.


إذن ما الخطأ الذي حدث في ليلة الأوسكار 2021؟ هل تؤكد أعداد المشاهدين الضعيفة عدم اهتمام جماهيري بعروض الجوائز أثناء الوباء، وضعاً في الاعتبار أن احتفالات "غرامي" و"غولدن غلوب" الأخيرة سجّلت أيضاً نسبة مشاهدات منخفضة قياسية؟ أم أننا وصلنا بالفعل إلى النقطة التي انتهى فيها زمن عروض الجوائز، خاصة السينمائية منها، بعد تراجع حثيث في الاهتمام الجماهيري استمر لسنوات عديدة، وسينتهي بها الأمر إلى مادة لعناوين وأخبار الميديا بعدما أضحت مقطوعة الصلة ثقافياً؟

بدايةً، في ليلة الأوسكار لهذا العام، كان مقدمو العرض، مثل براد بيت وزيلويغر والبقية، أسماء بارزة ومعروفة. فيما على العكس منهم، كان الممثلون والممثلات مثل ريز أحمد وأندريه داي وستيفن يون ولاكيث ستانفيلد وماريا باكالوفا ويون يو جيونج، الذين برّرت إنجازاتهم الفنية تماماً ترشيحاتهم وتواجدهم في تلك الليلة/الحفلة؛ غير معروفين سوى لعدد قليل. بول راسي، المُرشّح لجائزة أفضل ممثل مساعد، فوجئ بنفسه على السجادة الحمراء في قلب أضواء وبهرجة لم يعتد عليها. إن كان في الإمكان المقارنة بين ليلة الأوسكار، وجريدة تابلويد ونميمة، حينها سيغدو الانخفاض الكبير في نسب المشاهدة مفهوماً، بل وربما مؤشراً جيداً للأكاديمية.

"مانك" مَن؟

حتى الأفلام التي كان من الممكن تكريمها هذه المرة، كانت معروفة مسبقاً لعدد أقل بكثير من المشاهدين، مقارنة بالأفلام المماثلة في الماضي. "مانك"، المتصدّر للسباق بعشرة ترشيحات والمدجج ببطولة نجمين مثل غاري أولدمان وآماندا سيفريد، طُرح في "نتفليكس" خلال الربع الاخير من العام الماضي. تضم خدمة البث حالياً أقل من 75 مليون مشترك في الولايات المتحدة وكندا (منذ العام 2020، لم تعد "نتفليكس" تعلن أرقام مشتركيها في الولايات المتحدة بشكل منفصل؛ وهم الذين يمثلّون حوالي 90% من إجمالي الاشتراكات). وفقًا لمسح أميركي نُشر قبل فترة وجيزة من حفلة توزيع جوائز الأوسكار، أفاد 18% فقط من المستجوَبين بعلمهم بفيلم "مانك"، وهي النسبة المئوية نفسها لمشتركي "نتفليكس" الأميركيين بالنسبة إلى سكان الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، يبدو أن الفيلم لم يكن له تأثير واسع النطاق، أبعد من مشتركي "نتفليكس" أنفسهم. ربما اكتسبت منصّات البث زخماً ومشتركين اضافيين بسبب الوباء والإغلاق، وصحيح أنها سرّعت عمليات إنتاجاتها الأصلية لتوسيع طاولة عروضها، لكنها، من الناحية الثقافية، تظل صوامع كبيرة مؤطرة، مثل مجتمعات الكومباوند المسوَّرة والمعزولة عن خارجها:  نادراً ما يلاحظ أي شخص خارجها إنتاجاتِها الخاصة.


(أنجيلا باسيت وفايولا دافيس في أوسكار 2021 - غيتي)

الإلمام بالأفلام وأبطالها يعد حافزاً مهماً للمشاهدين المحتملين لحفلة الأوسكار في المقام الأول، بالمنطق الذي يذهب به الناس إلى السينما بسبب اسم ممثل واعد في ملصق فيلم. بالإضافة إلى ذلك، بالطبع، كانت هناك ظروف الوباء هذا العام: أعلن منظمو الأوسكار في وقت مبكر أن حفلة تضمّ مئات المشاركين لن تكون ممكنة في مسرح دولبي (المكان المعتاد لإقامة الحفلة)، وأن الحفلة ستُوزّع على أماكن أخرى. لهذا السبب وحده، كانت كثافة النجوم على السجادة الحمراء أقل بشكل متوقع. هذا بدوره قلّل من اهتمام صناعة الأزياء ومصمميها المشاهير، الذين تمثل لهم أي حفلة توزيع جوائز منصّة إعلانية مثالية. مَن كان يُفترض به تقديم وتسويق كل الفساتين الفاخرة والمجوهرات باهظة الثمن؟ يمكن لأي شخص كان هناك ليلة الإثنين، رؤية أنه، باستثناء كاري موليغان وآماندا سيفريد، لم ترتد أي حاضرة فستاناً لافتاً. البهجة؟ فتنة النجومية و"غلامور" الممثلين والممثلات كان مُقطّراً وشحيحاً تلك الليلة.

مستقبل ضبابي

لا تكشف قلة الاهتمام الحالية سوى عن ماهية جوائز الأوسكار وفقاً لقوانينها الخاصة، كحدث تسويقي، وليس بأي حال من الأحوال كاحتفالية تكريم الفن السينمائي المتميّز أو غيرها من الكلمات المجانية. تستثمر الأكاديمية - وصناعة السينما - ملايين الدولارات كل عام لجلب جمهور أكبر إلى شريحة محددة جداً من الأفلام. لا تحتاج الأفلام الرائجة مثل "فاست آند فوريوس" أو قصص الأبطال الخارقين، إلى هذا الدعم، فيما تعيش أفلام "الآرتهاوس" في مكانها المحدّد بقواعد تخصّها دون غيرها. تهدف جوائز الأوسكار إلى الترويج لأفلام بين الصنفين المذكورين، أي أفلام جيدة يمكن أن تجد جمهوراً لكنها قد تغرق في السوق إذا لم تُمنح الاهتمام الكافي. كيف يأتي الاهتمام؟ بجائزة أوسكار. بعد الحفلة وتوزيع الأنصبة، يقرّر الكثير ممن ينتابهم الشك أمام شباك التذاكر، اختيار الدخول إلى ذلك الفيلم الذي يزيّن ملصق إعلانه صورة التمثال الذهبي الصغير.

هذا العام، كانت الأفلام المُرشّحة، أفلاماً جيدة. ليست فارقة ولا عظيمة، إنما جيدة في المجمل. لكن في أجزاء كثيرة من العالم، لا يمكن للجمهور مشاهدة هذه الأفلام في الوقت الحالي في شاشات السينما الكبيرة. دور السينما مغلقة، ومشغّلوها يعانون الخسائر بعد أكثر من سنة من الوباء. عندما تسلّمت فرانسيس مكدورماند جائزتها لأفضل ممثلة، ألقت خطاباً قصيراً وعاطفياً بلغ ذروته بنداء "شاهدوا الأفلام على أكبر شاشة ممكنة". بدا الأمر وكأنه صرخة يائسة طلباً للمساعدة.


(كاري موليغان في أوسكار 2021 - غيتي)

قد لا تكون جوائز الأوسكار ذات قيمة في حد ذاتها، أو يعتمد وزنها على شهرتها أكثر من مصداقيتها، أو أنها معرض لفئة معيّنة من الأفلام، لكنها كانت دائماً مقياساً لحالة السينما ووضعها. وربما يكون مستقبلها، فضلاً عن مستقبل صناعة السينما الكلاسيكية، أكثر ضبابية مما بدا ليلة الإثنين الماضي.

جيل جديد

وجدت دراسة حديثة أجرتها شركة ديلويت الاستشارية حول اتجاهات الاستهلاك في وسائط الميديا الرقمية أن أبناء الجيل Z، ممن تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عاماً، بالكاد يقضون وقتهم في مشاهدة الأفلام أو مقاطع الفيديو، مفضّلين النشاط في وسائل التواصل الاجتماعي وممارسة الألعاب. الشباب يريدون التفاعل والبقاء على إطلاع بآخر الصيحات والموضات. وعلى عكس الأجيال التي سبقتهم، وفقاً لهذه الدراسة، يبدو أن هذه الفئة العمرية لن تتخلى عن عاداتها مع تقدّمها في السن. إذا كان هذا التوقع دقيقاً، فسيؤدي إلى تغيير صناعة الأفلام، ولا يهمّ ما إذا كانت شركات الإنتاج التقليدية أو مزودو خدمات البث الأحدث عمراً، هي من ستتولّى المهمّة. قد تكون شركات مثل "نتفليكس"، التي تقدم محتوى حصرياً من الأفلام والمسلسلات، في وضع أسوأ من، على سبيل المثال، شركة مثل ديزني، التي لديها بالفعل طاولة عروض ترفيهية وتفاعلية أوسع. لاحقاً سيتمكن الجميع من قضاء أوقات فراغهم في فعل ما يحلو لهم. الأفلام ليست سوى جزء من تلك النشاطات. سيستمر انخفاض عدد الأفلام التي سيشاهدها الجميع في مرحلة ما، أو تلك التي تجتذب جمهوراً واسعاً للحديث عنها. هذه ليست أوقاتاً ذهبية للأوسكار ومثيلاتها.

إصرار أكاديمية هوليوود على قرارها الخاطئ للعام 2018، والذي أُتخذ غداة ضجة كبيرة في "تويتر" رافقت إعلان اسم مقدّم الحفلة، وانتهى بإقامتها بلا مُضيف للسنة الثالثة على التوالى.. مردّه خوف شديد مما يمكن أن تجلبه سلاطة لسان هذا المضيف أو تلك المضيفة، مثلما فعل الممثل الكوميدي ريكي جيرفيس العام الماضي في حفلة جوائز "غولدن غلوب". لكن في الوقت ذاته، وفي حين أن الأرقام لا تكذب، وجماهيرية الأوسكار في الحضيض تقريباً، ونجوم السينما والتلفزيون أكثر ثراءً وقوة اليوم من أي وقت مضى، إلا أن استعدادهم للضحك على أنفسهم تضاءل عالمياً، مثلما انخفض مستوى دهشة الجمهور حين علمه بمساوئ صناعة السينما وبيزنس الترفيه. رغم تلك المعطيات، ما زالت الأكاديمية مرعوبة من خدش نرجسيتها أو النظر سريعاً في مرآة حقيقتها، ما يؤشر إلى استمرار أزمتها الوجودية، مثلما استمرار بحثها عن شرايين جديدة لتقديم نفسها من جديد بصورة تلائم تغيّرات الزمن ومستجدات الصناعة، ليس في أميركا فحسب، بل في العالم كله.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها