آخر تحديث:18:50(بيروت)
الإثنين 26/04/2021
share

صوم مريم

محمود الزيباوي | الإثنين 26/04/2021
شارك المقال :
  • صوم مريم
    مريم في منمنمتين، "قصص الأنبياء"، القرن السادس عشر. الأولى من مجموعة خاصة، والثانية محفوظة في مكتبة شاستير بيتي في دبلن.
  • مريم تناظر قومها في حضور النبي زكريا، قصص الأنبياء، القرن السادس عشر، سرايا توبكابي في إسطنبول.
    مريم تناظر قومها في حضور النبي زكريا، قصص الأنبياء، القرن السادس عشر، سرايا توبكابي في إسطنبول.
في "أحكام القرآن"، رأى أبو بكر الرازي الحنفي "أن الصوم على ضربين: صوم لغوي وصوم شرعي". وأضاف: "فأما الصوم اللغوي فأصله الإمساك، ولا يختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما، بل كل إمساك فهو مسمًى في اللغة صومًا". واستشهد بالآية القرآنية: "إني نذرت للرحمن صوماً" (مريم: 26)، وقال ان معناها "الإمساك عن الكلام". في المقابل، قال الرازي إن الصوم في الشرع يتناول "ضربًا من الإمساك على شرائط معلومة لم يكن الاسم يتناوله في اللغة"، ومعناه "الإمساك عن الأكل والشرب والجماع".

استعاد الراغب الأصفهاني هذا التعريف في "المفردات في غريب القرآن"، وقال: "الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل مطعماً كان، أو كلاماً، أو مشياً، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير أو العلف صائم"، كما يستدلّ من قول النابغة الذبياني: "خيل صيام وأخرى غير صائمة"، وبهذا المعنى، قيل مصام الفرس، أي موقفه، وقيل مصام الشمس، تصوّرا لوقوفها في كبد السماء. "والصوم في الشرع: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء والاستقاء". أمّا صوم مريم، "فقد قيل: عُني به الإمساك عن الكلام"، بدلالة ما جاء في الآية نفسها: "فلن أكلم اليوم إنسيًا".

يتكرّر هذا الكلام في "معترك الأقران في إعجاز القرآن"، وفيه يقول عبد الحمن بن أبي بكر وجلال الدين السيوطي في حديثهما عن الصوم: "أصله في اللغة الإمساك مطلقاً، ثم استُعْمل في الشرع في الإمساك عن الطعام والشراب". في هذا السياق، جاء الصوم بمعنى الصّمْت في قول مريم: "إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيًا"، "وقيل: تعني الصيام، لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أُمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام مع المتهِّمين لها، ولأنّ عيسى تكلَّم عنها وأخبرها بأنها نذرت الصمت"، ونذر الصمت لا يجوز في الشريعة الإسلامية، غير أنه أثمر في هذه الحالة، إذ بفضله تمّت "تبرئتها على لسان ولدها".

وفقاً لما جاء في سورة آل عمران، طهّر الله مريم واصطفاها "على نساء العالمين" (42)، وحملت إليها الملائكة بشرى الله "بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا وفي الآخرة ومن المقرّبين" (45). وبحسب ما جاء سورة مريم، حملت البتول بعد مجيء الملاك إليها على صورة بشر حاملاً البشارة بكلمة منه يكون آية للناس، وتنحّت "مكانا قَصيّا" (22)، ولمّا فاجأها المخاض، اعتمدت إلى جذع نخلة، وتمنّت الموت والنسيان، "فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا. فكلي واشربي وقرّي عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (24-26).

اختلف المفسرون في التعريف بالمنادي الذي ناداها بـ"ألا تحزني"، فمنهم من قال إنه جبريل، ومنهم من قال إنه عيسى "الذي حملته في جوفها"، كما أشار الطبري في تفسيره: "فلـما قال ذلك عيسى لأمه اطمأنت نفسها، وسلّـمت لأمر الله، وحملته حتـى أتت به قومها". وفي حديث يُنسب الى وهب بن منبه: "أنساها كرب البلاء وخوف الناس ما كانت تسمع من الـملائكة من البشارة بعيسى، حتـى إذا كلّـمها، يعنـي عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها، احتملته ثم أقبلت به إلـى قومها". كذلك، اختلف المفسّرون في التعريف بصوم مريم، فمنهم من قال "صمتاً"، ومنهم من قال انها "صامت من الطعام والشراب والكلام"، كما نقل الطبري كذلك في تفسيره. في المقابل، استعاد الثعلبي في "الكشف والبيان" الآية الكريمة: "فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"، وكتب في تفسيرها: "يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا إشارة. ويقال: أمرها أن تقوله نطقاً ثم تمسك عن الكلام بعد هذا". ثم ّ أضاف: "يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس".

بحسب الطبري، اختلف المفسّرون "فـي السبب الذي من أجله أمر الله مريم "بالصوم عن كلام البشر"، فقال فريق منهم: "أمرها بذلك لأنه لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة"، وقال فريق ثان: "إنما كان ذلك آية لمريم وابنها"، وقال فريق ثالث: "بل كانت صائمة فـي ذلك اليوم، والصائم فـي ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأذن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمة". صامت مريم عن الكلام، وعادت بوليدها إلى قومها، وحين رأوه معها، قالوا لها: "لقد جئت شيئا فرياً" (27). والمعنى بحسب الطبري: "يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثت حدثاً عظيماً". اكتفت الأم بالإشارة إلى طفلها، وينقل الطبري عن السدي: "لما أشارت لهم إلـى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبيّ أشدّ علينا من زناها"، وقالوا لها "كيف نكلّم من كان في المهد صبيا" (29). وحين سمع الطفل كلامهم، قال من مرقده: "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً. وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا" (30-33).

في "الكشف والبيان"، ينقل الثعلبي رواية يحضر فيها النبي زكريا، وهو والد يحيى، ورأس الأحبار الذي كفل مريم في صغرها وبنى لها محرابا في الهيكل "لا يُرقى إليه بسلّم مثل باب الكعبة، فلا يصعد إليها غيره". بحسب هذه الرواية التي استعادها البغوي في "معالم التنزيل"، جاء زكريا حين شرعت مريم في "مناظرتها اليهود"، وقال لعيسى: "انطق بحجّتك إن كنت أُمِرْتَ بها"، فنطق وتكلّم "عند ذلك، وهو ابن أربعين يوماً"، وقيل "بل هو يوم ولد". تجد هذه القصة ترجمتها التشكيلية في منمنمة فريدة في تأليفها تزيّن صفحة من صفحات نسخة من "قصص الأنبياء" تعود إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر، وهي من محفوظات سرايا توبكابي في اسطنبول.

في القسم الأسفل من التاليف، تجلس مريم أرضا وهي تحمل بين يديها المسيح الطفل، وتكلّل رأس كل منهما هالة دائرية مذهبة. يحيط بالأم حشد من الرجال، ويظهر في الخلفية خمسة شهود يتابعون المناظرة من وراء الهضبة. في القسم الأعلى، يجلس زكريا القرفصاء وسط الحاضرين، معتمرا عمامة بيضاء، وتحيط برأسه هالة نارية تمتدّ نحو السماء الزرقاء.

وبحسب الرواية التي استعادها الثعلبي في "عرائس المجالس"، عادت مريم "إلى جماعة قومها من بيت لحم"، "فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا" وقالوا لها: "من أين لك هذا الولد؟"، فأشارت إلى طفلها كي يسألوه، فغضبوا وثاروا، فأتاها زكريا، وطلب من الطفل أن ينطق بحجّته، فقال "إني عبد الله أتاني الكتاب". "فلمّا تكلّم عيسى تركوها".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها