آخر تحديث:13:05(بيروت)
السبت 24/04/2021
share

رمضان وكوميديا الغرباء

شادي لويس | السبت 24/04/2021
شارك المقال :
رمضان وكوميديا الغرباء بلاك ادر
انتهيت من الحلقة الأخيرة من "ديسموندز" قبل يومين. وكالعادة، وبعد مشاهدة ستة مواسم من المسلسل الكوميدي، انتابني شعور بالأسى. دارت الأحداث في محل للحلاقة، تملكه أسرة من المهاجرين الكاريبيين، في حي بيكهام بجنوب لندن، حيث أسكن أيضاً. في العام 1989 بث الموسم الأول، وكانت مارغريت ثاتشر على وشك الرحيل. الأبوان من مهاجري الجيل الأول يستعيدون ذكريات شبابهم وتراوحهم الرغبة في العودة إلى بلادهم المشمسة، أغنية المقدمة السعيدة أيضاً تقول "جئت من الشمس، لأعيش في البرد، أفتقد شراب الرم وشجرة جوز الهند خاصتي". الأبناء من الجيل الثاني يشقون طريقهم في بلد لا يعرفون غيره، وبشعور خافت بالانتماء إلى مكان آخر بعيد لم يروه أبداً. مشهد بعد آخر، بدت المشاهدة وكأنها نوع من تدريب على الانتماء، والضحكات العالية والغزيرة كصدى بعيد للغربة.

قبل ستة عشر عاماً، بدأت ذلك الطقس المسائي، مشاهدة حلقة كوميدية واحدة، الساعة العاشرة، وأحياناً حلقتين أو أكثر. كنت قد وصلت إلى لندن تواً، في النصف الثاني من ديسمبر، أضواء الصباح رمادية والسُّحب متخمة بالظلمة، وبدتْ السماء دائماً وكأنها على وشك السقوط على الأرض. طلب مني صديقي أن أرعى قطته في غيابه الذي سيطول أسبوعين، وأعطاني مفتاح بيته. وفي الليلة الأولى، اكتشفت الكوميديا البريطانية في إحدى غرف المنزل، مكتبة برفوف مكدسة بعشرات المواسم من المسلسلات الساخرة. لم يخطر في بالي أن يكون البريطانيون مضحكين إلى هذا الحد، قبلها كانت أعرف "مستر بين" فقط، ووجدته سخيفاً وسطحياً. كان مسلسل "بلاك آدر" أول ما شاهدت بشغف، تابعت أربعة مواسم متوالية تسخر من مجمل التاريخ البريطاني حتى الحرب العالمية الأولى. حينها ظننت أن تلك السخرية اللاذعة من الذات دلالة على التواضع، لاحقاً سأعرف إنها دلالة على الثقة المفرطة في النفس.

طوال كل تلك السنوات، لم تفت ليلة واحدة من دون حلقة كوميدية واحدة على الأقل. ظل "بلاك آدر" هوسي الأكبر، أشاهده مرة واحدة على الأقل في العام، واشتريتُ كتاباً يحوي نص السيناريو، قرأته مرات عديدة، وفي كل مرة بإعجاب يفوق السابق. حين أعيد التفكير الآن، أرى أن معظم ما شاهدته كانت أحداثه تدور حول غرباء، "غودنز كورجيس مي" عن هنود بريطانيين، "ميند يور لانغويتش" تشكيلة من المهاجرين في مدرسة مسائية للإنكليزية في لندن، "سيتزن خان" عن أسرة باكستانية تعيش في برمنغهام، "أو فيدر زين بيت" عمال بناء إنكليز يسافرون للعمل في ألمانيا الثمانينات. في الحقيقة، لاحظت أنني كنت تحديداً انتقي المسلسلات من حقبة الثمانينات والتسعينات أكثر من غيرها، وكأنني أحاول تعويض طفولة ومراهقة عشتها في مكان آخر. 

حين يسألني الآخرون، أو حين أواجه السؤال بنفسي، إن كنت أشعر أنني بريطاني، فالإجابة نعم، واثقة وبسيطة. الأمر مدهش، أن تتحول الكوميديا إلى وطن ثانٍ. ولمَ لا؟ وأنا أحفظ عن ظهر قلب الكثير من مشاهد "أونلي فولز اند هورسيز" (المسلسل الكوميدي الأشهر في إنكلترا)، وسمعت ربما كل قفشة تلفزيونية في الأعوام الأربعين الماضية.

بعد ستة أشهر من وصولي الأول لبريطانيا، انتقلت إلى بلدة صغيرة في أقصى الشمال الغربي لاسكتلندا، كان كل ما يمكن سماعه هناك هو الرياح القادمة من المحيط والمطر. وهناك سأعيد اكتشاف الكوميديا المصرية، حبل سري يربطني بوطن أضحى أكثر بُعداً، عاماً بعد آخر. ولم يكن هناك تعارض، الكوميديا البريطانية يومية، المصرية موسمية، وفي رمضان تحديداً، الأولى لبناء مخبأ مصنوع من الضحكات، والثانية للنسيان أو ربما لصنع ذاكرة سعيدة ومزيفة لما تركته ورائي.

في كل رمضان، خلال السنوات العشرة الماضية، صارت المسلسلات الكوميدية المصرية عقود تجديد للانتماء، مصنوعة من البهجة. ومع الوقت أضحت الكوميديا المصرية أكثر شبهاً بالبريطانية. موجة البارودي التي اجتاحت الأعمال التلفزيونية منذ مطلع الألفية، حملت حساً جرئياً ومدهشاً في ذكائه. "الكبير قوي" لأحمد مكي بمواسمه الكثيرة، و"فيفا أطاطا" لمحمد سعد، وأعمال الثلاثي هشام وفهمي وشيكو، وعلى رأسها "الرجل العناب" وغيرها الكثير من الأعمال الكوميدية التي لم تترك حجراً إلا وقلبته، ولا قيمة مدَّعاة أو حقبة تاريخية أو رمزاً إلا وزعزعتها بالسخرية.

توقفت زياراتي الى القاهرة منذ ستة أعوام، وللأسباب نفسها بدأت أصوات الضحكات تخفت على الشاشة الرمضانية... عاماً بعد آخر تراجعت السخرية حتى توارت تماماً. في هذا الموسم الرمضاني لم أجد، ولو مسلسلاً كوميدياً واحداً يستحق المشاهدة، حاولت في اليومين الأولين، وتصنعت الضحك على بعض القفشات السخيفة، كشخص يحاول استعادة ذاكرته، وفشلت. بالأمس، بدأت في إعادة مشاهدة مسلسل بريطاني قديم، "آلو آلو"، أحد عشر موسماً كاملاً، عن مقهى صغير في الريف الفرنسي أثناء الاحتلال النازي. الجميع غرباء، الألمان وطياران إنكليزيان مختبئان، وحتى الفرنسيين أنفسهم غرباء في بلدهم، والجميع مضحكون هكذا، حتى الأشرار منهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب