آخر تحديث:12:53(بيروت)
الجمعة 23/04/2021
share

فيرونيك برغن لـ"المدن": هدفي ألا أسلب ماينهوف صوتها

روجيه عوطة | الجمعة 23/04/2021
شارك المقال :
فيرونيك برغن لـ"المدن": هدفي ألا أسلب ماينهوف صوتها فيرونيك برغن
لا تتوقف شغيلة الفلسفة والسرد والشعر، فيرونيك برغن، عن النشر الى درجة يصعب أحياناً تتبع كل عملها، مثلما يصعب تخيلها وهي لا تكتب. في فترة الحجر الصحي، أصدرت كتاباً أول عن أورليك ماينهوف، قدمت فيه حكايتها عن هذه القائدة الحمراء، مثلما أنها دونت كتاباً ثانياً عن شخصية القصة المصورة الشهيرة باربارلا، وبالإضافة الى ذلك، نشرت كتاباً ثالثاً عن بلجيكا، حيث قدمت فيه رسماً شخصياً لمسقط رأسها هذا.
عن بعض هذه الأعمال، وقبل ذلك، عن العيش في إثر الكورونا، هنا، مقابلة لـ"المدن" معها.

- في الزمن الكوروني، نتحدث كثيراً عن فقدان الحرية بفعل القواعد الصحية. ما رأيك؟

بفعل الفيروس، تعممت ظاهرة الرقابة التي تهدد الحريات العامة والخاصة. اقتبس من آرييه آليميه، الذي تحدث عن  انقلاب عبر حالة طوارئ صحية، بمعنى إرساء جهاز لإعادة تشكيل وضبط الأجساد من قبل النظام النيوليبرالي. كما يحلل آليميه، بدأ ذلك الانقلاب بحجة مكافحة الإرهاب (ولاحقاً، العنف البوليسي في حق السترات الصفر). وبهذا، شرع في مكافحة الحرية، فارضاً كل قوانين الاستثناء الذي تشيد نظاماً لإدارة السكان. يوفر الفيروس للحكومات فرصة لطالما حلمت بها من أجل الهيمنة بنظام قمعي، يستند الى موجة محافظة، تطهرية، وارتكاسية. مفهوم "الدولة-الزعرة"، الذي أطلقه دريدا، يجد في هذا السياق كل وقعه. فحالياً، اللاشرعية الدولتية وما فوق-الدولتية تتقدم كأنها شرعية بالكامل، مثلما هناك تبنٍّ لسلطة خاصة، سنٌّ لقوانين استثنائية، درونات، رصاصات مطاطية، جوازات سفر بيومترية، تفتيش للسكان، مراقبة عبر التقنية، "استطباق الأرواح" (gentrification)، كما تقول سارة شولمان، أي نخر لها، إفسادها، خورزمتها... لم يعد صالحاً القول إن دولة القانون قد قضمت، بل قُضي عليها فعلياً، لقد أُبطلت.

- بوصفك روائية، ما دور السرد في مقابل الموقف الفيروسي؟

تتعدى الفيروسية الطاغية مجال الصحة، بحيث أنها سمة نظام ينضب، تنقطع أنفاسه بفعل مآزقه. فعلياً، يقدر السرد، وبتوصيلات جذمورية بين قصص هامشية، ومنشقة، ولا يمكن اختزالها، على مساءلة الحكاية الكبرى، الرسمية، التي تُبنى بقواعد الخوف. فالروائي، مؤلف التخييل، يوضح ثقوب التاريخ المكتفي بذاته، الأكثري، موفراً الكلام لهؤلاء الذين ضحى بهم فيه، الذين رُوّضوا، وخُنقوا. هذا ما يقترب مما عينه فالتر بنيامين للمؤرخ، كدَور: إطاحة الدرع الكاذب، المجحف، الذي كوّنه "المنتصرون"، إعطاء العدالة للذين لا أسماء لهم، للمطرودين، للأصوات الحادة، الثورية، التي يقتلها الوفاق الإيديولوجي مرة أخرى. غالباً ما يبتعد المجال الأدبي عن السياسة، وبذلك، يغيب عنه الارتباط بمقالبها العصيانية. لكن هذا لا ينسي مبدعين، مثل بازوليني، جينيه، بريخت، فاسبندر، داريو فو، بول، فايس، باليستريني، باتيستي... الذين جعلوا من الكتابة مسرحاً للخلق السياسي بمعناه الثوري والتحرري. لا يتعلق الأمر بأدب ملتزم، بما هو وسيلة تخدم قضية تتجاوزها: لا شيء يربط الأدب بغيره سوى الأدب ذاته. فعلى طول تاريخه، كان الأدب، وحين يصير أداة لمغامرة سياسية، يفقد كل قدراته التحررية، بحيث يصير مجنداً، ومقيداً، لا وسع له على مساءلة المعطيات، والآراء المتحجرة.

- لقد نشرتِ مؤخراً كتاباً عن أولريكه ماينهوف، لماذا اهتممت بها؟

لقد كانت بغيتي أن أعيد ترميم مسار أولريكه ماينهوف، ومعه، مسار الصراع المسلح الذي خاضه الجيش الأحمر الألماني في إطاره السياسي. أردت، ومن خلال التخييل، أن أكسر الصمت الذي لف وخنق "سنوات الرصاص"، أن أنتج كتاباً-صرخة لكي أبرز الاستراتيجيا التي تتبعها الدولة في تشويه الصراعات المسلحة عبر تقديمها كأنها ليست سوى أعمال جنوح وإرهاب. فهذه الاستراتيجيا هي نفسها: نزع السياسة عن حركات الاعتراض، تظهيرها كمنظمات إجرامية. همي الأول كان أن أقف على الظروف والأسباب التي تحمل مجموعات من اليسار الراديكالي أو مجموعات عصيانية تحررية، أناركية، في ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، الى التجذر، الى رمي سلاح اللغة لصالح الأسلحة النارية. تماماً، كما في حالة أورليك ماينهوف ومعها مؤسسو الجيش الأحمر، بحيث اقتنعوا بأن المعارضة البرلمانية لا معنى لها، وأن السلمية باطلة، وأنه لا بد من الكفاح المسلح لإسقاط النظام، الذي كان تدعمه الامبريالية الأميركية، وتتغلغل في سدته القيادات النازية.

لقد كانت الستينات والسبعينات مطبوعة بانفجار موجة ثورية بحسب عبارة من عبارات اللجنة اللامرئية، وهذه الموجة أدت الى انتشار التمرد قبل أن تطلق عليه النيوليبرالية رصاصة الرحمة. منذ الثمانينات، الثأر من تلك الموجة، إعادة الترميم الانقلابي تحت نير الرأسمالية، يشتغل على قدم وساق، لكن، وفي العام 2008، بدا أن هذا كله صار هشاً، صار موضوعاً للانتفاض عليه، لإطاحته كنظام قائم، بالتوازي مع خلق أشكال أخرى للوجود. الأركان المحتكرة للعنف تشيطن كل استخدام له، كما لو أنه، وفي مواجهة العنف الذي يقضي على الحرية، العنف الذي لا يطاق، لا مجال للعنف الانعتاقي. كما لو أنه، وحيال فظاظة النظام القمعي، لا يمكن الرد بأفعال حرة. بالطبع، هنا، آخذ في الاعتبار التمييز الذي أرساه جان جينيه بين الفظاظة والعنف في توطئته لنصوص سجناء الجيش الأحمر.

- تصنعين تاريخاً ضد تاريخ إذاً؟

في إقدامي على خرطنة (رسم خريطة) للنظام السياسو-اجتماعو-اقتصادي الخاص بالجيش الأحمر في الستينات والسبعينات، وفي إقدامي على استحضار فترة ما بعد أيار 1968 التي اتسمت بضيق نفس الثورة، بالإضافة الى الانقسام بين هؤلاء الذين يوالون اللاعنف وهؤلاء الذي يظنون أن الكيريلا ستغير الأشياء، لم أفكر في الانحياز، في تبرير التمرد المسلح، لكن في طرح القوى الحاضرة آنذاك، في تقديمها كما هي. بالفضل عن هذا، كنت أريد أن أحفر في الاستفهام اللازمني-ولكن المرتبط برسوخ تاريخي، بمعطيات سياقية بالتأكيد- الذي يدور حول استراتيجيات المقاومة. تحويل العنف الفيزيقي الى وصمة تخفي العنف الآدابي، الذهني، الرقابة السيبرانية على الأجساد، الضبط الذي تمارسه السلطة الاحيائية مستخدمةً الفظاظة الاقتصادية كأداة حكم، لا تنتج سوى العبودية المعممة.

ليس النسيان هو الذي يهدد صورة ماينهوف، الصحافية التي أسست الجيش الأحمر مع أندرياس بادر، وغودرن أنسلن، وغيرهم في العام 1970، بل التشويه الإيديولوجي لالتزامها وإياهم، وتقديم أعمالهم على سبيل شيطنتهم. بالطبع، في العودة التفكرية الى "سنوات الرصاص"، لا بد من الإشارة الى الحماسة التي اتصف بها انتشار الكفاح المسلح، دروبه المسدودة، صيروراته "الفاشية"، تجذره في إرهاب أعمى، انزلاقاته اليه. فالخطر الدائم هو التشبه بالخصم الذي نقاتله. تخون الثورة نفسها حين تصير صلبة، وحين تركن الى الإرهاب الذي تدينه في النظام، تنقلب غايات تمردها الى خط موت. هذا هو الجانب السياسي لتدخلي.

من أجل إطاحة التاريخ الرسمي، تفكيك الخزعبلات حول عدد من الحوادث، الحركات، الفترات السياسية، لا مناص من الفضاء التخييلي، من الرواية. وحده التخييل في نظري يستطيع أن يرمم نشيد الجيش الأحمر، بما هو نشيد التمرد، ونشيد الكيريلا، ونشيد الرصاص. وحده يستطيع أن يجسد، ويَهِب حياةً لأوريك ماينهوف، وأن يعيد النظر في إبعاد الجيش الأحمر بحجة الإرهاب، بما هو "الإتيكيت" الملصق بكل مقالب الصراع الذي خاضته هذه المجموعة، بسياقه، بسبله، برسوخه، بصيروراته، بإنغماسيته.

الرجوع الى أولريكه ماينهوف، كما فعَل ألبان لوفران، أو ميشيل دوتش، أو آلان لاكروا، يتطلب الانتباه الى المعلومات المغلوطة حولها، مثلما يتطلب عملاً أرشيفياً، يفجر الحقائق المضادة، الوشايات، أساطير التاريخ الرسمي. أريد من الكتاب ألا يكون مجرد كتاب، أن يكون أكثر من ذلك، أن يكون عملاً، أن يضرم النار في ما علق في الوعي حول ماينهوف وجيشها. كل ما كان يهمني في حين كتابتي عن أورليك، هو ألا أسلبها صوتها، ألا أخونها بالتحدث مكانها، بل أن أعطيها موقعاً، يتفلت فيه ما أظنه توقيعها.

- لقد نشرتِ مجموعة قصصية عن بلجيكا، ماذا يعني في حسبانك وضع بورتريه حول مكان ما؟

لا ينفصل عملي هذا عن نفَس منظوري حيال الكتابة عن ماينهوف مثلاً. إذ أردت أيضاً أن أوجه تحية الى هذا المكان، أن أعيد إحيائه، إحياء صوره التاريخية، إحياء مجهوليه، المتروكين داخله بما هم قد خرسوا، صاروا في صمتهم، بما هم قد تدمروا، أو حبسوا في كاريكاتوريتهم.

- ما موقع الثقافة الشعبية في عملك؟

في مجال الفكر، والحياة، والحساسية، والانفعالات، وبناء الذات، تبدو لي، وباستمرار، الثقافة الشعبية (بما يتعلق بي، على مقلبها الهامشي، الطلائعي، التحت-أرضي، أي، وبعبارة أخرى، الثقافة المضادة في الأدب، في الكتابة المصورة، في السينما، في الموسيقى، في الروك، في الفنون الغرافيكية، في الأزياء...) كأنها خزان الابداعات الوحشية، الخشنة، الحسية. فقدت أحببت دوماً أن أزور الأرجاء التي أجدها شديدة، أكانت أرجاء الثقافة الشعبية، أو الثقافة المترفعة. أحب خلط هاتين الثقافتين، وأن أستخلص الشرارات منهما.

- هل أنت مهووسة بالكتابة؟

لدي علاقة ادمانية بالاشياء، بالكائنات، وربما، لذلك، أجد نفسي في هذه الصفة، صفة الغرافومانيا. وهذا، بالتوازي مع كوني اتسم بمهووسات أخرى، بمعنى أنها تترجم طاقتي الرغبوية، التي تجعلني ألاحق الكثير من المواضيع، من الأعمال المدهشة، بنهم، بعشق، ما يؤدي الى انتاج متع كثيرة. وهذا النهم، في النهاية، يستند الى فن اللقاء بالمعنى الاسبينوزي للكلمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"