آخر تحديث:12:38(بيروت)
الخميس 22/04/2021
share

كم "اختياراً" يكفي السيسي؟

ناصر كامل | الخميس 22/04/2021
شارك المقال :
كم "اختياراً" يكفي السيسي؟ الاختيار
أفسد السيسي، مسبقاً، أية إمكانية لتلقي ونقد مسلسل "الاختيار 2" انطلاقاً من معايير فنية بحتة، بعيداً من ملابساته السياسية والتاريخية؛ فهو إذ احتفى بصناع المسلسل في أكتوبر الماضي، قرر أن "مسلسلاً واحداً لا يكفي ولا 2 ولا 3 ولا 4"، وبينما كان المسلسل الذي عرض في رمضان الماضي، يتناول أحداث المواجهة المسلحة بين الجيش المصري والجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، والتي تتبنى خطابا "إسلاموياً، جهادياً، تكفيريا"، فإن مسلسل هذا العام يتناول أحداثاً أعقبت تظاهرات 30 يونيو 2013 التي طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة، ثم أفضتْ تطوراتها إلى إطاحة الرئيس محمد مرسي وحكم جماعة الإخوان المسلمين.

مسلسل "الاختيار 2"  كان، إذاً، بأمر مباشر من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن المنتظر أن تتوالى السلسلة حتى يكتفي الرئيس. وإذا صح التقدير بأن أوامر الرئيس في إنتاج المسلسل، جعلت حلقاته كلها بمثابة رواية النظام ووجهة نظره السياسية والاجتماعية قبل أن تكون منتجاً فنياً، فإن ذلك يصح أكثر على الحلقة الخامسة منه، التي قدمت تصوراً يهتدي بهدى الرئيس حول أحداث فض قوات الأمن والجيش اعتصاماً لأعضاء جماعة الإخوان، ولأنصار مرسي من خارج الجماعة، في محيط مسجد رابعة العدوية- شرقي القاهرة- يوم 14 أغسطس 2013.

استخلاص المسلسل من السياسة صعب للغاية، فهو عمل دعائي "بروباغندا" بامتياز، والحلقة الخامسة منه تتناول واقعة تكاد تكون غير مسبوقة، بالمطلق، في التاريخ المصري الحديث. وقد جدد عرضها النزاع حول توصيفها القانوني والسياسي والأخلاقي والديني والإنساني. نزاع يتجاوز القسمة إلى فريقين: فريق السلطة ومناصروها، الذين يعتبرون فض اعتصام "رابعة" قضاءً على اعتصام مسلح هدد كيان الدولة وأمن مواطنيها... وفريق الإخوان ومناصروهم، الذين يعتبرونها مذبحة كاملة الأركان... فهناك فريق ثالث اعتبر أن تجسيد "فض رابعة" في مسلسل "الاختيار2" نوع من الغباء السياسي في لحظة لا تحتمل المزيد من نكء الجراح والتقسيم... وفريق رابع يعتقد بأن السلطة غير معنية إلا بتعزيز الرأي القائل أن حجر الزاويا في بناء الدولة الجديدة المزعومة يرتكز على الفخر بقرار الفض بغض النظر عن تكاليفه المجتمعية. الفض هو المنجز الذي يَرتِق ما ربما تكون قد فتقته ثورة 25 يناير في نسيج السلطة الحاكمة، وهنا يظهر "الاختيار(1)" مجيشاً لخزانة فخر الجيش، أما "الاختيار 2" فلخزانة الشرطة، وهناك أكثر من مسلسل في هذا الموسم (هجمة مرتدة، القاهرة- كابول) للمخابرات، وعن قريب ربما سنرى  "اختيار (القضاء)".


في الاحتفاء بـ"الاختيار" طالَب السيسي صانعيه، العام الماضى، بأن يواصلوا السلسلة حتى يستكفي، وطالبهم بألا يقدموا شيئاً "سوى الحقيقة ومن دون مبالغة في أي من الجانبين، انقلوا الصورة من الواقع كما هي"، ربما لثقته في أن فض اعتصام رابعة لا يزال محل نقاش محلي ودولي، لكن مطالبته تلك هي بلا شك مخادعة، ذلك أن من يريد نقل الصورة من الجانبين يجب عليه أن يتيح لممثليهما التعبير عن تصوره ورؤيته وهذا ما لم يحدث للحظة واحدة منذ الفض.

المدهش أنه في اليوم الذي عرضت فيه حلقة "الفض"، سارع ممثلو الأجهزة الأمنية إلى التنبيه على أصحاب المقاهي في الكثير من أحياء القاهرة والجيزة، بإغلاقها، مخافة أن تكون هناك ردود أفعال مزعجة. والمثير أن تلك الليلة شهدت أحداثاً أخرى، كان يتوقع أن تحدث ردود فعل جماهيرية، منها مباراة في كرة القدم بين فريقي الأهلي والزمالك، وحادث انقلاب قطار، لكن الليلة مضت كأن شيئاً لم يحدث!

تقديم الحقيقة قد يكون لافتة براقة يرفعها الجميع، لكن لا إمكانية حالياً للوصول لها، ذلك أن فض اعتصام "رابعة" مجرد حلقة في سلسلة أحداث، يستحيل تبيان وقائعها بدقة إلا بالكشف عن مجمل ذلك السياق. فقد قُيدت جرائم قتل المتظاهرين في الفترة من 25 يناير حتى 11 فبراير 2011، ضد مجهول، ولم يتحمل أحد المسؤولية، وكذلك باقي الوقائع الفاصلة بين تلك الفترة وحتى الفض. يصف أنصار الإخوان اعتصام "رابعة" بالسلمي، ويقول الموالون للسلطة إنه كان مسلحاً، وإن الشرطة حاولت فضه بطريقة سلمية.

وقائع السنوات العشر وِحدة واحدة، لم توصف قانونياً وسياسياً واجتماعياً بدقة، وقد يكون مسلسل "الاختيار"، مدخلاً مناسبا للتفكير بأن "الفض" على هذه الصورة الدموية كان ضرورة كي يلتئم نسيج السلطة، وربما كان حتمياً بالنسبة للإخوان أيضا، ذلك أنهم كانوا قد اعتبروا قضية ملاحقة قتلة ثوار يناير وتفكيك بنية السلطة أمراً ثانوياً، وأن الوصول للحكم هو القضية الجوهرية.

عقب الفض مباشرة، وفي مقابل رواج توصيف "المذبحة" بكثافة إعلامياً خارج مصر، وعبر أدوات جماعة الإخوان، جنح عدد من إعلاميي ومنظّري سلطة التفويض المطلق الممنوح لوزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي، إلى المماهاة بين حدث فض رابعة، ومذبحة القلعة التي قام بها والي مصر العثماني محمد على تجاه المماليك، واعتبروا الحدثين تأسيسيين، لهما أهمية قصوى فرضتهما ضرورات بناء الدولة والمحافظة على وحدتها. وصرح الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث، "أن السياسة خارج منطقة الأخلاق، أي لا يصح أن نفرض على صاحب مصلحة، المعايير الأخلاقية المعروفة في الفلسفة، ومحمد علي باشا كان مضطراً لتدبير هذه المذبحة في 1811، للتخلص من المماليك الطامعين في حكم مصر. أن المماليك ما كان يرضيهم سوى إزاحة محمد علي عن الحكم، على غرار الإخوان المسلمين، في الزمن المعاصر، أي أنه لو لم يتخلص منهم هو، لسبقوه إلى الأمر، كما أن محمد علي لم يكن من الشخصيات التي تقبل أن تكون تحت قبضة قوة أخرى تسيره كما تريد".

يتناسى هؤلاء أن محمد علي لم يقضِ فقط على المماليك وسلطتهم، بل إنه بالموازاة مع ذلك قضى بصورة أشد جذرية على كل ممثلي الأشراف ورجال الدين وكبار التجار والأعيان الذين قادوا حملة شعبية لتسميته والياً على البلاد. ورفض الوالي الذي عينه السلطان العثماني، صاحب الحق الشرعي في حكم البلاد، وقد تكون المقارنة بين درس محمد علي ووقائع العقد المنصرم جائزة جداً.

هناك، إذاً، من يرفع المذبحة إلى مصاف الضرورة "التاريخية"، وليس فقط يبررها. المذبحة واقعاً ومجازاً، لها أنصار، فما جرى للقضاء عقب فض الاعتصام كان أكثر فداحة من مذبحة القضاء، التي نُفذت في 31 أغسطس 1969 وعُزِل خلالها رئيس محكمة النقض، وأكثر من نصف مستشاريها وناهز عدد القضاة المعزولين حوالى 200 قاضٍ من القضاة المتمتعين بحصانة عدم القابلية للعزل بغير الطريق التأديبي طبقاً للقانون، وذلك لمقاومتهم رغبة السلطة (جمال عبد الناصر) في وضع القضاة ضمن تشكيلات التنظيم السياسي الوحيد في البلاد (التنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي). والغريب في هذا المجال أنه كان ضمن ضحايا حادث القطار في ليلة عرض حلقة فض رابعة، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، وفي نعيه لاحظ معلقون أن من بين أبناء المستشار الثلاثة، اثنين يعملان في الهيئة نفسها، ما طرح موضوع توريث المنصة وواقعية الحديث عنها في اعتبارها تقليداً راسخاً. وفي مقابل استهجان البعض لتلك الملاحظة التي لا تستند إلى "حقائق"، طُرح سؤال كبير: كيف الوصول إلى الحقائق في زمن الاختبار الإجباري هذا: مع من أنت؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها