آخر تحديث:11:10(بيروت)
الثلاثاء 20/04/2021
share

ميشيل كيلو.. أستاذ الجيل والمؤدلج اليومي

أدهم حنا | الثلاثاء 20/04/2021
شارك المقال :
ميشيل كيلو.. أستاذ الجيل والمؤدلج اليومي
"الإنسان لا يمكنه أن يكون إنساناً إلا إن هو صار يمكنه أن يموت" (أليكساندر كوجيف).
هذا ما كان يعرفه ميشيل كيلو بالطبع، لكنه لم يجعل يوماً واحداً من حياته خارج صراع هذا الموت. هذا الموت الذي التزم فيه بنضالٍ مُرّ ضد أكثر الأنظمة العالمية طغياناً وتدميراً وقتلاً. لا تختلف حياة ميشيل كيلو عن عظماء الثقافة المجدِّين، بريخت أو سونيكا، في نضالهم الطويل ضد الخوف والموت في آنٍ معاً. فإن كان مثقفو الثورة الفرنسية قد اعتبروا نضالهم، حسب هيغل، نضالاً أخيراً من أجل موقع جديد للإنسان والمجتمع، فإن ميشيل كيلو، وخلال خمسين سنة، مارَس ما يبدو مجازفة في الحياة اليومية في وجه آلة الاستبداد الأسدية. كان نضالاً أخيراً وأبدياً من أجل موقع جديد للمواطن السوري والعربي عموماً. الموت يبدو تاريخاً حقيقياً لميشيل كيلو، فهو لم يصارع إلا من أجل الحياة ولم يمتلك يوماً أفضل من آخر، في مواجهة موات العبودية اليومي الذي عاشه، وعاشه السوريون معه.

لم يكن الكيلو مؤدلجاً برجوازياً فردياً، ولا فيلسوفاً هانئاً في المجرد، بل كان متوافقاً مع الفلسفة اليومية، حسبما يقوله كوجيف الهيغلي العظيم، في أن تكون حياة المثقف موقفاً وجودياً فلسفياً يومياً ودائماً في آن معاً، موقفاً نابعاً من كونه متفاعلاً ومعاشاً وذا طابع وجداني، بمواقف عملية لا هي تأملية ولا نظرية متسقة أو صرفة، غير أنها حقيقة قابلة لأن تكون موقفاً وقولاً فلسفياً. لم يوقف كيلو عن إنتاجه المكتوب، اعتقالُه المتكرر، ولا تمركُز الإيديولوجيا في أحزاب نضالية ورقية وخيالية. كان خيال ميشيل كيلو، نضال اليوم واللحظة والآن والكتابة فيها، والسعي لكي يحقق أمل كل سوري في مجتمع مدني ليبرالي سياسياً، والعمل والمشاركة فيه كمجتمع حر وقادر، والأهم من كل ذلك محاولة خلقه. لقد امتلكت سوريا لخمسين عاماً، مؤدلجاً يومياً، وفيلسوف موقف، وقائداً اجتماعياً سياسياً محترفاً. من هنا لا نجد لكيلو كُتباً كثيرة بخط يده، رغم أنه نشط في الترجمة منذ ثمانينيات القرن المنصرم. تأخر الكيلو في نشر كتابٍ له، كان صراعه مع اليومي، وما أن بلغ الثمانين حتى نشر كتابه الفكري النقدي الأول. كان ميشيل حقيقة يتأمل ذاته طويلاً، قبل أن يبدو نسقياً، يشغله اليوم واللحظة، فكتب عنهما من دون توقف، ليس من جهة التعليق السياسي بل من وجهة القارئ للذات والغير. في الثمانينيات والتسعينيات ترجم كُتباً لهيغل، وماركس، وشَغَله الإنسان الهيغلي كمثال خفي لكنه مُعلن أيضاً. وتعايش ميشيل مع الانثربولوجيا الهيغلية، الرغبة، الشغل، وصراع الموت والحياة. عاش ميشيل حقيقة على هذه الأنثربولوجيا، عاشها كإنسان متنور ومصارع ليشاهد بلاده والعالم ومجتمعه.

وبمعزلٍ عن الانطباع الشخصي، إلا أن صوت ميشيل كيلو واتساع وجهه، واقتراب سحنته لأبناء القرى جعلت منه مالكاً لكاريزما هائلة التأثير. وإن كان للفلسفة والقول الفلسفي، حسب بارميندس، جانب قول متداول وتوليفي عبر الصوت والتعبير فيه، فإن ميشيل كيلو امتلك هذا في ما كان يقوله دائما في مقابلاته، في حيوية الفكرة التي يعايشها ويسردها ويتقوى بها. وحتى تجربته السردية في علاقاته الشخصية تبدو كنزاً جيداً، فميشيل ينقل اليومي والعام إلى حدث وفكرة، فتبدو تجاربه سرداً عميقاً دائماً.

لا شك أن ميشيل أستاذ للجيل، الامتداد الزمني لحقبة ميشيل هي نفسها حقبة سوريا الحديثة مقروءة ومفهومة. وما يجعله مناضلاً استثنائياً، الوقتُ الذي قطعه من أجل صوت الحرية. وحتى الإشكالات التي كان فيها ميشيل كيلو حاضراً ومخلتفاً معه وعليه، كانت جزءاً من تجرده التجريبي، من وعيه الماركسي والتنويري النمطي أحياناً. قد نستطيع القول إن ميشيل كثيراً ما جرب أن يخلع جمود الذات والفكرة، وحاول أن يُنقذ سوريا من الدمار المجنون، مخالفاً في ذلك حتى لمبادئه، وكان كل هذا محاولة إنقاذية لسوريا أكثر تحملاً للخلاف، أو إتاحة لما يُمكن وصفه بأنه مع الزمن يستطيع فعل شيء إن هي توقفت الحرب. حتى التناقض يُمكن فهمه لأن الكيلو سارع إلى نقض نفسه بالأصل. هوس ميشيل كيلو بالحرية جعله يناقض شرطه المعرفي أحياناً، لكنها قفزة ليست نحو الخلاء، بل بشرطٍ فرضته تطورات الثورة ذاتها حينما أصبحت إعوجاجاً يحاول أن يقوّم إعوجاجاً. في الثورة وتحولاتها، كانت صورة الوجود التي تفرضها تفتقد للتعيين والفهم، ورغم ارتكاب كيلو لما نظنه هفوات، إلا أن هذا لم يكن سوى الإمكان. إمكان المفكر والسياسي والمحاول والمُجرب.

وفاة أستاذ جيل في تنشيط المعرفة، وفي النضال نحو قضية اليوم والحرية والكرامة والمجتمع، والأهم كاريزما سورية تبدو معه سوريا مختلفة، ذات تاريخ وبُعد وعلاقة وارتباط وموقف. وأستاذ في جعل المعنى والمقالة والمكتوب أداة لفهم الواقع وتحليله والارتباط فيه. فيما يُلام ميشيل على اقترابه العملي مع الإسلاميين، يُنسى أنه السياسي الأكثر جرأة وبساطة في مخاطبة حسن نصر الله الإسلامي الإيراني الاتباع، أو بوتين وكنيسته الأرثوذكسية. لم يكن ميشيل ليومٍ واحد متحجراً في جعل كلمته دلالة حوار ووعي. ما يشفع لكيلو جرأته وصراحته لآخر يومٍ يتنافى فيه من أجل الحقيقة. ما توفي في ميشيل كيلو جسده، لكن جُل ما كتبه هو تاريخنا نحن. تاريخنا الذي يموت من دون نضال ومعرفة وصراع مع الموت ذاته. ونحن نشاهد تاريخ مناضل صارع الموت والجمود والإيديولوجيا، لا يمكننا إلا جعله مثالاً، ولو لم يكن اليوم أو في الغد. وهو ما يبدو اليوم مريراً إلى حدٍ عرفه هو قبل موته، حينما خسر كل شيء من أجل خيالٍ كان يظنه سيكون قريباً من عينيه. هو آخر المهووسين في الحرية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها