آخر تحديث:11:58(بيروت)
الإثنين 19/04/2021
share

عن "ما حدا" الفايسبوكية

روجيه عوطة | الإثنين 19/04/2021
شارك المقال :
عن "ما حدا" الفايسبوكية Pawel Kuczynski
تشيع، هذه الأيام في فايسبوك، طريقة معينة لتسجيل بوست، بحيث أنه، وفي إثرها، يستوي على كونه حواراً بين "ما حدا" ومسجله: ما حدا، أنا: كذا. فعلياً، سرعان ما تحيل هذه الطريقة بدايةً الى نكتة مهضومة -أو هكذا اعتقد- عن "كتاب الوجه"، وهي أن تعطيل البَوْسَتة فيه تستوجب أمراً بمفرده، وهو التعليق على كل بوست من بوستات المستخدمين بـ"من طلب رأيك؟". ففي حين أن المستخدم، يسجل "بوستاً"، بما هو رأيه حول موضوع ما، يمكن طرح هذا الاستفهام عليه من أجل حضه على الإنتباه، ومن باب الفكاهة، الى كون "لا أحد" سأله عن رأيه لكي يعبر عنه. إذ إن بَوْسَتَته ليست بحديث مع أحد، بل، وبالأساس، مع لا أحد.

بالطبع، الإعتراض الأولي على هذه الفكرة أن المستخدم، وحين يُبَوْست، فثمة مَن طلب رأيه سلفاً، وهو ليس سوى مجموع "أصدقائه"، الذين كانوا قد بَوْسَتوا قبله. فما أن يشاهد بوستاتهم، ويقرأها، حتى يدفعه ذلك الى البوسَتة من جهته، بالتالي، إلى رده عليهم بإدلائه برأيه يعني أنهم كانوا قد طلبوه منه. على هذا النحو، بَوْسَتتهم، أو تجمعهم بها على موضوع مشترك، تحمل استفهام "ما رأيك؟"، وعلى هذا النحو أيضاً، يجسد أصحابها "الأحد" الذي يطرح هذا الاستفهام على المستخدم، أو يوجهه إليه. ربما يمكن القول، هنا، أن المستخدم، وحين يجد "الأحد" ذاك في أصدقائه، فيرد على استفهامه، فبذلك، يكون مستخدماً جيداً، بمعنى أنه يشغل الفايسبوك. وهذا، تماماً، كما حين ينخرط في "تريند" ما، بحيث أنه عندها يكون قد وجد فيه أحداً ما، وقد سمع منه استفهام "ما رأيك؟" قبل أن يرد عليه كسبيل الى أن يغدو صلة به، بمجموع "الأصدقاء". فكلما وجد المستخدم في بَوْسَتة "الأصدقاء" أحداً ما يطلب منه رأيه، لا يكون، وبالرد عليه، مستخدماً جيداً فحسب، بل يكون صديقاً جيداً أيضاً. يمكن الإضافة في هذه الجهة أنه يرد عليه لكي يغدو منه، من مجموعه نفسه، فعندما يصير مستخدماً جيداً وصديقاً جيداً، فعندها يكون من هذا الأحد، مثلما يكون هذا الأحد أيضاً، لا سيما في نظر غيره.

في هذا المطاف، الطريقة الشائعة حالياً في فايسبوك للبَوْسَتة، التي تشير الى "ما حدا"، تبدو أنها تفيد بأمرين على الاقل.

فمن ناحية، أن المستخدم يؤكد أن ذلك الأحد، الذي لطالما وجده، وسمع استفهام "ما رأيك؟" منه، ما عاد موجوداً، أو بالأحرى تكشف عن كونه ليس موجوداً. بالتالي، هو يؤكد أنه، وحين يسجل البوست، هو لا يجيب أحداً، لا يرد على أحد. على هذا المنوال، يطيح النكتة المهضومة إياها، بحيث أنه سيجيب من يسأله "من طلب رأيك؟" بـ"ما حدا"، ومع هذا، هو يدلي به، يُبَوسُته.

الثاني، هو شكل من أشكال اكتمال البَوسَتة، بمعنى أن المستخدم، وحين يسجل البوست، ويصير مستخدماً جيداً، ويصير صديقاً جيداً، ويصير من الأحد، فهو، وعندما يشير الى الـ"ما حدا" حينها، فكي يعلن ألا أحد غيره، لكي يعلن أنه الأحد وليس أي غيره. بالتالي، وعندما يسجل "ما حدا"، فهذا، لكي يقوله أنه غدا "حدا"، ولا "حدا" سواه. فالمستخدم يرد على الأحد، كمجموع "أصدقائه"، لكي، ولاحقاً، يكونه، وبهذا، يأخذ محله مزيلاً اياه. وهذا، ليس بغريب بالمطلق، فهو كان قد بَوْسَت أصلاً من باب التماهي مع ذلك المجموع، من باب أنه يفعل مثله، وهذا الباب، وفي نهايته، يؤدي الى الحلول مكانه. فقد تصح الإشارة الى أن إعلان "ما حدا" سبقه "بدي كون حدا"، وبتحقق هذه البغية عبر البوْسَتة، تؤدي الى كون "ما حدا...الا حالي"، أو الى "ذاتي" من دون "حدا". مقلب من مقالب النرجيسية الديجتالية!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"