آخر تحديث:12:59(بيروت)
السبت 17/04/2021
share

"احتلال مصر": تاريخ استعماري للاقتصادوية وأزماتها

شادي لويس | السبت 17/04/2021
شارك المقال :
"احتلال مصر": تاريخ استعماري للاقتصادوية وأزماتها احتلال مصر
أول ما يلفت الانتباه في كتاب آرون جيكس، "احتلال مصر: الاقتصادوية الاستعمارية وأزمات الرأسمالية"، الصادر في سبتمبر الماضي، هو تناص النصف الأول من عنوانه مع عنوان كتاب تيموثي ميتشيل المرجعي " استعمار مصر" (1988). يتتبع جيكس-أستاذ التاريخ في جامعة "ذا نيو سكول" الأميركية، النسق التحليلي الذى أرساه ميتشيل، لفحص المنهج الاستعماري للسلطة السياسية. إلا أن جيكس في كتابه، ومع اعترافه بدَينه لعمل ميتشيل، يختلف معه حول معنى الاقتصاد. فبينما ذهب ميتشيل إلى أنه (أي الاقتصاد) علم متأخر لم تكتمل أدواته سوى في النص الثاني من القرن العشرين، فإن جيكس يتفق معه في هذا من حيث المبدأ، لكنه يعود ليجادل بأن غياب "الاقتصاد" كعِلم لا يعني انتفاء "الاقتصادي" بصفته أدوات ومقاييس وسياسات وأفكار. ومن تلك النقطة تحديداً، ينطلق "احتلال مصر" ليروى تاريخ الخطاب والممارسات الاستعمارية في المجال الاقتصادي وردود الأفعال الوطنية عليه، مركزاً على العقود الثلاثة الأولى بعد العام 1882، مع فصل ختامي يغطي بإيجاز العقد الأخير قبل اندلاع ثورة 1919. 

يعتمد جيكس "الاقتصادوية" كتوصيف لمنهج السياسات الاستعمارية الذي يفحصه في كتابه، ويعرّفه بأنه طريقة لفهم العالم تنتمي لتاريخ الرأسمالية ذاتها، وترى الاقتصاد كمجال مغلق على ذاته وحقل مستقل للنشاط الاجتماعي ومنفصل عن السياسية، ويعمل طبقاً لآلياته الخاصة والطبيعية. كانت الاقتصادوية أيضاً تهمة يسارية ألقاها لينين على النقابيين الذين سعوا لتحسين الظروف المادية للعمل ومعيشة الطبقات العاملة، بدلاً من السعي لوصول تلك الطبقات للسلطة السياسية. إلا أن الشيوعي الايطالي غرامشي بنظرة ثاقبة رأى أن الماركسية أيضاً، بتركيزها على البنى التحتية ومركزية عملية الإنتاج، يمكن تأويلها كنظرية مشوبة بالاقتصادوية، هكذا وبحسبه فإن الاقتصادوية ليست نظرية في حد ذاتها، بل هي ميل داخل نظريات متعددة ومتعارضة في ما بينها.

في الجانب الأكبر منه، يقدّم "احتلال مصر" تاريخاً للأفكار، أو ما يطلق عليه كاتبه "جينيولوجيا للاستعمار"، والتي يعود بجذورها إلى جون ستيورات ميل، ونظريته التي نفت أن تكون الطبيعة السياسية للإنسان عالمية مثل طبيعته الاقتصادية، فمع أن جميع البشر بحسبه يميلون إلى تحقيق مصلحتهم الفردية، فإن الوعي بالخير الجماعي والرغبة في التعاون من أجله، أي الميل السياسية، هو عملية تاريخية ومقتصرة على مجتمعات وصلت إلى درجة بعينها من التطور. هكذا، ومع غياب المبررات التقليدية للاستعمار، أي غياب هيئات الدولة، حيث وجدت في مصر مؤسسات بنية تحتية قائمة بالفعل قبل الاحتلال بنصف قرن، لجأ الموظفون الاستعماريون إلى محاور أخرى لتبرير مشروعهم للحكم. فمن كتابات اللورد كرومر، نجد قناعات اقتصادوية وعرقية راسخة حول طبيعة "الشخصية المصرية"، فالفلاح يمتلك نزوعاً طبيعياً لتحقيق المنفعة المادية الذاتية، وما يقف في طريقة هو الطبقة الحاكمة الفاسدة، لكن ومع هذا فإن الفلاح نفسه يفتقد الحس اللازم للتعاون من أجل المصلحة العامة، أي يفتقد القدرة على ممارسة السياسة. 

يفند جيكس السردية السائدة منذ الخمسينات حول استهداف الاحتلال لخدمة مصالح طبقة كبار الملّاك، بل ويثبت العكس، أي أن المشروع الاستعماري منذ بدايته ركز على الفلاح كموضوع للإصلاح ومصلحته هدف للتنمية، وحمل أصحاب ذلك المشروع احتقاراً علنياً لطبقة الملّاك الكبار. ولذا أرست الإدارة البريطانية البنية التحتية الاستعمارية على محاور ثلاثة، هي إلغاء السخرة في الريف، وتطوير نظام الريّ ليصبح أكثر كفاءة وأكثر عدالة، وأخيراً تثبيت الملكيات الزراعية وتقنينها بشكل نظامي. لكن ما يثبته "احتلال مصر" هو أن تلك التعديلات جاءت بنتائج عكسية تماماً، ورسخت الفوارق الطبقية بل وعمّقتها لغير صالح الفلاحين. كذلك فإن القناعة البريطانية بأن المصريين غير مؤهلين سياسياً، دفعت اللورد كرومر إلى إلغاء انتخابات عمد القرى التي كانت قائمة بالفعل، وتركيز السلطات بما فيها بعض الصلاحيات القضائية في يد عمد ومشايخ معينين من قبل وزارة الداخلية، مما أرسى بنية مختلفة للسلطة تسري في اتجاه واحد لإدارة السكان والأراضي، وتتمحور حول أجهزة الأمن التي اضحت مركز الحكم البريطاني. 

لا يكتفى "احتلال مصر" برواية التاريخ من داخل سردية المستعمر، فباللجوء إلى نصوص التقارير التي كتبها جهاز سرّي، أسسه الخديوي عباس حلمي لجمع المعلومات، ومن شكاوى المواطنين التي داوموا على إرسالها للقصر بوصفه الملاذ الأخير، نرى تحولات عنيفة وواسعة في بنية مجتمع تم رسملته حتى "أصبح كل شيء قابلاً للتبادل (الرأسمالي) حتى قراءة القرآن". 

وبين تأسيس البنك الزراعي في العام 1898 والأزمة الاقتصادية العالمية 1907، يفحص جيكس عقد الانتعاش الاقتصادي الذي لطالما أُهمل في تأريخ فترة الاستعمار، وكذا يحلل الأزمة المالية المزلزلة التي وضعت نهاية لها. وما يصل إليه ذلك التحليل يتجاوز وصف عملية تحويل مصر إلى حقل جديد للزراعة الاستعمارية ورأسمالية التمويل، بل يوضح الدور الجوهري التي لعبته التجربة المصرية في بنية الأدوات المالية الجديدة للرأسمالية حول العالم، من أول الهند مروراً بالفلبين بل وحتى الولايات المتحدة. 

عبر فصول الكتاب، تتضح لنا التحولات في المنهج الاستعماري، من قناعات كتشنر المحافظة، إلى تجربة الحكم الذاتي المحلي التي قام بها غورست، وقوانين اللورد كتشنر "صديق الفلاح" لصالح صغار الملّاك، وصولاً إلى التغير الجذري في الخطاب حول الفلاح، الذي لم يعد في المنظور الاستعماري قادراً على السعي نحو منافعه المادية، ولذا تقع عليه مسؤولية فشل السياسيات الاقتصادية. ومن السجالات السياسية وأرشيفات الصحف المحلية، يعرض جيكس الطريقة التي تصد بها رواد الحركة الوطنية لخطاب وممارسات الاحتلال الاقتصادوية، بتأكيدهم على استحالة فصل السياسة عن الاقتصاد، وبرفضهم للقبول بالاقتصاد كمعيار في جدل المطالبة الاستعمار. 

ينجح "احتلال مصر" في تقديم إضافة مهمة إلى تاريخ الرأسمالية والحداثة في العالم المستعمر، ويكشف عن مساحات مهملة في التاريخ المصري الحديث، وهو يربط دوافع ومحددات الانتفاضة الريفية الكبرى أثناء ثورة 1919 إلى الأزمة الاقتصادية في 1907، وإلى السياسات الاقتصادوية التي انتجت هذه الأزمة وعقد الانتعاش من قبلها، بل وربطها بالسياسيات البريطانية في الهند، وبأفكار جون ستيوارت مل ومجايليه. وفي إشارة عابرة في خاتمة الكتاب، يخبرنا جيكس أن بنية الإدارة التي أسسها الاستعمار مازالت قائمة، وأن التبعات العنيفة لسياساته المتعلقة بإخضاع الريف المصري للنظام الرأسمالي التمويلي ممتدة إلي يومنا هذا. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب