آخر تحديث:13:29(بيروت)
السبت 17/04/2021
share

إميل دوركهايم.. سيرة موثقة

المدن - ثقافة | السبت 17/04/2021
شارك المقال :
إميل دوركهايم.. سيرة موثقة
صدر عن سلسلة "ترجمان"، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب إميل دوركهايم، وهذا الكتاب ترجمةٌ لكتاب مارسيل فورنييه بالفرنسية Émile Durkheim إلى اللغة العربية، أنجزتها الباحثة فاطمة الزهراء أزرويل. يُعدّ هذا الكتاب عملًا شاملًا عن حياة دوركهايم وفكره، وهو الذي أحدث ثورة في العلوم الاجتماعية؛ بدءًا من الدفاع عن استقلالية عِلم الاجتماع بصفته عِلمًا، ومرورًا بالبلورة المنهجية لقواعد دراسة الاجتماع وأساليبها، وإدانة النظريات العرقية، ونقد المركزية الأوروبية، ووصولًا إلى إعادة تأهيل إنسانية البدائي. لقد دافع عن كرامة الفرد وحرية الصحافة والمؤسسات الديمقراطية والقيم الليبرالية الأساسية للتسامح والتعددية. وفي الوقت نفسه، كان ينتقد اقتصاديات عدم التدخّل ودافع عن قيم التضامن وحياة الجماعات.

توثيق السيرة
في هذه السيرة الطويلة، وثّق فورنييه السيرة الذاتية الجديدة لدوركهايم بدقة، ملقيًا ضوءًا جديدًا على شخصيته، وعلاقته باليهودية، وحياته العائلية، وعلاقاته بأصدقائه ومعاونيه، ومسؤولياته السياسية والإدارية، وآرائه السياسية. وتتعلّق بهذه الشخصية الكثير من الحواشي، غير أنها تشكل ملحقًا نصيًّا أساسيًّا، ويظهر دوركهايم اليهودي للقارئ عالمًا ومعلمًا ومحاضرًا ومشاركًا ناشطًا في النقاش الأكاديمي، ومراقبًا دقيقًا للتغيير الاجتماعي، ومفكرًا سياسيًا ملتزمًا، ورائدًا في إحدى مدارس العلوم الاجتماعية، ومرشدًا لزملائه الشباب، ووصيًّا على جامعة السوربون. ويجعل فورنييه من هذه السيرة الذاتية لدوركهايم، الذي يُدرس في أولى سنوات التعليم الجامعي الأوروبي، قصةً لإنسان حقيقي، تقليدية في أهدافها وأشكالها وطريقة سردها.

إنّ ما أراد فورنييه، في كتابه هذا، هو الاستعانة بمنظور السيرة الذاتية ليتحدث عن أمر مختلف. وإذا تطرق في سرده إلى اليهودية في فرنسا، ومدارس الجمهورية الثالثة وجامعاتها، والمناخ الفكري السائد في حينه، والروح الأكاديمية المستعرة، والنزاعات السياسية والعلمية، والعقليات والعادات، واحتلال الألزاس، وقضية دريفوس، أو الحرب العالمية الأولى، فذلك لأن هذه المسائل ألّفت أجزاءً من حياة دوركهايم وسيرته الأكاديمية والفلسفية. وهي، من ثمّ، تمثّل خلفيةً للمشهد الدوركهايمي من حيث إحياء السياق التاريخي والثقافي والسياسي والفكري، وهو ما يسمح لأي فرد موجود فيه اجتماعيًا أن يُفهم من دون أن يكون الثمن تخليه عن استقلاليته.

يتألف الكتاب من ستة أقسام، توزع فيها ستة وعشرون فصلًا. 
يعتمد فورنييه الشكل الأوضح لكتابة السيرة الذاتية، ومن ثمّ يقدم حياة دوركهايم بالترتيب الزمني المعهود، مسترشدًا بما تيسر له من مصادر، تاركًا في بعض الأحيان دوركهايم ليتحدث بنفسه عن نفسه، معززًا السيرة الذاتية باقتباسات كثيرة يربط بعضها ببعض ليرسم صورة فسيفسائية معبّرة عن دوركهايم نفسه، متكهنًا حينًا، في تفصيلات عديدة، تاركًا أحيانًا أسئلة من دون إجابات حين لا تسعفه مصادره تجاه مزيد من الاستدلالات، مع حرصٍ شديد على حَصْر اجتهاداته في حدود دنيا لضمان السلامة العلمية للسيرة الذاتية، ولعدم الاستسلام لوهم السيرة الذاتية. وهكذا، تكمن "قوة" الكتاب في إدراك فورنييه المسلمات النظرية، من دون إثقال النص بالنظريات. إنه كتاب مزدوج المعنى؛ إذ يمكن استكماله بالاكتشافات المتتالية للحقيقة، لكنْ يمكن من خلاله - قبل كل شيء - فهم حياة دوركهايم ضمن بنية نظرية أرادها فورنييه بالغة الدقة.

يقترب الكتاب من أن يكون عملًا تأريخيًّا أكثر من كونه عملًا يهدف إلى التنظير في علم الاجتماع. وعلى الرغم من أنّ المجالين ينتهجان في أحيان كثيرة منهجًا مطابقًا، فإن المبادئ التي تنتظم بها نصوصهما مختلفة؛ فالمؤرخ يبحث في أصول الأفكار، في حين يعيد المنظر بناء العمل عقلانيًا.

يقدم فورنييه الأطروحات الرئيسة لنصوص دوركهايم وأصولها تقديمًا منهجيًّا، بما فيها الأطروحات الأقل شهرة التي يمكن أن يتوصل إليها عالم الاجتماع "العاديّ". وقد دُمجت كتب دوركهايم في سيرة قراءاته المستمرة، ونزاعاته، واجتماعاته، ومحاضراته، ومناقشاته العامة، وانتقاداته. ربما يسود انطباع مفاده أن دوركهايم كان باحثًا منتجًا في سنوات قليلة فقط من حياته، لكن الحقيقة ليست كذلك؛ فهو قد كان عاملًا مجدًّا، حتى إنه لا يرتاح قليلًا إلّا عندما يحثه طبيبه على الراحة.

مارسيل فورنييه
باحث وأستاذ جامعي ومفكّر كندي. كتب أطروحته في فرنسا تحت إشراف بيار بورديو، ثمّ نالها في عام 1974. تم تعيينه أستاذًا في جامعة مونتريال، حيث قضى أغلب سنوات حياته المهنية. يركز عمله على علم اجتماع الثقافة، وعلم اجتماع العلوم، ونظرية علم الاجتماع، وتاريخ علم الاجتماع في فرنسا. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها