آخر تحديث:14:19(بيروت)
الخميس 15/04/2021
share

في يومها العالمي... حياة الفنون وموتها

زينب كنعان | الخميس 15/04/2021
شارك المقال :
في يومها العالمي... حياة الفنون وموتها مناخ الحاسوب
يُصادف الخامس عشر من نيسان، اليوم العالمي للفنون. وبما أنّ الفنّ هو الخلق الواعي لقطعة تعكس مشاعر وأحاسيس الفنّان وبالتالي لنفس الفنّان بخلجاتها حضورًا في القطعة الفنيّة. إلّا أنّ الاختراق الحضاري للحاسوب الذي أصبح جزءًا من حياة الإنسان في كافّة وجوه الحياة ومنها عالم الفنّ، أفضى إلى تحولّات واضحة في هذا المجال. 
 
ولا يمكن أن ننكر ما وفرّه الحاسوب من خدمات جليلة قدمها على مستوى العلوم والفنون على حد سواء، وفي مجال التربية والتعليم أيضًا، والبحث العلمي، وأعظم ما قدّمه الحاسوب هو اختزال الوقت في زمن صار فيه الوقت أغلى سلعة على الإطلاق، وقد تحقق بواسطته التقدّم الباهر على كافة المستويات العلمية من طب وهندسة وتصميم وعمارة وسواها.

 
من غير الممكن اعتبار الحاسوب شيئاً من الكماليات الممكن الاستغناء عنها في حياتنا، وقد أفاد من هذا الجهاز الكثير من الفنون والأعمال ذات الطابع الفني، كالإخراج والهندسة والديكور، والعمارة، وصناعة السينما، وغيرها. كما دخل الحاسوب عالم الفنون الجميلة، كالنحت والرسم، والخط العربي، ولا يمكن لأحد أن يخفي ما للحاسوب من أثر بالغ في معظم الفنون الجميلة.

النحت والرسم
النحت من أقدم الفنون الجميلة وأكثرها مشقة عبر العصور، ورافق حياة الإنسان منذ وجوده، والآن باتت لدينا آلات تصنع أدق المنحوتات وأكثرها تعقيدًا، سواء كانت من صنف الوجوه أو من الأعمال التشكيلية، ويقول النحّات التشكيلي عماد عيسى في حديث لـ"المدن": "إن لآلة النحت قدرة هائلة في النحت بدقة متناهية وسرعة فائقة إلا أنها تصنع الأشياء بناء على برمجة مسبقة، وهي فاقدة للروح والحس والرؤية والتي هي ميزة الفنون الجميلة".

كانت الألوان الزيتية المادة التي خلّد بها الفنانون أعمالهم العظيمة. ومع ظهور وتطوّر الكمبيوتر باتت الأسواق وصالات العرض مليئة بآلاف اللوحات الزيتية. وفي مقابلة مع علي شقير وهو أحد كبار تجّار الأثاث يقول: "نحن نشتري من الصين أرقى اللوحات الزيتية والمنحوتات الخشبية بأبخس الأثمان"، وعند سؤالنا للفنان صافي الجوني عن هذه الظاهرة، أجاب: "الفن هو الفنّ، أما "الكومبيوتر فهو آلة، ومن غير الممكن لهذه الآلة أن تأخذ مكان ريشتي وعقلي وقدرتي على التأمل في الأشياء. وإن قيمة أي لوحة فنية تكمن في التوقيع الواقع أسفل اللوحة، فمن يوقع هذه اللوحات المنتشرة في الصالات والمتاجر؟ لا يمكن لهذا الجهاز أن يحل مكان ريشتي".

 

الخط العربي
للخط العربي قصة مختلفة مع جهاز الكومبيوتر، إذ حلّ مكان الخطاطين وأقصاهم عن حرفة ومهنة ترجع لآلاف السنين بعدما عاش الخطاطون مجدًا منقطع النظير، حيث يعتمد الخطاط على الموهبة. وفي مقابلة مع الخطّاط التشكيلي حسن جوني يقول: "لقد انتهت حرفة الخط العربي وحلّ الكومبيوتر مكان الخطاطين. لكن ثمة من يحب التمييز بين الخط كحرفة ومهنة والخط العربي كواحد من أهم الفنون التشكيلية الجميلة، حيث لا يمكن للكومبيوتر أن يحل مكان عقل الخطاط وقصبته، يكتب الخطاط بروحه وقلبه قبل يده وعقله، وخطوط الكومبيوتر خطوط يابسة برأيي لا يمكن لها أن تحمل الأحاسيس التي يحملها الفنّان أثناء عمله".

 
لم تتوقف عملية تدخل الآلة في سائر الفنون عند حد ما، وقد صنع الحاسوب في عالم التصوير والألوان ما يشبه المعجزات وأفقد الكثير من الفنون جزءًا كبيرًا من ألقها وبريقها، ويؤكد أستاذ الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية عباس مكي على الدور الإيجابي الكبير للحاسوب في عالم الفنون، خاصة في التصميم والديكور وفن العمارة، ويقول: "إن هذا الجهاز حلّ الكثير من المشاكل وخلق لنا روحًا من التحدّي في عالم الفن ودفع بالفنّانين نحو الخلق والإبداع وذلك خشية اختزالهم وإحالتهم إلى التقاعد".

الحنين
ليا 25 سنة، طالبة فنون جميلة في الجامعة اللبنانية من الجيل الجديد وبالتالي فإن الحاسوب هو رفيق الدرب في مجال دراستها. بالنسبة لليا الحاسوب يسهّل عملها كثيرًا ويختصر على الطالب أو الفنّان الكثير من الخطوات التي يمكن أن تُختصر "بكبسة زر"، كما تعبّر. إلا أنها وبالرغم من حبّها للعمل على الحاسوب تحنّ للعمل والرسم بأناملها. تقول ليا: "نحّن على طول للشغل بالإيد" وتضيف: "كل الجمال في العمل الفنّي يكمن في مسيرة الفنّاة التي يسلكها من التحضير للعمل لخلقه لرؤيته ماثلًا أمامه، وبالتالي يصبح العمل هو الإنجاز الأساسي الحقيقي. لكن العمل على الحاسوب بالنسبة لليا هو أشبه بتقليد للأعمال الفنيّة الحقيقية ولكن بدون روح.


من غير الممكن أن يحّل الكومبيوتر مكان العقل البشري في كل شيء، إذ لا يمكن تجاوز المشاعر والأحاسيس وهي ميزة هذا المخلوق البشري، وتشكّل العاطفة العنصر الأهم على مستوى عناصر العمل الفني التي تشترك في تكوينه. والعاطفة هي القوة التأثيرية الكامنة في الفنون الجميلة، كما يستقل الإنسان بميزة عقلية خاصة تتمثّل في الرؤية الخاصة به، أو ما هو معروف بموقف الفنّان حيال الحياة وقضاياها وظواهرها، ومن غير الممكن أن يكون للحاسوب رؤية كما لا حسّ له ولا عاطفة، في وقتٍ لا يمكن لفنّان مبدع أن يكون من غير رؤية خاصة به، أو عاطفة تميّز أعماله.

وفي هذا الصدد ينقل لنا الخطاط حسن جوني عن قريبه الفنان التشكيلي حسن جوني قوله له: "إن جهاز الحاسوب خلق روحًا من التحدّي لبيئة الفنّانين المبتدئين إلا أن رسومه وخطوطه وحتى ألوانه تولد ميتة لا روح فيها". وبالتالي تبقى الأصالة للإبداع وللفنّ وللفنانين المبدعين الذين يمكن لهم أن يتجاوزوا حدود المرئي والمسموع إلى باطن الأشياء وحقيقتها.

يبقى السؤال المطروح حول هذه الظاهرة قائمًا، فهل من الممكن أن يأتي يوم تحل فيه هذه الآلة مكان الفنّان؟ ثم يحال في يوم ما الفنّانون إلى التقاعد، وتكف أيدي المبدعين، وتسقط الريشة من الرسامين، ويسقط الإزميل من النحاتين، وتهوي القصبة من أنامل الخطاطين.
إنه التحدّي الأكبر على مستوى رؤية الفنانين والحس المرهف والإبداع، وكل هذا من ميزات الإنسان حصرًا، فهل تبقى؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها