آخر تحديث:11:30(بيروت)
الإثنين 12/04/2021
share

"صوت الميتال".. حياة تنتهي لتبدأ أخرى

محمد صبحي | الإثنين 12/04/2021
شارك المقال :
  • "صوت الميتال".. حياة تنتهي لتبدأ أخرى
    يعتمد الفيلم على ريز أحمد، صاحب العينين الأكثر تعبيراً في سينما اليوم
  • هل هناك مستقبل محتمل دون إمكانية ممارسة الشغف؟
    هل هناك مستقبل محتمل دون إمكانية ممارسة الشغف؟
  • من الفيلم
    من الفيلم
يبدأ كل شيء بحفلة صاخبة لموسيقى الهيفي ميتال. على المسرح، تفرّغ المُغنّية كل التوترات المتراكمة في الميكروفون، وخلفها يجلس عازف درامز بعَرَقه وصدره العاري تتخلّله حيوية الأجواء ويغذّيها بدوره بكمية معتبرة من الضجيج تصمّ الآذان. من دون استخدام كلمة واحدة، وفي غضون ثلاث دقائق فقط، يتمكّن الكاتب والمخرج الأميركي داريوس ماردر من التقاط جوهر الطريقة المكثفة التي يختبر بها الشابان الإيقاع، كيف يعطيان كامل طاقاتهما للصوت كما لو كان طقساً دينياً، دين الضجيج، كيف يملأ كل شيء لبضع دقائق، ليصبح الحقيقة الوحيدة. ثم يأتي طنين ثم يعمّ الصمت. وعندما يأتي (مفروضاً وقاسياً ومفاجئاً ومصحوباً بمقاومة عاطفية)، سيسقط مثل حجر يسدّ طريق عازف الدرامز.


يفقد عازف الدرامز "روبن" (ريز أحمد) سَمْعه. بالنسبة إليه، هذه مأساة. لا يريد قبول مصيره، ولا التخلّي عن وجوده كعازف في وضعه الحالي. كاتب ضرير، رياضي مصاب بإصابات مزمنة، موسيقي أصمّ، نحَّات يفقد حساسية يديه. كيف الشعور عندما يخون الجسدُ الفنانَ على هذا النحو؟ هل هناك مستقبل محتمل من دون إمكانية ممارسة الشغف؟ ماذا لو كان هذا الشغف، إضافة لكونه أداة للعيش اليومي، شريان حياة يجب التمسك به في سياق من الوحدة والتهميش، وهو ركيزة الحياة بأكملها؟ كل هذه الأسئلة تدور في رأس "روبن" بمجرد أن يلقي عليه الطبيب المختصّ سلسلة من الحقائق لم يرد أن يسمعها أبداً: الطنين الذي سمعه اثناء عزفه في حفلته الأخيرة هو أول علامات تقلُّص سمعه إلى ما دون نسبة 30%، وأن الحالة لا رجعة فيها، وأن الاحتمال الوحيد هو الحصول على غرسة القوقعة الصناعية التي تكلّف ما بين 40 و80 ألف دولار، وأخيراً عليه تجنُّب تعريض نفسه للضوضاء الصاخبة. 


في باكورته الإخراجية، "صوت الميتال" لا ينسى ماردر، اللوحة السمع-بصرية الغنية التي توفّرها السينما. افتتاحية الفيلم التعبيرية التي تبدو للوهلة الأولى كلازمة أساسية آتية من تيار بعينه في السينما الأميركية المستقلة، والتي ينتمي إليها الفيلم بالطبع، تغدو اقتراحاً مبدئياً للتمهيد للمتفرّج والأخذ بيده لمواصلة تجربة مشاهدة واختبار حساسية يعتمدان الحسّية والانتباه. يرجع هذا بشكل كبير إلى ثقة المخرج في صوت فيلمه. فسرد قصة هذه القيود والتغلّب عليها من دون إيلاء اهتمام كبير لهذا الجانب، لن يكون له معنى على الإطلاق. يترك المخرج الأمر للصوت (أو لغيابه في هذه الحالة) ليروي تجربة روبن الداخلية.

ما من طريقة أفضل لبيان خسارة المرء قدرته الاعتماد على أي من حواسه، أكثر من حرمان المتفرّج منها حرفياً. هذا هو دور تصميم الصوت في الفيلم: التوقف عن الشرح والبدء في العرض. ورغم أنها تبدو فكرة بديهية، إلا أن تفوّق الفيلم يكمن في تكريسه التام لها، وقدرته على تعديل النغمة، وإغنائها من دون تغليبها على ما عداها. في هذه التفاصيل الدقيقة، يجد الاقتراح نجاحه الكبير. وبهذه الطريقة، تدخل دراما عازف الدرامز الذي جُرِّد فجأة من سمعه إلى منطقة مثيرة للذكريات والصور والمشاعر القوية، بهروبها من الإباحية العاطفية سعياً وراء واقعية أكثر إيجازاً.

للفيلم أيضاً تأثير قوي على المستوى البصري كما الحال على مستوى الصوت منذ البداية. الضجيج الطبيعي للعالم، ضجيج محرك العربة القديمة، أصوات المدينة بأبواقها وكلابها وناسها، الثرثرة الخلفية في الغرف المزدحمة، الموسيقى الصاخبة والناعمة.. كل هذا ممزوج بعمل كاميرا متحركة محمولة، ما يؤكد انطباع المتفرج بكونه ضيفاً على صانع سينمائي مهووس بالموسيقى. في إحدى المقابلات، كشف المخرج انه أراد في البداية إنجاز فيلم وثائقي عن فرقة الميتال الأميركية Jucifer، لكن جدّته (الصمّاء) جعلته يتساءل عما يحدث لصانع الموسيقى حين يفقد سمعه.

لهذا، يعدّ اختيار الممثل الذي سيتعيّن عليه تحمُّل كل ثقل الحبكة على كتفيه أمراً ضرورياً. يعتمد داريوس ماردير، على ريز أحمد، صاحب العينين الأكثر تعبيراً في سينما اليوم. لكن باستذكار السجل التمثيلي القريب للممثل البريطاني-الباكستاني، في المسلسل التلفزيوني القصير "ذا نايت أوف" (2016) و"الشقيقان سيسترز" (2018، جاك أوديار)، قدّم أحمد تفسيرات حسّاسة ومكثّفة وقلقة وفي بعض الأحيان متطرّفة. حين التقاط مثل هذه المواقف المتزيّدة، يصعب أحياناً قياس مستوى التمثيل المسرحي، وتحديد موضع الفرملة اللازمة، والنقطة التي يتجاوز فيها الممثل العتبة إلى عالم متنافر ومستغرَب. لا يتخطّى "صوت الميتال" هذه النقطة أبداً، بالتزامه الواضح رواية قصتّه عبر أكواد النوع الدرامي. روبن، بعد اندلاع موجة غضبه الأولى الناتجة عن سخطه من حقيقة إصابته المتأخرة، سيتوجّب عليه ترك نمط حياة الموسيقي البدوي، في الشاحنة التي يتقاسمها مع صديقته وشريكة حياته ومهنته، "لو" (أوليفيا كوك). هي، الخائفة من الانتكاس المحتمل لعادات قديمة ومُهلِكة، مَن ستأخذه إلى مركز إعادة تأهيل متخصص للأشخاص الذين يعانون مشاكل سمعية خطيرة.

من تلك النقطة فصاعداً، تُرك روبن تحت رحمة نفسه، وتحت رحمة أفكاره، يتيماً ومحروماً من ذلك الدعم المُحبّ الذي تقدّمه "لو". في المركز، الذي يعشّشه المخرج بممثلين صمّ (أو مَن لهم صلات بالموضوع)، يُقدَّم جانباً من الخطاب الذي سيعتمده الفيلم وسيلةً لبقية مدّته. بصفته الشخصية الرائدة في المجموعة، يقول المُرشد جو: "بول راسي، وهو ممثل ينتمي إلى مجتمع CODA (اختصار لأبناء الأشخاص الصمّ)"، إن هدف الأعضاء ليس العلاج، لأن معظم هذه الحالات لا رجعة فيها، أو على الأقل يصعب التعافي منها. الهدف هو تعلّم كيفية العيش معها، والازدهار وظيفياً، والتخلي عن مفاهيم اعتبرت أمراً مفروغاً منه في الماضي من أجل التكيّف مع طرق جديدة للوجود.

الجانب الوحيد الذي يتعثر فيه الفيلم قليلاً هو حين دخول الصوت للمجال (تلك المراوحات الصوتية، تأثير حوض السمك، الدخول إلى رأس البطل)، فتختفي الموسيقى، وتصبح مجرد حاشية. القصة هي قصة رجل فقد سمعه، أكثر منها قصة عازف درامز في هذا الموقف. هذا عائد بالأساس إلى حقيقة إعطاء الأولوية للنزاعات الداخلية للشخصية، بدلاً من النزاعات السياقية التي يمكن أن تنبع من انتمائه إلى مجموعة بعينها. دراماه الشخصية أهم من الدور الذي يمكن أن تلعبه الموسيقى فيها. في النهاية، هذا ليس شيئاً سلبياً في حد ذاته، وبالنظر إلى اختيار العنوان، من المدهش مدى سرعة الفيلم في قلب صفحة هذا الجانب، لكشف المعنى الحقيقي لعنوانه في ثلثه الأخير، حين يقول، بطريقة ما، إن نهاية حياة ما قد تكون بداية حياة أخرى.

(*) رُشّح الفيلم لست جوائز أوسكار، من بينها جائزة أفضل فيلم، ويعرض في منصة "أمازون".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها