آخر تحديث:13:34(بيروت)
الأربعاء 31/03/2021
share

"ميناري".. عن كل ما هو مهم في الحياة

محمد صبحي | الأربعاء 31/03/2021
شارك المقال :
  • "ميناري".. عن كل ما هو مهم في الحياة
    حبّ ووئام في مواجهة أحلام مستعصية
  • دراما عائلية على طراز جون فورد.
    دراما عائلية على طراز جون فورد.
لدى الحديث عن ملحمة سينمائية أميركية خالصة، فالأمر يتعلّق بالأساس بنوع الويسترن، مثلما بشخصية الرائد، فاتح الأرض ومستعمرها. وإذا كان هناك أي شيء يحدّد فكرة الحلم الأميركي، التي لم تتوقف عن التحوّر طوال عقود، فهو الكفاح للوصول إلى أرض حرة وبكر، مفتوحة أمام احتمال جميع أنواع الأحلام الجماعية والفردية. في بداية القرن التاسع عشر، بدأت من المستعمرات الـ13 لأميركا الشمالية، عملية توسّع من شأنها أن تقود هؤلاء الرجال والنساء، ومعظمهم من المزارعين ومربّي الماشية الباحثين عن أفقٍ واضح، لإنهاء "الغزو"، وبحلول العام 1853، شكلّت تلك الأراضي "المحرَّرة" نواة الولايات المتحدة كما نعرفها اليوم.

اقترب الويسترن من هذه الرحلة، رحلة بلد في طور التكوين، كأسطورة، تنظمها علامات في طريق "الملحمة التأسيسية العظيمة للأمة الفتية". في هذا السياق، يبرز مفهوم سوسيو-سياسي وفلسفي، مشبع، في الوقت نفسه، بالخيال والخوف: الحدود. هذا المكان الذي لا يمكن تمثيله في مخيلة المهاجر، حيث كل شيء -حتى الأكثر فظاعة- ممكن. عندما يتعلق الأمر بفيلم "ميناري" للمخرج الأميركي-الكوري لي إيزاك تشونغ، تحضر أصداء قوية لأفلام جون فورد الويسترنية: من التأسيس في "الحصان الحديدي"(1924)، إلى الولادة الجديدة في "الباحثون"(1956) - حيث اكتمل غزو الغرب الأميركي لكنه لم يكن قد رُوِّض بعد - من دون نسيان النسخة الحزينة من نهاية الغزو التي يمثّلها فيلم "خريف الشايين"(1964). يمكن القول إن "ميناري" دراما عائلية على الطراز الفوردي.

في العام 1965، وضع قانون الهجرة الأميركي حدّاً لنظام الكوتا وفقاً للأصول القومية، الذي كان أساس سياسة الهجرة الأميركية منذ عشرينيات القرن الماضي، ما سمح للمهاجرين من أميركا اللاتينية وآسيا في البدء، بالوصول بشكل مستمر إلى الولايات المتحدة. في أواخر السبعينيات، في ذروة موجة الهجرة الكورية، استقر والدا لي إيزاك تشونغ (1978 – دنفر، كولورادو) في مزرعة صغيرة في شمال غربي أركنساس، حاملين معهما أحلاماً ومشروعات وطاقة. يموضع تشونغ قصة فيلمه في الثمانينيات، أميركا رونالد ريغان وصعود الخطابات اليمينية والقومية، ليروي، بطريقة ما، سيرته وسيرة أسرته المهاجرة، تاريخه، صراعاته، تناقضاته، هوس المهاجر في أرض جديدة وبيئة غريبة بعادات وقيم وخصوصيات مختلفة تماماً عمّا عرفه في بلد منشئه.


يركز الفيلم على تجارب أسرة كورية مهاجرة تسعى إلى رسم طريقها الخاص لتحقيق الحلم الأميركي: الأب جاكوب (ستيفن يون)، الأم مونيكا (يري هان)، الإبنة آن (نويل تشو) والإبن ديفيد (آلان كيم). كانت لدى العائلة خبرة سابقة في كاليفورنيا، لكن جاكوب اشترى للتو قطعة أرض كبيرة في ريف أركنساس بغرض إنشاء مزرعة هناك، لزراعة الخضروات الكورية وبيعها للمجتمع الكوري المتنامي باستمرار في الولايات المتحدة. هذه طريقته من أجل تحقيق الحلم الأميركي. تنتقل الأسرة الصغيرة للعيش في منزل متنقل جاهز، في أحد أركان أرضها المُعدّة للزراعة حيث سيتعين عليهم نسيان وسائل الراحة النموذجية لحياة المدينة، فيما مونيكا، لا تخفي استياءها وخيبة أملها. كلاهما يؤدي وظيفة رتيبة تتمثل في فصل الكتاكيت الإناث، والتي ستُستخدم لاحقاً لوضع البيض، عن الذكور الذين سيتم التخلّص منهم مباشرة.

البدايات ليست سهلة على الإطلاق، لكن (وعندما يبدأ التوتر في الازدياد) سرعان ما تصل الجدّة سونجا (الأسطورية يون يوه جونغ)، والدة مونيكا، في محاولة متأخرة لتأدية دور الجدّة الذي لم تتقنه قطّ، والمساعدة في ضبط أشرعة سفينة الأسرة المتضاربة. المشكلات الطبية لديفيد المصاب بانسداد الشريان التاجي، ونقص المياه، وصعوبة تسويق الحصاد، والتأزّم المستمر بين الزوجين، ومحاولات الذهاب إلى الكنيسة المحلية للاندماج أكثر مع المحيط... كل مشهد في "ميناري" له معنى ومنطق، كثافة درامية، عمق نفسي، روح إنسانية. رغم أن تراكم المصائب في بعض الأحيان يأخذ الميلودراما إلى مناطق غير مريحة.

في الفيلم، تأخذ الأمزجة السينمائية منحى حاسماً مثل تلك النظرة الطفولية التي يعتمدها الإبن ديفيد، الأنا الصغيرة للمخرج، في مقاربة عادات وديناميات أسرة مهاجرة يتنازع هويتها، في الوقت نفسه، مَيْلان: كوري وأميركي. الشكل المجازي المتجذر في هذا التحديث لسرديات المكتشفين والأراضي المجهولة وصدامات العادات، هو النبتة التي تعطي الفيلم عنوانه. فالميناري، وهو الاسم الشائع لنبات Oenanthe javanica، عشبة مُعمّرة معروفة في كوريا على نطاق واسع، وتتمثل ميزتها الأساسية، على حد تعبير الجدّة في الفيلم، في قدرتها على النمو في أي تضاريس أو تربة. يكافح جاكوب ومونيكا في كثير من الأحيان، ضد الظروف المعاكسة. وولداهما ديفيد وآن، وحتى الجدّة، وجميعهم، بهذا المعنى، بذور ميناري.

الابتعاد عن استعارات أحدث الإنتاجات السينمائية الأسيوية-الأميركية المستقلة - من "كولومبوس" (كوغونادا، 2017) إلى "ذيل النمر" (آلان يانغ، 2020) مروراً بـ"الوداع" (لولو وانغ، 2019) - هو أجمل ما في "ميناري" الذي يلعبها بذكاء، متشرّباً روح جون فورد ليروي قصّة "روّاد" آخرين، من غربٍ أقصى آخر، وحدود أخرى. يعيد اختراع سردية الهجرة التي شكّلت أميركا المعاصرة، انطلاقاً من التعايش بين الخيال والذاكرة، بين الأحلام والواقع القاسي، بين توترات وجود صعب وشاق. يتجنّب تشونغ الوقوع في فخّ الغوغائية كما استجلاب الملحمية إلى فيلمه. صحيح، هناك طفل استعطافي في كل مشهد تقريباً، لكنه قادر أيضاً على إحداث أذى شديد (مثل تقديم البول إلى جدّته بدلاً من الماء).

هناك سمات من اللطف والتضامن والحب، لكن هناك أيضاً عدم فهم وخيبة أمل وانزعاج. بناء كلاسيكي وحساسية فيها من الصدق والعاطفية ما يكفي لإقناع جمهور عريض، وحتى لتلقّيه جوائز مهمة. "ميناري"، بهذا المعنى، هو أحد أفضل المقاربات الحديثة لمعضلات المهاجرين الآسيويين (الكوريين) في أرض الفرص (والإحباطات) التي هي الولايات المتحدة.


لا يقتصر التأثير الفوردي على النهج العام لرواية قصة الفيلم فحسب، بل يتعدّاها إلى تفاصيل الروابط الناظمة لمكونات الفيلم نفسه، من أحداث درامية وتكوينات جمالية. عمل الأسرة وكفاحها لإبقاء رأسها فوق الماء، والملاحظات الميلانكولية لبول (ويل باتون)، العامل الأميركي الممسوس-المتدين الذي يساعد الأب في زراعة الأرض، والمشاهد التي لا توفّر جهداً في توضيح وجبات الطعام، وأيام العمل، وطبيعته، وألعاب الورق، أو لقاءات الكنيسة؛ تؤكد ما يربط الفيلم بأسلوب المعلّم الأميركي الأول. في المشاهد الداخلية أيضاً، تبرز تلك التوافقات الموضوعية والأسلوبية بين "ميناري" وأفلام فورد، بتتبُّع "الميزانسين" للعلاقات بين الشخصيات والأحياز والمساحات، بينما في المشاهد الخارجية، يكون لعمل المخرج الأسبقية، في تأكيد المزاج الملحمي للسرد. تعدد طبقات المعنى السيرفانتيني الذي ظهر، على سبيل المثال، في أعمال مثل "فورد أباتشي" (1948)، يعيد هنا نبلاً ضائعاً للسينما الأميركية: في مواجهة ديماغوجية "الفوز" الأميركية، يتعاطف تشونغ، بالقدر ذاته، مع مغامرة جاكوب وإحباط مونيكا المتزايد. من ناحية أخرى، تتردد أصداء شخصية موس هاربر من فيلم "الباحثون" (1956)  في شخصية بول: في الإثنين، شخصيات ثانوية تدعوهما الحبكة في الوقت المحدد لإبراز البعد الروحي الحقيقي لفيلم يسائل فكرة الإيمان على نحوٍ معقّد، من داخله لا من خارجه، عبر إخضاعه لتمثيلات طبيعية (كالفصول وتغيرات الطقس)، لكن بشكل أساسي، للنظام الاقتصادي الذي -على عكس تلك الرأسمالية البدائية اليوتوبية التي صوّرها فيلم "سيّد العربة" (1950)- فَقَد رسوه في المجتمع.

ما يجعل الفيلم رائعاً هو العالمية التي يستدعيها خطابه من صورٍ تشفّ ما تحتها من سطح رائق، بقدر ما تكتنزه، في النهاية، من ثقل الإنجازات الفنية والأدائية الرائعة. من الصعب الإشارة إلى موضوع مركزي في فيلم تشونغ. ربما يمكن تلخيص"ميناري" كفيلم روائي طويل يتحدث عن كل ما يهمّ، أو يجب أن يكون مهماً في الحياة. إنه، بأفضل معنى ممكن للكلمة، وقت مستقطع: إعادة بناء لحياة حميمة مستعصية في العصر الذي نعيشه. قلة نادرة من الإنتاجات الأميركية الحديثة -يتبادر إلى الذهن "المهاجرة" (جيمس غراي، 2013) و"لافينغ" (جيف نيكولاس، 2016)- عرفت كيف تتحدث مثل "ميناري"، باقتناع صادق وصراحة حميدة، حول الكرامة الأساسية للبشر وهذا التحدي المتأصّل في الوجود نفسه، الذي يستلزم مواءمة رغباتنا العميقة مع الروابط العاطفية التي تربطنا بمن نحبّهم.

(*) رُشّح الفيلم لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها