آخر تحديث:15:57(بيروت)
الثلاثاء 30/03/2021
share

فنون أم جنون؟..عدوى "الضجيج" تصيب صالون الشباب بمصر

شريف الشافعي | الثلاثاء 30/03/2021
شارك المقال :
فنون أم جنون؟..عدوى "الضجيج" تصيب صالون الشباب بمصر من المعرض
يبدو أن سياسات وزارة الثقافة المصرية وإفرازات مجالسها وقطاعاتها وهيئاتها المتعددة قد تغلغت إلى أبعد حدّ بفيروساتها النشطة في أنسجة القوى الناعمة المصنوعة، التي يجري تصديرها بوصفها التمثلات الفكرية والإبداعية والجمالية المعتمدة للمؤسسة الرسمية.

هذه التجليات الثقافية الممسوخة، المسؤولة عن تراجع تأثير القوى الناعمة داخليًّا في المجتمع المحلي، وتقزُّم امتداداتها خارجيًّا على الأصعدة العربية والإقليمية والعالمية، هي ببساطة نتائج مباشرة لفراغ تخطيطي في الميدان الثقافي، وخلل إداري وتنفيذي، ومنظومة تخبّط وفساد شاملة منذ سنوات طويلة، فالمؤسسة الرسمية برمّتها محسوبة على حركة الحياة افتراضيًّا، وفعليًّا هي منتمية إلى الغياب الإكلينيكي.

هذا الانحدار الذي لا تخفى شواهده البصرية؛ المعمارية والتشكيلية، والأدبية والسينمائية والمسرحية والموسيقية، وليد تحويل الثقافة إلى كيان تابع، غير مكتمل الأهلية، يُدار بأيدي موظفين وبيروقراطيين ومدجّنين لا يملكون الرؤية، ولا يعرفون استقلال الإرادة تحت مظلة السمع والطاعة وتلقّي الأوامر من جهات فوقية ترى شؤون الصالح العام من وجهة نظر أحادية، ولا تقبل المراجعة والتفنيد. وفي مثل هذه الأجواء الملبّدة بالأدخنة، يتنحّى المختصّون والعارفون بعيدًا، وتنتشر روائح كريهة للفساد والمحسوبية والتربيطات، وتسود الشكلانية والدّعائية، ويسعى المُمالقون والمأجورون والمنتفعون إلى محاولة تغطية سلسلة الإخفاقات بالضوضاء وهتافات الولاء والشعارية.

هكذا، تتحوّل المؤتمرات والمهرجانات والفعّاليات إلى كرنفالات احتفالية هشة، تقف وتنتهي عند حد رصّ العناوين العريضة وترديد المقولات، وتتوالى جعجعة بعد جعجعة من دون حضور الطحين. وإذا كان بعض المتفائلين قد عقدوا رهانهم على استثنائية الأجيال الجديدة للفنانين والأدباء والمبدعين، آملين في نجاتهم من هذه الشراك كلها، فإن ما وصل إليه "صالون الشباب" الحادي والثلاثون، المنعقد حاليًا في "قصر الفنون" بدار الأوبرا المصرية في القاهرة، يكاد يحوّل أشعّة الرجاء الواهية إلى خيوط سراب.

لقد انتقلت عدوى الضجيج من قطاع الفنون التشكيلية (جناح وزارة الثقافة الأبرز، والراعي الرسمي لمتاحف الفنون ومعارضها وأنشطتها المحلية والدولية) لتصيب أحدث أجيال التشكيل من المشاركين في صالون الشباب، وهم أكثر من مئة وخمسين فنانًّا في مجالات: النحت، الخزف، التصوير، الرسم، الغرافيك، التجهيز فى الفراغ،  الميديا والفنون الرقمية، وغيرها، إذ غلبت على أعمالهم صيحات التغريب والفجاجة الشكلية والإثارة والبهرجة والتثاقف، على حساب التعمق وإثبات الهوية والخصوصية وتحقيق الشخصية.

وجاءت تلك السطحية في التناول تحت دعاوى الحداثة والمعاصرة والآنية والتجريب وإفساح المجال للإبهار عبر التقنيات والتقاليع المستوردة، بغير مراعاة لروح الانسجام، وطبيعة السياق، والحدود الدنيا للمعايير والأساسيات الفنية والأوّليات المدرسية، التي لا بأس من تجاوزها بطبيعة الحال، والتمرد على قوانينها، وزحزحة مُسلّماتها بالانفلات، بشرط الوعي بها أوّلًا، وخلق بدائل مُقنعة مُشبعة.

وليس مهمًّا؛ ما إذا كانت أعمال فناني صالون الجنون، المعروضة تحت عنوان "ما يهمنى الآن"، هي التعبير الفعلي عن أفضل نماذج الإبداعات التشكيلية لدى الشباب، أم أنها مجرد اختيارات سيئة مُغْرِضة من إدارة الصالون. ففي الحالتين؛ فإن ما أوصلتنا إليه سياسات المؤسسة الرسمية هو أن هذه الأعمال الركيكة هي التي يجري التهليل لها، والتدليس الزاعق للإقناع بجودتها وامتيازها، في مشهد مضحك يحيل إلى كل ما يجري عمومًا بمعرفة الوزارة، ويفشل، ثم تُكَلّف جوقة المُصَفّقين بالترويج له.

ولم ترق الأعمال الفائزة بجوائز الصالون (التي نالت آلاف الجنيهات من خزانة الدولة المرهَقة) إلى المستوى المأمول، ولا بوستر الدورة الـ31 من إعداد إسلام عبد الله، الأمر الذي علّق عليه نقّاد ومراقبون على الصفحة الرسمية لقصر الفنون بقولهم "فضيحة!". والمدهش، أن المسلك المثير الذي ابتغاه فنّانو الصالون، الباحثون عن الفرقعة وجذب الانتباه قبل حقيقة الفن وجوهره هو مسلك مماثل تمامًا لمسؤولي الثقافة الرسمية بمصر، سواء في ما يتعلق بالصالون، وفي النشاطات الأخرى.

وإذا كان الاستجواب البرلماني الأخير لوزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم داخل مجلس النوّاب قد اشتمل على سؤال تهكمّي جرى توجيهه إليها وهي تتحدث عن منجزات وزارتها المزعومة، هذا السؤال هو: "حضرتك عايشة معانا فعلًا، وفي بلدنا دي؟!"، فإن السؤال ذاته يمكن توجيهه إليها الآن مرة أخرى، وهي تصف أعمال صالون الشباب الـ31 بفخر، مشيرة إلى دور الفنون البصرية المهمّ في بناء الشخصية واستثمار الطاقات بصورة إيجابية، إلى جانب ترسيخ الذات الوطنية، وتوثيق التراث والحفاظ على الهوية من الرياح المتهجمة.

وفي حين مضت أعمال الفنانين الشباب في الاتجاه المعاكس تمامًا، فقد أكدت مسؤولة الثقافة الأولى دور صالون الشباب في بلورة علامة مضيئة في ساحة التشكيل المصري، وإتاحة الفرصة للواعدين في هذا المجال، للتعبير عن أنفسهم، وتقديم إبداعاتهم المتميزة، التي تجسّد أحلامهم وطموحاتهم، وتمثّل حالة التفرد والتنوع الجاد والبنّاء التي تعكس روح الشباب وانتماءهم لهويتهم الوطنية، وتعزز عراقة القيم الفنية، والالتزام بالجماليات الإنسانية الخلاقة بأساليب تحمل من الحداثة والتجدد ما يتوافق مع طبيعة العصر وأنماطه.

وفي السياق الإنشائي ذاته، الذي هو في حقيقة الأمر إهدار لأي سياق عقلاني جمالي منطقي، دافع خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية عن أعمال الصالون، معتبرًا أنها إبداعات رصينة فيها بصمات طليعية، وأنها تعكس الكثير من الرسائل التنويرية المُلْهِمة، التي تثبت ريادة مصر الحضارية، وتؤكد قيمة الفن المصري، وأصالته!

وتكفي إطلالة عابرة على الفائزين في المجالات المتنوعة، للوقوف على مدى نأيهم عن استحقاق هذا الامتداح المجاني الدعائي تمامًا، ومنهم في التصوير (أحمد مجدي، سارة أشرف حجازي)، وفي النحت (ميسون الزربة، شيماء رجب)، وفي الرسم (نورهان عصام، محمد جمال)، وفي الخزف (أحمد الحسيني، راما علاء)، وفي الغرافيك (هاجر أحمد، أحمد إبراهيم)، وفي التجهيز في الفراغ (آلاء سيد، أمير عبد الغني)، وفي الفنون الرقمية من تصوير ضوئي وكمبيوتر غرافيك (ريهام مصطفى، زياد أشرف، عمر طارق)، وفي الميديا من فيديو آرت وفنون تفاعلية (زينب حبيب، أمنية محمد، فاطمة الزهراء سامي)، وغيرهم.

لقد أخطأت غالبية الأعمال مفهوم الصالون وثيمته المنشودة "ما يهمّني الآن"، لتمضي نحو تهويمات ومتاهات ومراوغات ملفقة، وكأن المقصود بالتجديد هو الشطط وإهدار النسب الجمالية وقطع الصلة مع الموروث وتغليب الزيف على الأصالة، ومن ثم انزلقت الآنية إلى الانسداد؛ بدلًا من أن تتحسس أرض الواقع، وتستشف ملامح المستقبل.

إن آليات المغامرة وتقنيات التجريب ومقومات التجديد والمغايرة في بث الصيغ المعاصرة والحداثية في الفنون البصرية والتفاعلية من الممكن أن تتأتى للموهوبين، بشرط الرهافة والحساسية في التعامل مع الجوهر الفني، والخصوصية في الرؤية ذات الشمول والاتساع، مع الوعي المعرفي والجمالي بتاريخ الفنون وتواصل الأجيال.

أما ذلك الهوس بالوافد المجلوب، والانشغال الهستيري فقط بالأطر الخارجية، واللهاث المحموم خلف إغواءات اصطياد الدهشة بواسطة التقاليع الزخرفية والإبهار الأجوف، فهي مهاترات لا تقود في نهاية المطاف إلى بنى فنية ناضجة متحررة، وإنما تقف عند حد الانفلات العبثي من الأطر والقياسات، والفكاك التدميري من أساسيات الحس الإنساني ومعطيات الاستشعار والذوق في أبسط صورها، إلى درجة تقترب من الفظاظة والعشوائية والتنفير.

إن مثل هذا المنحى الاستسهالي، الذي عالجه برعونة صالون الشباب، هو طرح ساذج وقاصر لنظريات اجتذاب الحواس واستلابها عبر زلزلة الصدمة وهدم أفق التوقعات بأي بديل غير مناسب، وهو مقصد مخلّ، بعيد عن رجاحة الفن الخالص واكتماله واتزانه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها