آخر تحديث:12:29(بيروت)
الإثنين 29/03/2021
share

كائنات وسط بيروت "الاستبدادية"

حسن الساحلي | الإثنين 29/03/2021
شارك المقال :
  • كائنات وسط بيروت "الاستبدادية"
    تمثال رافي يدليان في شارع باستور
  • عمل فني لعمر فاخوري
    عمل فني لعمر فاخوري
كائن بثلاثة رؤوس وجسد كأنه خفاش يفتح جناحيه. أجزاء من عظام الكتف نافرة قليلاً، واليدان ظاهرتان بالكامل وتمسك الواحدة بالأخرى بحميمية. جلستُ بالقرب من ذلك الكائن، وسط المساحة الصغيرة في شارع باستور، الموازي للجميزة، منتظراً المساعدة مع آخرين، كان ذلك يوم انفجار 4 آب. لم نكن نعرف ماذا نفعل تحديداً. فالطرق كانت مقطوعة من الجهات الأربع بسبب الدمار، أما الدراجات النارية التي كانت وسيلة النقل الوحيدة، فقد عملت على نقل الجرحى من ذوي الإصابات الخطرة فقط.

تحولت ساحة المنحوتة الصغيرة تلك إلى مكان تلاقي التائهين مثلي، والذين وجدوا أنفسهم فجأة عالقين وسط الكارثة. بدت ملامح الأسى واضحة على وجوه التمثال الثلاثة حينها، لكنها لم تتأثر بفعل الشظايا، رغم مواجهتها المرفأ، وهو ما ينطبق على جميع التماثيل المنصوبة في الشوارع المحيطة بالانفجار، التي لم يصبها أذى أيضاً. حتى تمثال المغترب الذي يبعد أمتاراً قليلة من مكان الانفجار، بقي كما كان. 

كتب أحدهم تحت المنحوتة قبل مدة "يسقط الفن الأوليغارشي". رأيت الجملة في كل مرة كنت أخرج وأعود إلى منزلي، ولطالما استفزتني. بسببها، ازداد تركيزي على المنحوتة، التي أزعجني غياب توقيع واضح يدلّ إلى صانعها أو مقطع يخبرنا الهدف من تشييدها. حتى خلال الوقت الذي أمضيته تحتها، حين كان الدمار يلف كل شيء حولي، شعرت بالإحباط من هذا التجهيل... يريدون لكائناتهم أن تحتل المجال العام، لكنهم يبقونها مجهولة الهوية!

غالباً، لم يكن الثائر المجهول الذي كتب الجملة، يعرف المعنى خلف المنحوتة أو الجهة التي وقفتْ وراءها. لا بد أنه اعتبرها جزءاً من السياق المحيط بها: في منطقة هي من الأغلى عقارياً في لبنان، تابعة لبلدية يسيطر عليها تيار متحالف مع الأوليغارشية. هل يحلم الثائر بتحطيم تماثيل المنطقة كلها عند تسلّمه الحكم؟

منذ أشهر، علمت أن هناك مؤسسة (Temporary Art Platform) تعمل على تطوير موقع في الإنترنت مخصصة لأرشفة الأعمال الفنية التي وضعت في المجال العام خلال العقود الماضية، لكن مع التركيز على الفن المعاصر، وهي نفسها الجهة التي عملت منذ خمس سنوات على خلق دليل قانوني للراغبين في صناعة عمل فني في الفضاء العمومي (بالتعاون مع المحامية نايلة جعجع وبالاعتماد على نماذج لأعمال فنية وضعت سابقاً).

اكتشفت عبر الباحثة الأساسية في المشروع، نور عسيران، أن المنحوتة التي كنت أجلس تحتها في ذلك اليوم الأسود، لم يمض على بنائها سوى أعوام قليلة، وهي "نصب تذكاري" برونزي، صنعت بمناسبة مرور مئة عام على المجازر الأرمنية والمجاعة في لبنان، وترمز إلى الاضطهادات العثمانية التي عانى منها الشَّعبان طويلاً: "يجمع التمثال بين الرجل الأرمني الذي نجا من الإبادة، واللبناني العربي الذي عانى المصير نفسه... وفي الأسفل تبدو الأيادي المتآزرة التي تؤكد مصير الشعبين المتجذرين في الأرض"، وفق بيان الفنان رافي يدليان.

وضعت عسيران التمثال في خانة Site Intervention أي "التدخل ذي الدلالة المرتبطة بمكان"، وهو امتداد لشارع أرمينيا، حيث خليط أرمني لبناني. طبعاً، هو تدخل حداثي يريد البقاء أطول وقت ممكن في المجال العام، بعكس التدخلات التي تهدف إلى التدخل المؤقت، وتزول عادة بعد أسابيع أو شهور في أحسن الأحوال (ركزت المؤسسة على الصنف الثاني من الأعمال الفنية لكن هذا لم يمنعها من أرشفة المشاريع "الحداثية" التي صادفتها، كما فعلت مع التمثال الأرمني وعدد من النصب الموجودة في ساحات بيروت التي تعود غالبيتها إلى خمسينات وستينات القرن الماضي).

توضع المنحوتات والتماثيل الحداثية كي تبقى للأبد، رغم تمثيلها مواضيع ومشاريع هشة وزائلة. لذلك، نجد أن غالبية هذه النصب تُصنع من المعدن، كي تتحمل أكبر قدر من الضغط وعوامل الطبيعة. ينطبق هذا على تماثيل رجال الاستقلال، واضعي أسس بلدنا المتداعي، والتي ما عاد أحد يأبه لوجودها. كما ينطبق على التماثيل الاستبدادية التي أصبحت تجسيداً لمعنى الأبد في سوريا والعراق ومصر... قبل أن تُحطم أو تُمرّغ بالبراز (كما حصل فعلا مع تمثال حافظ الأسد في قرية القطيفة - القلمون خلال ثورة 2011). حتى نصب ساحة الشهداء، الذي بقي صامداً خلال الحرب الاهلية وأعيد وضعه في مكانه بلا اكتراث للتغيرات الهائلة التي حصلت في البلاد، أصبح تقريباً بلا معنى اليوم أيضاً، لولا تلك الثقوب الموزعة في جسده، بفعل الرصاص.

(تجهيز زياد أبي اللمع على شاطئ أنطلياس)

وخلافاً لهذا المنطق "التأبيدي"، يظهر تجهيز زياد أبي اللمع العام 1991، على شاطئ أنطلياس (وقبله "تدخلات" مجموعة "فلوكسيس" في أوروبا)، والذي يعتبر اليوم أحد اول "التدخلات المؤقتة" في لبنان، وكأنه رد فعل على منطق التأبيد الحداثي بأكمله (يرى وليد صادق أن ابي اللمع قام يومها "بإعادة تشغيل عنيفة للفن اللبناني")، إن كان من خلال اختيار موقع هامشي خارج بيروت: شاطئ مهمل يستعمل جزء منه كمكب للنفايات (وجزء آخر مسبح شعبي أو "سان بلاش" وفق التعبير الدارج)، وقام أبي اللمع بتنظيف مساحة منه، وسوّرها بشريط كهربائي، وهو خيار مضاد لمنطق الساحة الرسمية التي تقع عادة في المركز، حيث يرتفع النصب عن الأرض على منصة، وتلفّه مساحة واسعة تكرس انفصاله عن محيطه. 

كما تظهر القطيعة التي كرسها أبي اللمع، من خلال اختيار مواد التجهيز المعدنية التي كان جزء منها مرمياً في النفايات، يأكلها الصدأ (مخلّفات أسلحة)، التقطها ووضعها على الشاطئ في مساحة اختارها بشكل عشوائي، كما عبر الأشياء التي تفصل المواد عن الأرض مثل الغطاء البنفسجي، الطاولة الخشبية، الجريدة، والعلبة الزجاجية التي حملت الصاروخ. أراد أبي اللمع إيصال رسائل مرتبطة بزمن السلم والحرب، لا تتسع هذه العجالة للحديث عنها، لكنها تظهر مثلاً في اختيار الصاروخ الجديد الذي تقابله مخلّفات الأسلحة، كما من خلال وضع المولد الكهربائي الذي كان الناس قد بدأوا التخلي عنه في تلك الفترة، ظناً منهم أن وضع الكهرباء سيختلف بعد انتهاء الحرب. 

في كل حال، ما يهمنا هنا هو أن أبي اللمع من خلال نقده العنيف للفن الحداثي الاستبدادي، كرّس منطقاً جديداً في الفن اللبناني، إذ شجع عمله على إنتاج فنون مرتبطة بالزمن الحاضر والفضاءات المكانية التي تمتلك معنى لدى الناس، يتم تلقيها "ديموقراطياً" وليس عبر إسقاطات سلطوية، كما تشكل تدخلاً في الفضاء العام، وليس موضوعاً محدداً منتصباً. وهو ما سنجده في معارض "أشكال ألوان" بدءاً من العام 1995 والتي نظمت في فضاءات عامة مثل حديقة الصنائع، شارع الحمرا، كورنيش عين المريسة (تحركت أيضاً "أشكال ألوان" في فضاءات الوسط العامة التي ولدت من جديد بعد إلغاء خطوط التماس بين الشرقية والغربية والتي بدأت شرطة "سوليدير" بالهيمنة عليها)، ثم تكرست لاحقاً مع مؤسسات أخرى وفنانين منفردين ينتمون إلى منطق سيصبح منذ ذلك الحين جزءاَ من المشهد الفني اللبناني...(يتبع).


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها