آخر تحديث:13:17(بيروت)
الخميس 25/03/2021
share

نوال السعداوي التي دافعت عن تحرير المرأة.. وتجاهلت المتحررات!

منهل عروب | الخميس 25/03/2021
شارك المقال :
نوال السعداوي التي دافعت عن تحرير المرأة.. وتجاهلت المتحررات! لا ملامة على نوال السعداوي التي توفيت حاملة معها إرثَ وصراعاتِ القرن الماضي
توفيت نوال السعداوي، لتفتح معها ـ وكما كل الشخصيات العامة ـ سجالاً سياسياً وثقافياً، لا يلبث أن ينحرف ويأخذ منحى الخصومة والغلبة والنكاية. ننسى معها القضايا والإشكاليات الجوهرية، وننجرف نحو صراعات إيديولوجية لا تنتهي، محصلتها الأخيرة صفرية!

فبعدما سحقت الأنظمة العربية كافة أشكال المقاومة في أواخر الستينيات والسبعينيات، سمحت، أو لنقُل، شجعت المعارك الجانبية التي لا تمس جوهر المشكلة في العالم العربي ألا وهو "المواطنة وسيادة القانون". فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت النقاشات والسجالات الثقافية تدور حول الحجاب وتأثيره "الأبوي" في المرأة العربية العصرية، بدلاً من التركيز على القانون الذي يعطي المرأة حرية اختيار ارتداء الحجاب من عدمه. وأصبح مجرّد خلع الحجاب بطولة، بدلاً من البطولة الحقيقية المتمثلة في ترسيخ مبدأ الحرية في ارتداء الحجاب وخلعه. كان الفرقاء يتبارون في تسجيل النقاط على الطرف الآخر، وللسخرية فإن الحَكَم كان النظام السياسي نفسه الذي يقمع كل الأطراف.

في مصر الستينيات، سحق عبد الناصر الإسلاميين، ولم تعترض الأطراف الأخرى. في السبعينيات، قام السادات بتشجيع الإسلاميين، وقص أجنحة اليسار، وأيضاً لم يعترض الإسلاميون... في غياب واضح لمفهوم "المواطنة" في ذلك الوقت. وهكذا تعمقت الخصومة بين الأطراف ووصلت إلى طريق مسدود. مارست الأنظمة العربية هذه اللعبة طوال القرن المنصرم، وأدمنتها حتى أنها لم تنتبه إلى التغيرات العميقة التي حملها معه الجيل الجديد. ساعدت الثورة الرقمية جيل الألفية على تجاوز تلك السجالات، فأتاحت له الخروج من ذلك الاستعصاء، وقرّبته من التجربة الأوروبية السياسية والثقافية والقانونية.

ما فعلته الثورات ببساطة أنها أخرجت جيل الشباب من تلك الدائرة، وأعادت موضعة البوصلة على السكة من جديد: كسرت قواعد اللعبة القديمة، ووجهت جهودها وسهامها إلى الجهة الصحيحة: النظام الاستبدادي؛ الذي يعيق أي تطور، أي نقاش حر، وأي خيار ثقافي حرّ. فتحت الثورات ثغرةً في ذلك الانغلاق السياسي والثقافي، بل والقانوني الذي فرضته الأنظمة، ومارسه المثقفون طوال القرن المنصرم، سواء بوعي أو بغير وعي.

لكن يبدو أن بعض المثقفين (ربما بحكم التجربة والسياق) لم يستوعب التطورات، وواظب على ممارسة النشاط ذاته بالطريقة نفسها: تحطيم الخصوم ولو خارج إطار القانون، والقبول بالنظام السياسي القائم حَكَماً، رغم خسارة جميع الأطراف. نوال السعداوي ليست استثناء؛ فهي الطبيبة المتمردة التي صرخت في وجه المجتمع ضد ختان البنات والأفكار الرجعية حول العذرية وغشاء البكارة، من دون أن تهاجم النظام المصري؛ الذي يتحالف مع العائلات والعشائر التي تمارس الختان، ويحافظ على المنظومة التعليمية المتخلفة التي ترسخ مفهوم الذكورية ويمنع أي تطوير لها. لم تكن بالطبع السيدة السعداوي استثناء؛ فقد خاض الإسلاميون الحروب نفسها في الجهة الأخرى. حَكَمَهم المنطق نفسه والطريق ذاته. فلم يعد الحجاب مثلاً خياراً إيمانياً للمرأة، بل أصبح رمزاً لحشر المرأة في خانات ومواقف لم تكن تريدها بالضرورة، والنتيجة أن الجهة المعنية من كل تلك الصراعات هي التي دفعت الثمن!

مع قيام الثورات، لم تستطع السعداوي أن تجاريَ جيلَ الشباب، وتخرج من الصراع الذي طبع جيل المثقفين في القرن المنصرم. احتفظت بثنائية النظام أو الإسلاميين، وتمسّكت بإيمانها الراسخ القائل: يسقط الخصوم ونسقط جميعاً! حيث قادها ذلك العمى الإيديولوجي إلى رؤية هيلاري كلينتون "بأمّ عينها" وهي تعطي المصريين الدولارات في "ساحة التحرير" (أي على الملأ) لانتخاب الإخوان المسلمين! في احتقار واضح للمصريين و"استرخاص" للشعب المصري والشباب المعتصم، قبل خصومها من "الإخوان". ثم مدّت خصومتها لتتحالف مع السيسي الذي قتل الإنسان نفسه الذي تنادي السعداوي بحقوقه! بل وأيّدت "مذبحة رابعة" طالما أن الضحية من خصومها!

لا ملامة على نوال السعداوي التي توفيت حاملة معها إرثَ وصراعاتِ القرن الماضي، وكان الأمل أن تُدفن معها. لكن السجالات الإعلامية التي صاحبت وفاتها، أظهرت غير المأمول. بدأ النقاش حول إرثها الثقافي: بعضهم اعتبره تنويرياً، بينما رأى آخرون أنه تبسيطي لا يدخل إلى عمق المجتمع المصري. تثنّى النقاش حول المشروعية؛ فالسعداوي التي دافعت عن تحرير المرأة، تجاهلت النساء اللواتي تحرّرن! مئات المتظاهرات اللواتي طالبن بالعدالة والمساواة، تم زجهنّ في السجون من دون تُهَم، ولم تطالب الرئيس السيسي بتحرير هؤلاء المعتقلات. النقاش حول مشروعية إرث نوال السعداوي وأقرانها في غاية الأهمية؛ لأنه يكرس القطيعة الضرورية تجاه تلك العقلية وتلك الطريقة من التفكير، ويرسخ ضرورة اتخاذ المثقف مواقف أخلاقية تجاه القضايا الكبرى، وليس التكبّر على المجتمع وإدمان الاستعلاء عليه بتلك الطريقة المهينة التي انتشرت في القرن الماضي، ومارستها السيدة السعداوي ككثير من المثقفين في تلك الفترة من القرن المنصرم. لكن النقاش انحدر إلى حفلات اتهامات وشتائم متبادلة، ضاعت معها القضايا الأساسية، والإشكاليات، والأهم كان انهيار القطيعة المفترضة مع الذهنية القديمة المتمثلة في تشريع تحطيم الخصوم بالطرق كافة، حتى لو كانت غير أخلاقية، وازدراء مفهوم "سيادة القانون" على جميع المواطنين مهما كان اتجاهه.

ربما مع هزيمة الموجة الأولى من الثورات وعودة الانسداد السياسي، عاد مختلف الأفرقاء إلى التمترس، وبدأت تحفر عميقاً بينها وبين الأطراف الأخرى. اختفت صيحات التضامن بين الشباب على اختلاف تياراتهم، وظهرت من جديد عادة "تصنيم الشخصيات". من غير المهم تشريح تجربة المثقف، ووضعها تحت مجهر البحث ضمن سياقها الطبيعي الثقافي والتاريخي، المهم ألا يقترب منها خصومنا؛ لأنهم سيحاربوننا من خلالها وسينالون منا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

منهل عروب

منهل عروب

كاتب ومخرج سوري، مقيم في ألمانيا