آخر تحديث:13:59(بيروت)
الإثنين 22/03/2021
share

نوال السعداوي.. مات جسدك وما زلت تدفعين ثمن عصيانك

عزّة طويل | الإثنين 22/03/2021
شارك المقال :
نوال السعداوي.. مات جسدك وما زلت تدفعين ثمن عصيانك نوال السعداوي
اخترتِ عيد الأم لترحلي يا نوال. أنتِ المرأة التي تصرخ دائماً في وجه الجمود، اخترتِ الموت في يومٍ كُرِّس للمرأة الأم، والذي تتكاثر فيه المعايدات التي تشكر الأم التقليدية فشاركتِ فيه على طريقتك غير التقليدية.

لن أنعاكِ لأن خبر موتك الجسدي لن يغيّبك. وأنتِ أردتِ بكلّ جوارحك البقاء. وستبقين. ستبقى كتبك التي كان لي شرف نشر بعضها، لكن الأهمّ أنك ستبقين عبر أمي، وعبري، وعبر طفليّ، وعلى الأغلب أن طفليّ أيضاً سيسلّمان ذكراكِ إلى أولادهما، إذا ما قرّرا الإنجاب يوماً. 
ألهذا اخترتِ يوم عيد الأم لترحلي جسداً؟

كانت أمّي أول من أخبرني عنك. كنتُ في سن المراهقة، ومتمرّدة كما يجدر بالمراهقات أن يكنّ. أحببتك لأن أسئلتك كانت تصيب فتهزّ، ولأنك كنت طلِقةً في طرحها، كمن لا يهاب أي رقيب. كنت تهزّين ميزان العدل دوماً، وكنتُ، مثلكِ، أرفض الامتثال للآخر، بغض النظر عن جنسه أو عمره أو مركزه، إن لم يكن كلامه مقنعاً. ومثلك، دفعت أثماناً، في الحب والعمل والعلاقات التي تفترض تراتبيةً يحكمها الجنس وليس المؤهل. لكن شتّان بيني وبينك لهذه الناحية، فقد مات جسدك وما زلت تدفعين ثمن عصيانك، كما أن أزماننا مختلفة وأمثالك مهّدن الطريق، فتعلّمنا نحن من تجاربهن. 

يتّهمونك بالبشاعة بدلاً من الشجاعة وأنت جميلة. جميلةٌ للغاية. من منّا ستبلغ التاسعة والثمانين وهي ببهائك؟ من منّا ستظلّ تتحرّك وتسافر وتشارك في المؤتمرات حتى اللحظة الأخيرة، بشعرها الأبيض ووجهها العاري من المساحيق؟ من منّا ستفتخر هكذا بصورتها وهي في العقد التاسع من عمرها، وابتسامتها تملأ ثغرها؟ كم من امرأة تحبّ صورتها، هكذا، من اللقطة الأولى؟

تكفي متابعة ما يقولونه عنك لمعرفة حجمك ومدى تأثيرك. وأنت لطالما فهمت اللعبة وضحكتِ. توقّفتِ عن الغضب قبل سنواتٍ طويلة، من أجلكِ فقط توقّفتِ، لكن ثمة رجالاً ونساء، كثيرين وكثيرات، يشهرون غضب المرأة سيفاً في وجهها. فالمرأة لا تغضب، وإن غضِبَت، فهي لا تصرخ، وإلا تخسر أنوثتها. هكذا يقولون. وأنتِ كنت تصرخين، كل ما فيك يصرخ، من دون أن تغضبي، وهذا سرّكِ الذي حيّر الجميع. غضبُ المرأة، إن لم يوجّه لصالحها، يؤذيها، وأنت كنتِ تريدين نُصرة المرأة بحقّ، فكان من الطبيعي أن تنصري نفسك أوّلاً.

يتّهمونك بمحاربة الإسلام وها هم اليوم يدعون اللّه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليحرقك، ويتنمّرون على من يدعو لك بالرحمة. والأفظع أنهم لا ينتبهون، فاللّه يعلم كلّ شيء ويحتسب كلّ رذيلةٍ، ما عدا تلك التعليقات المملوءة حقداً، يعتقدون.

رافقتني أسئلتك وأنا أكبر. كنتُ أرتاح كلّما قرأتكِ، لأنك كنتِ تؤكّدين ملاحظاتي والتناقضات التي كنتُ أراها، أنا الآتية من منزلٍ يساريّ منفتح ومن بيروت الحرية ومن مدارس الفرانكوفون. أسئلتكِ حول الجنس والأنوثة والذكورة، بقيت حيّةً في زمني، وستظلّ حيّةً ما دام الأطفال يولدون في هذا العالم، وما داموا يولدون ذكوراً وإناثاً.

لذا، حين تسلّمت إدارة النشر في شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، تقصّدتُ أن تكوني أوّل كاتبةٍ عربيةٍ أسعى إلى ضمّها إلى عائلة الدار. أردت أن تكونَ لي شخصياً يدٌ في نشر أصوات النساء الثائرات، غير العاديات، السبّاقات، وصوتك أوّلهن. وهكذا، قصدُتكِ ممتلئةً إصراراً، ووافقتِ.

تعرّفت إليك في مقهى السيتي كافيه. كنتِ طبيعيةً إلى أقصى الحدود وصاحبةَ حضورٍ ممتلئ لا يهوى "الشدّ". وصارت لقاءاتنا تتكرّر حتى صرتُ وكيلةً أدبيةً شخصية لجميع أعمالكِ لبضعة أشهر، أنهينا بعدها هذا الارتباط بحبّ بالغٍ وحافظنا على ارتباط النشر. تبيّن لي أنّه يُفترض بمن يمثّلك أن يتفرّغ كليّاً كي يعطيك حقّك، أنت التي كنت تتذمّرين من جميع الوكلاء والدور وتعتبرين أن حقّك مسلوب. خلال تلك الأشهر، كانت طلبات الاستناد إلى نصوصك تتوالى، لإخراج أفلامٍ، ونشر ترجمات، ومقتطفات، ودراسات، وكنّا نبتُّ كلّ طلبٍ بسلاسةٍ لأنك كنتِ تعرفين ماذا تريدين، وطالبتِ بحقوقك الأدبية تماماً كما طالبتِ بحقوقك كامرأة: بجسارة ومن دون تردّد. أصدرنا معاً أربعةَ كتبٍ أفتخر بها هي: "نوال السعداوي وعايدة الجوهري: حوارٌ حول الأنوثة والذكورة والدين والإبداع"، و"نوال السعداوي والثورات العربية"، و"ذكريات بين الثورة والإبداع"، ورواية "إنه الدم".

أعدك اليوم أنني لن أنساكِ وسأظلّ أحاول الإجابة عن أسئلتك، على طريقتي. لن أتمكّن من نسيانك حتى آخر ذرّة وعيٍ فيّ، لأنّك جزء من طفولتي والطفولة هي آخر ما يُنسى. اليوم أخبرت ابنتي عنكِ.
قلت لها: ماتت نوال السعداوي يا ماما. 
- من هي نوال السعداوي؟
- هي من أول من طالب للنساء العربيات بحرية أجسادهنّ. 
- ماما، إلى أين يذهب المرء حين يموت؟
- ثمة أشخاصٌ، مثل نوال، يتحوّلون حين تموت أجسادهم. يتنقّلون بين صفحات كتبهم، يلبسون أجساد من يقرأ أعمالهم، ويبقون أحياء. 
- ألهذا تكتبين يا ماما؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عزّة طويل

عزّة طويل

كاتبة وناشرة لبنانية