آخر تحديث:12:31(بيروت)
السبت 20/03/2021
share

"كل الأيام" والفن المُرقمَن: 69 مليون دولار لفيتشية الامتلاك

شادي لويس | السبت 20/03/2021
شارك المقال :
"كل الأيام" والفن المُرقمَن: 69 مليون دولار لفيتشية الامتلاك "كل الأيام" مجرد ملف صور رقمية
في 11 آذار الجاري، أعلنت صالة مزادات كريستيز للأعمال الفنية، واحدة من أكبر صفقاتها على الإطلاق، وأكثرها فرادة، ما دفع البعض للادعاء بأنها لحظة فارقة في تاريخ الفن المعاصر، وهي كذلك بالفعل. إلا أن استثنائية الصفقة لا تتعلق فقط بسعر البيع، الذي تجاوز 69 مليون دولار أميركي، وهو ثالث أعلى سعر لعمل فني يباع في المزاد على الإطلاق. فـ"كل الأيام" هي أول قطعة فنية رقمية بالكامل بـ"صك غير قابل للاستبدال"(NFT)، تُباع في إحد قاعات المزاد الرئيسة. ولا شك في أن الكولاج المكون من عدد كبير من الصور الرقمية المضغوطة، والتي جمعها الفنان الأميركي بيبيل، على مدى 5000 يوم، يستدعي الكثير من الانتباه. فليس من الصعب أن نرى في أكثر من 13 عاماً أُنفقت في عمل واحد، قدراً مذهلاً من الالتزام الفني والتكريس المخلص والهوسي، لا سيما، أو بالأحرى وخاصة، أن غرضه هو إنتاج قطعة يصعب وصفها بالملحمية، بل مجرد ملف إلكتروني من نوعية JPEG، والذي نستخدمه بشكل يومي لحفظ وتبادل وضغط الصور، في حواسيبنا.

ولعل تلك المفارقة، التي تذكرنا بهشاشة ما ينتجه روتين الكد اليومي في عالم يُرقمَن بمعدلات فائقة، تشتمل على سخريتها أو ربما نبوءتها الذاتية، فنتاج حياة بكاملها بل وملايين الحيوات يمكن اختزالها في ملف واحد، لا يشغل حيزاً يذكر في ذاكرة هاتف جوال، على مساحة تكاد لا ترى بالعين المجردة. ويغوينا ذلك بالسؤال، هل يبخس هذا الزمن والحياة البشريَين؟ أم يضفي على الرقمي وملفاته جلال الإنساني؟

منذ عقدين، ومع ظهور حقل للفنون الرقمية يتوسع باستمرار، واجهت التنظيرات الجمالية القائمة، العديد من التحديات على كل مستوى. فالتغيير الهائل في المادة الخام للعمل، لم يقتصر على تبدّل في الهيئة أو النوع، بل في طبيعتها. فالمادة هنا تتصف تحديداً بلا ماديتها، ومعها لا تعود مقارنات السطح والعمق والداخل والخارج، ذات صلة، إلا أن هذه ليست بالمعضلة الجديدة، ففنون الفيديو والتجهيز والفن الأدائي تشترك في الخصائص نفسها أو ما يشبهها. لكن الأهم هو أن قابلية الفن الرقمي للنسخ إلى ما لانهاية، وفي تطابق كامل، ولحظية ذلك كله، جرّد فكرة الأصالة الفنية وزمانياتها مما تبقى لها من معنى، وهو قليل بأي حال. وفعل الأمر نفسه مع مفاهيم مثل "الهالة" ذات البُعد الصوفي، وحتى "الندرة" في حال لو نظرنا إلى الفن كسلعة رأسمالية. فبالنسبة إلى فالتر بنيامين، على سبيل المثال، الذي رأى في الصورة الفوتوغرافية ونسخها، تهديداً لفكرة الفن، ومعه فلاسفة مدرسة فرانكفورت المنزعجين من الإنتاج الجماهيري الكثيف للثقافة. الفن الرقمي بشبكاته الممتدة، هو الكابوس بعينه يتحول إلى واقع.

في الواقع، أحجم الرقميون عن تحطيم تلك القيم الفنية الكلاسيكية، وبدلاً من ذلك، أعادوا إنتاجها في نسق مغاير. فـ"الصك غير القابل للاستبدال" (NFT)، المعتمد على تقنية سلاسل الكتل المستخدمة أيضاً في العملات الرقمية مثل "بتكوين"، يمكن استخدامه كوثيقة ملكية للعمل الفني الرقمي، وبيعها وتداولها ونقل ملكيتها على الشبكة. ولطالما زعم المتحمسون لسلاسل الكتل، أنها أكثر من مجرد تقنية متقدّمة تضمن عمليات البيع والشراء والملكية والتبادل. فلا مركزية تلك العمليات، وخاصية المجهولية فيها، وغياب الوسيط، بالإضافة إلى تنفيذ بنود عقودها الذكية بشكل آلي، يبشر بتغير راديكالي في بنية العلاقات في العالم اليومي. يترتب على ذلك ضمان ملكية العمل الفني، بحمايته من السرقة والتزوير والتقليد والنسخ، والتحرر من سلطة المؤسسة الفنية والوسطاء والمقيّمين والخبراء والسماسرة، وكذا ضمان فرادة القطعة الفنية جمالياً وتأكيد ندرتها كسلعة. فهناك نسخة واحدة منها فقط، وبشكل مطلق.

ما يثير الانتباه في الاحتفاء بصفقة "كل الأيام"، وصكّها غير القابل للاستبدال، هو أن عملية البيع تمّت عبر وسيط، أي صالة كريستيز، واحدة من أكبر صالات المزادات إن لم تكن أكبرها. وهنا يظهر إخفاق دعاوى اللامركزية، حيث غدت سلاسل الكتل مجرد تقنية أخرى توظفها المؤسسة لتدوير عملياتها، وبالقواعد كما هي، أو بتعديلات طفيفة في أفضل حال. مع هذا، لا يمكننا إنكار أن "الصك غير القابل للاستبدال"، يقدّم إمكانات استثنائية. فتكفي الإشارة إلى أن الفنان يحصل من خلاله، وبشكل آليّ، على نسبة من كل عملية إعادة بيع أو نقل ملكية لعمله تحدث في المستقبل، وهو ما لم يكن متوافراً أبداً في سوق الفن.

لكن يبقى السؤال، ما الذي يباع حقاً ويعاد بيعه بواسطة سلاسل الكتل وصكوكها؟ "كل الأيام" مجرد ملف صورة رقمية، توجد بالفعل ملايين النسخ منه في الإنترنت، ويمكن لأي منا القيام بحفظه أو نسخة مرات أخرى أو مسحه. لا يوجد في الواقع أي أصل هنا، فالنسخ كلها متطابقة تماماً، وقادرة على توليد غيرها. ما يُشترى أو يباع بواسطة الصك، هو الملكية نفسها، دفع الشاري حوالى 70 مليون دولار، ليشتري ملكية الملكية، لا أكثر ولا أقل. إذن فالملكية في تحررها من موضوع الامتلاك، لا تحيل إلي أي شيء خارجها، بل تعود إلى نفسها كغاية نهائية وكقيمة في ذاتها. يكون هذا ممكناً فقط داخل بنية مالية وقيمية بعينها، واتفاق مشترك بين لاعبيها الرئيسيين على المضاربة على الملكية، بوصفها الاستحقاق المطلق. هكذا يغدو العمل الفني مجرد أثر جانبي غير مقصود وعرضي لفيتش الامتلاك، كما كان منذ وقت طويل، لكن يصبح كل هذا الآن أكثر وضوحاً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها