آخر تحديث:12:52(بيروت)
الإثنين 08/02/2021
share

ترشيح حجازي لنوبل.. وَهْمُ الفوز ودعابة ردّ الجميل

شريف الشافعي | الإثنين 08/02/2021
شارك المقال :
ترشيح حجازي لنوبل.. وَهْمُ الفوز ودعابة ردّ الجميل سبق لأحمد حجازي أن منح نفسه جائزة كبرة في عهد وزارة فاروق حسني!
في واقع ثقافي وأدبي ضحل ومشبوه، تُدار فيه الأمور بالعلاقات المتشابكة والمصالح المتبادلة، لم يعد بمستغرب تعميم عبارات وأحكام عاطفية واعتمادها كحيثيات لفوز كاتب بجائزة أو منصب أو منحة أو حظوة من عطايا المؤسسة الرسمية وشركائها، المحجوزة مسبقًا لأهل الولاء والتبعية لا لأصحاب الكفاءة. فلم تعد التربيطات الشخصية تدار في الخفاء، بل صار إعلانها أمرًا مقصودًا في بعض الأحوال، ربما لزيادة النكاية في المثقفين المستقلين، وللتأكيد أن المزايا، المادية والمعنوية، لن تتخطى "حظيرة التدجين" وساكنيها من المُرَوَّضين الناعمين.

من تلك الوقائع الفضائحية في مصر، وما أكثرها، ما يدور في كواليس جوائز الدولة التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة، وما يحدث في جلسات التصويت أمام أعين الحاضرين والمراقبين، كأن يقول أحد المُصَوّتين للآخر صراحة "اخترتُكَ في العام الماضي، فلا تنسني اليوم!". وكذلك ما يدور في الغرف السرية لمنح التفرغ، التي تحوّلت إلى رواتب شهرية للعاطلين والكسالى، الذين لا يمتلكون سوى صلاتٍ بمسؤولي المجلس ذاته وموظّفيه، وربما يجري توزيع الغنيمة على الفائزين والمانحين معًا بنسبٍ محددة، وفق أعراف مُجَرَّمة باتت لها قوة الاتفاقات المشروعة والقوانين النافذة.

ثمة ما يفوق ذلك إدهاشًا، وهو أن يَمنح مسؤولٌ جائزة كبرى لنفسه، وقد فعلها أحمد عبد المعطي حجازي في عهد وزارة فاروق حسني، عندما وهب نفسه جائزة ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي (مئة ألف جنيه)، وكان وقتها رئيس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وأمين عام المؤتمر، ومنظّمه، وقوبل الحدث بانتقادات عربية مكثفة، لكنه مرّ محليًّا مرور الكرام، في سياق عجائبي بات يسمح بأي شيء.

من المُدهشات كذلك، أو الوقائع التي يُفترض أن تكون مثيرة للدهشة والاستغراب، ما جرى منذ أسابيع قليلة من تغليب للغة السياسة على أعمال مجمع اللغة العربية بمصر المعروف بـ"مجمع الخالدين"، حيث تمّت إزاحة حسن الشافعي رئيس المجمع المنتخب، وتعيين غريمه صلاح فضل قائمًا بأعمال رئيس المجمع، رغم خسارة فضل الانتخابات بحصوله على تسعة أصوات فقط، في مقابل سبعة عشر صوتًا للشافعي الفائز بالأغلبية المطلقة، وهو الأمر الذي أثار جدلًا ثقافيًّا وقانونيًّا وأخلاقيًّا، واعتبره الرافضون قفزًا بالباراشوت على مقعد رئاسة المجمع، واغتيالًا للديمقراطية بتصعيد راسب محل فائز، وذلك بغض النظر عن حقيقة أن قانون المجمع يحتوي بالفعل مادة تبيح ما حدث من تدخّل في نتيجة الانتخابات من جانب وزارة التعليم العالي، صاحبة الرأي النهائي في الاعتماد.

أما أقوى هذه "الطرائف القذائف" في المشهد الأدبي بمصر، فهي التي حدثت منذ أيام قليلة، وبطلاها هما حجازي وفضل أيضًا، وقد اجتمعا معًا في هذه المرة في الأضحوكة الجديدة، التي يمكن تسميتها بإيجازٍ "طرفة ردّ الجميل"!

بالصيغة الشخصانية الفجة ذاتها، التي صارت علامة مسجّلة في المَشَاهِد الهزلية والوقائع المحلية الضيّقة بما فيها من مجاملات ساذجة ومكاسب صغيرة، أعلن صلاح فضل الرئيس "المعيّن" لمجمع اللغة العربية أنه "بهدف ردّ الجميل والدَّين لشاعر كبير لم يحصل على حقه، قرر المجمع اللغوي ترشيح الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي لجائزة نوبل للآداب"!

وتضمنت تفاصيل إعلان فضل، الذي جرى بثه بشكل موسع عبر الصحافة وقنوات الميديا، أن المجمع اللغوي بهذا الترشيح يستعيد دورًا لم يكن يلعبه منذ سنوات، هو ترشيح شخصيات مصرية للفوز بجائزة نوبل وفق طلبٍ منه بأن يقوم بهذا الترشيح، ما يعزز أهمية المجمع في حفظ اللغة العربية والثقافة، كأعرق مؤسسة علمية معنية بالثقافة العربية في مصر. أما حجازي، الذي ينبغي ردّ الجميل له، فهو الشخصية الثقافية الجديرة بترشيح المجمع، لما له من ثقل كبير وتاريخ طويل ودور ريادي في حركة الشعر والفكر والثقافة العربية، والاضطلاع بالتجديد الشعري مع رفيقه الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور، ويشكل حجازي "أكبر قامة شعرية ليس في مصر وحدها بل في الوطن العربي أجمع"، بحد تعبيره.

وبرر فضل اختيار شاعر للترشيح، وليس روائيًّا مثل بهاء طاهر أو صنع الله إبراهيم أو غيرهما من الروائيين المرموقين الذين قد تكون لهم فرصة أكبر لتميز أعمالهم ومعرفة العالم الغربي بهم، بمقولة لا تخلو هي الأخرى من طرافة: "من الأنسب ترشيح شاعر هذه المرة، فقد فزنا بنوبل في مجال الرواية على يد نجيب محفوظ"!

ويمضي التفصيل إلى مزيد من الإبهار، بتوضيح فضل أن رأي المجمع القاهري استشاري وليس ملزمًا لإدارة جائزة نوبل، بمعنى أن حظوظ حجازي "الشاعر الذي لم ينل حقه" في الفوز بجائزة نوبل لن تكون فورية بعد ترشيح المجمع له، فأمور أخرى تحكم الفوز، منها مدى ترجمة دواوينه إلى اللغات الأجنبية! ودخل حجازي بدوره على الخط في هذه الملحمة الطفولية، معلقًا بأنه يتمنى أن يكون أهلًا لهذا الترشيح، الذي يعتبره جائزة نوبل في حد ذاته!

أكثر من زاوية يمكن النظر من خلالها إلى واقعة ترشيح حجازي لنوبل على هذا النحو، ويمكن الاكتفاء بثلاث زوايا، باعتبارها الأبرز لقراءة الصورة بأبعادها المتنوعة. الزاوية الأولى إجرائية، فعلى الرغم مما هو معروف ومتداول عن ضرورة التزام جهات الترشيح بسرية الأسماء المُرْسَلة لكي تقبلها أكاديمية نوبل، فإن صلاح فضل نفى ذلك، وصرّح بأن إعلان اسم حجازي لا يفقده صلاحية الترشح للفوز، معتبرًا أن السرية تقتصر على أروقة أكاديمية نوبل ذاتها وحيثيات التتويج، لا على جهات الترشيح والأسماء التي ترسلها للأكاديمية.

والحقيقة أن هذه الزاوية الإجرائية ليست الأهم في مسألة فوز حجازي من عدمه، فالأهم بالتأكيد هما الزاويتان الأخريان المتعلقتان بالواقعة، وهما فنيّتان خالصتان، الأولى تخص جهة الترشيح وقيمتها وثقلها ورصيدها، والأخرى تخض المرشح، ووزنه الأدبي، وحصيلة إنتاجه الشعري، وموقفه من قضايا التجديد الإبداعي والجمالي.

ليس معنى أن أكاديمية نوبل تقبل خطابات الترشيح من مئات المؤسسات حول العالم أن هذه الجهات على القدر نفسه من الفاعلية والثقل والمصداقية، ومنذ سنوات طويلة ومجمع اللغة العربية في القاهرة غائب عن لعب أدوار ثقافية وأدبية، وحتى لغوية، بارزة على الصعيدين المحلي والعربي، إلى جانب تكريسه للتقليدي الماضوي الراسخ ومجافاته للتجديد، وانعزاله عن قضايا الكتابة والأدب واللغة والتنوير ذات الطابع الحيوي والاجتماعي، وتشرنقه حول ذاته، وأخيرًا ما تم من إزاحة رئيسه بأسلوب مريب، وتعيين رئيس بديل، وهي كلها أمور مُسيئة من الصعب عدم أخذها في الاعتبار حال النظر إلى الاسم الذي يرشحه المجمع المتجمّد إكلينيكيًّا.

أما المرشّح، أحمد عبد المعطي حجازي، فهناك شبه إجماع شعري ونقدي، مصري وعربي، خصوصًا لدى الأجيال الأحدث، منذ الربع الأخير في القرن الماضي حتى يومنا هذا، على أن دوره التاريخي كأحد روّاد قصيدة التفعيلة الموسيقية بعد مرحلة الشعر الخليلي العمودي يتجاوز بكثير دوره الفني كمبدع مجدد على مستوى المضمون التعبيري والرؤية الشعرية. فلم يطور تجربته بعد أعماله الأولى التي لفتت الانتباه في وقتها، وعلى رأسها ديواناه "مدينة بلا قلب" و"أوراس" في أواخر الخمسينات. ومع ظهور جيل السبعينات بأفكاره المتجاوزة ومنظوره الجديد حول الانهيارات والتشكك والتشظي وتفتت الأنا وثورة التساؤلات وما إلى ذلك، انتفى حجازي وشعراء القومية العربية والقضايا الجمعية والمقولات الشعارية الزاعقة خارج الزمن، وصاروا عنوانًا للكلاسيكية.

كذلك، فإن موقف حجازي المتحجر أو "السلفي" من حركات التجديد الشعري الذي تلته، وعلى رأسها موجات "قصيدة النثر" المتحققة الكاسحة التي حاربها ووصفها بأنها "قصيدة ناقصة" و"قصيدة خرساء"، يقف حجر عثرة بالتأكيد أمام فكرة ترشيحه لأية جائزة تُمنح للطليعيين وأنصار الابتكار والتحديث، فما بالنا بجائزة نوبل، التي لا تنظر فقط إلى بدايات الأديب، وإنما تقيّم المشروع الكامل له، كما في حالة نجيب محفوظ مثلًا، المجدد في كل مراحله الإبداعية (التاريخية، الواقعية، الفلسفية، الخ).

أما ضعف حضور نصوص حجازي الشعرية في اللغات الأجنبية، الذي أشار إليه صلاح فضل، فهو عامل إضافي ينتقص من فرصته، شأنه شأن فرصة أي أديب لم يُترجَم على نحو واسع في دور نشر عالمية كبرى، لكن هذا العامل في حالة حجازي ليس بأهمية تهافت وضعيته الإبداعية في بلده وفي وطنه العربي وفي لغته الأم، وفق الميزان المُنصِف الذي أعلن حكمه إزاءه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها