آخر تحديث:13:03(بيروت)
الخميس 04/02/2021
share

لقمان سليم... وقد انضم إلى ديوان الذاكرة

محمد حجيري | الخميس 04/02/2021
شارك المقال :
لقمان سليم... وقد انضم إلى ديوان الذاكرة كان معارضاً لسياسة "حزب الله".. ولطالما أصرّ على عقد نشاطات مركزه الثقافي في الضاحية
من علامات الناشط السياسي والكاتب الراحل لقمان سليم، نجل السياسي والنائب الراحل محسن سليم، أنه دأب في سنوات ما بعد الحرب اللبنانية، من بعد تأسيسه "دار الجديد"، على اهتمامه الزائد بتوثيق المحفوظات، من كتب نافدة لها علاقة بالأحزاب والجماعات الأهلية، إلى وثائق قديمة ومجلات وأفلام وصحف متنوعة، معروفة ومغمورة أو حتى صادرة في المهجر، جمعها على مدى عقود، وفهرسها بطريقة علمية وحديثة. وفي السياق نفسه، وثق ملف المخطوفين اللبنانيين في الحرب الأهلية، بالصور والأسماء، وأقام أكثر من نشاط وتحرك بهذا الشأن.

وتحول مسار المحفوظات والوثائق نوعاً من شغف ومهنة ومهمّة، فأنشأ لقمان لهذا الغرض مركز "أمم للتوثيق والأبحاث" الذي يؤمن بحسب تعريفه بـ"أن التعامل مع أعمال العنف في تاريخ لبنان، والمتجسدة في الحرب الأهلية منذ العام 1975 وحتى العام 1990، هو أمر أساسي للقضاء على شبح تجدد الصراع الذي لا يزال يتردد على البلاد حتى اليوم. ومن أجل هذا الغرض، خصص المركز جزءاً كبيراً من الموارد لتسجيل التاريخ اللبناني – تجميع تشكيلة متنوعة من الوثائق التاريخية والأعمال الفنية، والحفاظ عليها، والترويج لها بين الجماهير". ويضيف التعريف: "وبفضل صمود مركز أمم، بدأ اللبنانيون في الاستجابة لدعوات مراجعة أرشيفهم، والاشتراك في الأعمال المستمرة للتصالح مع ماضي البلاد المضطرب أملاً في الفوز بحاضر ومستقبل أكثر عدلاً".

وغالباً ما كان لقمان يصف مشاريعه بـ"قيد الإنشاء"، باعتبار انها تحتاج الكثير من الجهد والنشاط والاهتمام، فاشترى أرشيف استديو بعلبك، وأنقذ أرشيف فندق الكارلتون الذي دُمّر وشيدت مكانه أبراج سكينة، إلى جانب مكتبات من هنا وهناك. وأثمرت فكرة المحفوظات والأرشيف عن سلسلة من النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية، بدءاً من إصدرات كتب توثيقية عن السجون السورية وبعض الجرائم اللبنانية، وإقامة ندوات معارض متنوعة (تجهيز، تصوير، فيديو آرت)، إلى عروض أفلام ورقص في "هنغار أمم" في منطقة الغبيري بالضاحية الجنبوية لبيروت... وكثيراً ما كان المكان نقطة تحدٍ، فلقمان كان بمقدروه أن يقدم نشاطاته الثقافية في أي مكان في بيروت، لكنه آثر أن تبقى في عمق الضاحية الجنوبية. مع أنه، بسبب مواقفه السياسية الناقدة لـ"حزب الله"، كان يتعرض لمضايقات لحملات تشهير معلنة في إحدى الصحف تحت عناوين "تحسسوا رقابكم". والمضايقات الأبرز كانت بعد ثورة 17 تشرين اذ كتبت على جدران منزله عبارات "المجد لكاتم الصوت"، ويومها كتب لقمان: "... واستدراكًا على أي محاولة تعرض لفظية أو يدوية لاحقة لي... أضع نفسي، ومنزلي، ودارة العائلة وقاطنيها، في حماية القوى الأمنية وعلى رأسها الجيش اللبناني. اللهم قد بلغت...".

وتفرع عن "أمم للتوثيق" موقع "ديوان الذاكرة اللبنانية" وهو "قاعدة بيانات مدارها على حرب (حروب) لبنان ــ لا سيما «الأهلية» منها ــ في تاريخها، وفي ما تنعقد عليه من ذكريات، وفي ما يتأسس عليها من ذاكرات، واستطراداً في شهودها بيننا، وفي ما لهذا الشهود من وطأة وتأثير على حياة اللبنانيين، العامة والخاصة". ويتضمن الموقع زوايا وأبواباً تفند الحرب، منها "قتلى ولا جثث"، "دولة الجيش والأجهزة"، "ولم يعودوا"، و"الحرب بالتقسيط"، وفيه توثيق لأيام الحرب وأيام القتل العادي، وصناعة التماثيل والأنصاب. ومَن يتأمل بيانات الموقع، يحسب أن لقمان كان يكتب عن نفسه، أو أنه، بمعنى ما، انضم الى موقعه الذي أراده أن يكون بوابة لقراءة زمن الحرب صفحة صفحة، وليس طيها، والغاية أخذ الدروس والعبر من يوميات العنف. ففي زاوية "من قتل من؟/ فهرس الاغتيالات السياسية في لبنان"، يكتب لقمان: "باطْمِئنانٍ يُمْكِنُ الجَزْمُ بأنَّ الاغْتيالَ (السِّياسيَّ) لَصيقٌ بِتاريخِ لُبنان. وإذ يُمَثِّلُ «إعْدامُ » أنطون سَعادَة المَحْمولُ بَيْنَ مُريديهِ على مَحْمَلِ «الاغْتِيالِ»، و«اغْتِيالُ» رِياض الصُّلح المَحْمولُ بَيْنَ مُرْتَكبيهِ على مَحْمَلِ «الإعْدامِ» الحَدَّيْنِ الأقْصَيَيْنِ لِتَأْويلِ فِعْلٍ واحِدٍ هو فِعْلُ «القَتْلِ» لِغَرَضٍ سِياسِيٍّ، فَبَيْنَهُما، قَبْلَ «الحَرْبِ» وَخِلالَها إلى يَوْمِنا، ما يُشْبِهُ قَوْسَ قُزَحٍ مِنَ الدَّمِ، (اللُّبنانيِّ وَغَيْرِ اللُّبنانيِّ)، المَسيلِ اغْتيالًا. لا يَتَساوى أصْحابُ هذا الدَّمِ في الذِّكْرِ، ولكِنَّ المُؤَكَّدَ أنْ لَيْسَ مِنْهُم مَنْ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ «الإعْرابِ» في هذِهِ الجُمْلَةِ أوْ تِلْكَ مِنْ جُمَلِ «السِّلْمِ» و«الحَرْب".

ويضع لقمان لائحة بالاغتيالات التي حصلت في لبنان منذ العام 1975 يوم اغتيل معروف سعد في صيدا، إلى اغتيال جو بجاني قبل أسابيع في منطقة الكحالة.. واليوم، اغتيال لقمان، مشهد يمكن وصفه بـ"قصة قتل معلن".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها