آخر تحديث:08:06(بيروت)
الأحد 21/02/2021
share

هل خسر القضاء معركةً... أم خسر الحرب؟

أسعد قطّان | الأحد 21/02/2021
شارك المقال :
هل خسر القضاء معركةً... أم خسر الحرب؟ ضحايا انفجار المرفأ (Getty)
 
«واحد هو السنونو والربيع غال
لكي تعود الشمس، لا بدّ من عمل كثير
لا بدّ من آلاف الموتى على إطارات التعذيب
لا بدّ للأحياء من أن يبذلوا دماءهم»
(أوذيسياس إليتيس)
قرار محكمة التمييز الجنائيّة بكفّ يد القاضي فادي صوّان عن التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب يحيلنا إلى حقيقة ثابتة: خسارة القضاء اللبنانيّ معركته الأخيرة، وربّما معركته الأهمّ، في مواجهته مع المافيا التي تحكم البلد. لا شيء مفاجئاً في هذا. فالمعروف أنّ الطغمة الفاسدة تسعى منذ انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل بكلّ ما أوتيت من قوّة إلى الدفاع عن ذاتها. ومن السذاجة بمكان الاعتبار أنّها ستتراجع وتترك للقضاء الحرّيّة في أن يقوم بعمله بلا ضغوط. والمعروف أيضاً أنّ هذه الزمرة بذلت في العقود الماضية أقصى ما في وسعها لتدجين القضاة وجعلهم يأتمرون بإمرة رهط من قطّاع الطرق الذين يتحكّمون في مصائر الناس. أمّا السيناريوهات التي أبصرناها بأمّ العين في الأيّام الماضية، فتؤكّد المؤكّد: تتكوّم المنظومة الحاكمة على ذاتها وتتجاوز خلافاتها حين تتهدّد مصالحها. ليس من مصلحة السيّد حسن نصر الله أن تخرج حقيقة جريمة المرفأ إلى النور، لا بسبب تورّط حزب الله فيها، إذا صحّ، بل لكون هذا الخروج سيخلخل «التوازن» السياسيّ الذي عمل الحزب طوال سنوات على ترسيخ دعائمه. والملاحظة ذاتها تنطبق على ميشال عون وجبران باسيل ونبيه برّي وسعد الحريريّ، وربّما على وليد جنبلاط وسمير جعجع، الذي لم ينسحب نوّاب حزبه من الندوة البرلمانيّة بعد الانفجار رغم أنّه أصاب قاعدتهم الشعبيّة في الصميم، بل لجأوا إلى حجج واهية تنفرط مثل أوراق الكوتشينا. والحكيم ما زال «متهّماً» بمسايرة الرئيس برّي وملاينته طمعاً في رئاسة الجمهوريّة... إلى أن يثبت العكس.


لا شكّ في أنّ المطالبة بتحقيق دوليّ حقّ لذوي الضحايا ولكلّ من اتّخذ صفة الادّعاء، إذ لا شيء يعلو على ضرورة استجلاء الحقيقة. ولكنّ الأكيد أيضاً أنّ العمليّة الإصلاحيّة يجب أن تنطلق من لبنان وأن تُكتب فصولها في لبنان. ربّما ثمّة حاجة إلى دعم دوليّ لتحقيق ذلك بسبب ما ينخر مؤسّسات الدولة من فساد وما يغلّفها من صدأ. ولكنّ هذا لا يعفي القضاة اللبنانيّين من مسؤوليّة خوض حربهم مع عصبة القتلة والرعاع الذين يحكمون البلد. إذا كان القضاة ما زالوا ينتظرون صدور التعيينات القضائيّة التي دسّها رئيس الجمهوريّة في أحد أدراج بعبدا، فستذهب آمالهم أدراج الرياح. وإذا كانوا ما زالوا يحلمون بأن يفرج رئيس المجلس عن قانون استقلاليّة القضاء، فستتحوّل أحلامهم إلى ما يشبه الكوابيس. على القضاة أن يستوعبوا هزيمتهم النكراء التي عنوانها كفّ يد القاضي فادي صوّان وأن يغيّروا استراتيجيّتهم، هذا إذا افترضنا أنّ هذه الاستراتيجيا موجودة. وعليهم أن يتخطّوا بلادتهم وطريقة عملهم التي تشبه حركة الديناصورات في سيرها وأن يعودوا إلى الوضوح عبر التحالف مع القوى المجتمعيّة التي تتوق إلى التغيير. الرهان غالٍ أيّها السيّدات والسادة القضاة، وهو بحجم الوطن. رقابكم ليست أغلى من رقاب الذين ماتوا على مرأى من بحر بيروت، ودماؤكم ليست أغلى من دماء لقمان سليم التي سفكوها البارحة فيما القمر يتفرّج ويضحك. 
في مهبّ كفّ يد القاضي صوّان، تعالت أصوات كثيرة تذكّر بمطالبتها قبل أشهر بتحقيق دوليّ ولسان حالها يقول: «هل صدّقتمونا؟ لقد كنّا على حقّ». كما ذكرنا أعلاه، المطالبة بتحقيق دوليّ تبدو حقّاً إذا أخذنا في الحسبان التكلّس الذي يحيق بالجهاز القضائيّ في لبنان وإمكاناته المحدودة حيال جريمة معقّدة ومتعدّدة الأطراف مثل جريمة المرفأ. ولكنّ الحقّ ربّما يتحوّل إلى حقّ يراد به باطل كما قالت العرب. فمنطق «لقد كنّا على حقّ» قد يخفي في ثنيّاته لا اليأس من قدرة القضاء اللبنانيّ على أن ينتفض على ذاته فحسب، بل ربّما يوحي أيضاً بفوقيّة سياسيّة خفيّة. ولكنّ الأوان اليوم ليس أوان التذكير بصوابيّات الأمس، فهذا كثيراً ما يصبّ في خانة التكتيك السياسيّ الرخيص، بل هو أوان العمل واجتراح الأفكار. وهو خصوصاً أوان شدّ إزر القضاء المحلّي الذي يحتاج الآن إلى مزيد من التلاحم مع القواعد الشعبيّة التي تنهد إلى العدالة طمعاً في تغيير صورة البلد الذي لا يُحاسَب فيه أيّ من المجرمين الكبار. فلا شيء يضمن إمكان الوصول إلى التحقيق الدوليّ. ولا حياة لهذا البلد ما لم يستعد قضاؤه ما هو منوط به من دور لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه رغم تقلّبات الزمن. لا ريب في أنّ هذا المخاض سيكون عسيراً وسيصطدم بالمافيا من جديد. غير أنّ هذه المافيا اليوم مفكّكة ومضطربة وخائفة رغم ما تدّعيه لذاتها من جبروت. حملقوا مليّاً في عيون المافيويّين، تدركوا أنّهم يحدسون بما ينتظرهم من خراب. الرهان على قيامة القضاء رهان يستحقّ أن يُعمل له. وإذا خسر هذا القضاء المعركة اليوم، فإنّه بالتأكيد لم يخسر الحرب بعد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها