آخر تحديث:08:02(بيروت)
الأحد 21/02/2021
share

محمد خضير.. أبواب "غسان غائب" بلا حدود

المدن - ثقافة | الأحد 21/02/2021
شارك المقال :
  • محمد خضير.. أبواب "غسان غائب" بلا حدود
    أيقونات غسان غائب
  • ايقونات
    ايقونات
  بعد سلسلة تنصيب (الكرسي)، تأتي سلسلة تنصيب الأبواب، في متحف غسان غائب التفاعلي، المنمنماتي، القائم على حدود الذكرى المترامية وراء الخيال. 

  يتسع (باب الشيخ) _ محلة في بغداد القديمة_ في التنصيبة الجديدة لتفاعل أوسع، تدخل منه افتراضات الخروج والدخول بلا استئذان. فما يعنيه الباب_ نصف المفتوح_   في تحفة صغيرة بحجم تلّ الرمال، او كومة الخرائب: الانفتاح على المدى الرحب لأبوابٍ تصطفق في ذاكرة المهاجر، وراء ظهره. إنّ الرمز ليتسع، والتركيب  لينحلّ، وعمليات الدخول الى مكان، والخروج منه، لتتوالى في أعمال على حافات المدن القديمة والجديدة. وإن عملاً تركيبياً واحداً يكفي لاختصار "ماكيتات" المدن غير المشيدة، إلا في الخيال التزامني مع سقوط الجدران في المدينة الأصل/ باب الشيخ، واحتراقها/ اسودادها/ انثقابها.

  تحيلنا أعمال غسان الأيقونية، ذات الأوجه المتعددة، إلى لعبة فنية، متداخلة بألعاب السرد الافتراضية، هذه التي تعمُرُها كائناتٌ دون مستوى النظر. وفي ألعاب مثل هذه، تنتصب مدينة الحلم البعيدة هناك، وراء الجبال، تأتي منها الأشباح والتصورات المكبَّرة بما لا يصدقه عقل أو يستوعبه بصر. وهذه واحدة من وظائف الأيقونات المنمنماتية: تعارضها مع فكرة غير محقَّقة، وذكرى غير مستأنَسة. يمكننا استبدال أيّ جزء من الأيقونة، ما دام الباب يوحي بإمكانية السكن في مكان ضيق، كبيت النمل، أو برج الطيور. كما يمكننا استضافة كائنات حالفها الحظ في التحول إلى أقزام، في حكاية "عقلة الإصبع" لشارل بيرو. 
  ما كتبه الفنان "الغائب" على جدار البيت الصغير في محلة باب الشيخ المصغّرة عبارة تقول: "حان الوقت لنترك العمالقةَ المرعبين ينتظرون وراء الباب المغلق، أبد الدهر". أينما ولينا وجوهنا، ستقابلنا عبارة مثل هذه، بصيغ افتراضية مماثلة، لكنها في هذا العمل التركيبي تستحق التثبيت، رغم محاولات المحو المتكررة، في الواقع الكبير. فالأبواب ستنسدّ على أسرارها، بعد طول انفتاح، وحوادث اختلاس.

  قد لا يرى مستعمِلُ الميديا الإلكترونية، خاصة المهاجر النوستالجي، في منمنمة غسان الأيقونية، غرابةً ما؛ إنها تبدو في وضعها المؤقت أنسب الاختيارات لوضعها في متحفه الخيالي. ومن يعرف النمط التقليدي لمتاحف الخيال_ وأنموذجه الأكبر متحف اندريه مالرو، الذي جمع فيه خيالات الشرق فائقة الغرابة والجمال_ ومثله متحف البراءة الذي نصّب الروائي التركي أورهان باموق فيه أجملَ مقتنياته الشخصية_ سيذهب إلى اعتبار أيقونات غسان غائب المنمنماتية تطويراً ذهنياً، موازياً لأعذب النماذج في المدن المفقودة. ومن جانبي لم أتوانَ عن سلوك هذا الجانب من لعبة السَّرد المنمنماتية، فاخترعتُ في قصتي (بلاد الأسماء المتشابهة/ من مجموعة: كتاب العقود، دار الجمل، ٢٠٢٠) متحفاً لأيقونات طينيّة مسمّاة بالحرف المشترك (م)، تزاحم الراوي في تخيلاته، وتصطف على رفّ فوق سريره.

  سترحلُ كائناتُ بغداد القديمة، قادمة من أبوابها الدائرية، لتدخل دارةَ غسان الأيقونية، ذات الأبواب الافتراضية، راضيةً مطمئنة، بعد أن تعبر مجازات الوهم، هاربةً من بوابات الحقيقة؛ إذ أنّنا، بعد طول إرهاق وذهول، سنصنع لأنفسنا بيوتاً بحجم (عُقلة الاصبع) نأوي إليها في أوقات الرعب والزمهرير. وسنمرح في داخل هذه البيوت، ما دامت عفاريت الشرّ وعمالقة الوهم، محجوزة عنا خارج الأبواب، لا تستطيع الولوج خلالها.. لكننا سنترك على جدرانها الخارجية كتابةً تحكي سيرة الرحلات البعيدة، خلف حدود بلاد الأقزام!


(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها