آخر تحديث:12:28(بيروت)
السبت 20/02/2021
share

"إلى أين تذهبين يا عايدة؟".. الإبادة كصنف فني

شادي لويس | السبت 20/02/2021
شارك المقال :
  • "إلى أين تذهبين يا عايدة؟".. الإبادة كصنف فني
    "إلى أين تذهبين يا عايدة؟" لزبانيتش
  • "إلى أين تذهبين يا عايدة؟"
    "إلى أين تذهبين يا عايدة؟"
تصل أفلام الهولوكوست أحياناً كثيرة إلى لوائح الأوسكار. القسوة المفرطة والباردة لعمليات الإبادة ونظاميتها المؤسسة على عنف عشوائي معمم، تحمل الدراما إلى الحدود القصوى. وتتهاوى أمامها الخطوط الفاصلة بين التراجيديا والرعب وتيمات أفلام البطل الخارق مع الديستوبيا والإثارة، بل وحتى الرومانسية. فهل هناك ما يحرك المشاعر أكثر من قصة حب في معسكر نازي؟ هذا العام، يصل عمل آخر عن الإبادة إلى اللائحة القصيرة لجائزة الأكاديمية، الفيلم البوسني، "إلى أين تذهبين يا عايدة؟" 

لم تكن ذاكرة الإبادة مرحباً بها دائماً في الثقافة العامة، شهادات الهولوكوست واجهت مقاومة وأحياناً استنكاراً علنياً حتى مطلع الستينات. كانت أهوال الحرب لا تزال حاضرة ورغب الجميع في النسيان. دور النشر الإيطالية المعروفة، رفضت كتاب بريمو ليفي الشهير "إن كان هذا إنساناً"، وجاءته الردود سلبية: من المبكر جداً الحديث عن الأمر. لم تصدر الطبعة الثانية (الأولى عن دار كبرى) سوى في العام 1958، والترجمة إلى الانكليزية تمت في العام التالي بعد حوالي عقدين على المحرقة. لفتت محاكمة آخمان العام 1960 أنظار وسائل الإعلام، ومهد ذلك لدخول المعالجات الفنية للإبادة في ساحة الاستهلاك العام. وخلال العقدين التاليين، ستتصاعد جماهيريتها تدريجياً، حتى تبلغ ذروتها في التسعينات، "عقد الهولوكست" كما أطلق عليه، بفضل إنتاج 190 فيلماً عن المحرقة اليهودية خلاله. لكن، وفي التسعينات أيضاً، ارتفعت الأصوات أيضاً لتستنكر تبخيس الهولوكست، الاستهلاك المفرط للتيمة على الشاشات، حتى فقدت هولها، استمراء الإبادة إلى الحد الذي أصبح معه التحذير واجباً من أن "تغدو الإبادة نفسها صنفاً فنياً".


المفارقة المرة أنه وفي عقد الهولكوست السينمائي دون غيره، وبالرغم من شعار "لن يحدث مجدداً"، وقعت المذبحة التي يتناولها فيلم "إلى أين تذهبين يا عايدة؟"، سربرنيتسا العام 1995، تقع بالضبط في منتصف الطريق بين فيلم "قائمة شندلر" الأميركي (1993) و"الحياة جميلة" الإيطالي (1997). لا أي إشارات في الفيلم البوسني إلى الهولوكوست بالطبع ولا أفلامه، لكن التأمل في الأحداث، ربما يكشف عن التطابقات المذهلة، كفصل الذكور عن الإناث عند نقل الضحايا المسلمين، الباصات التي ركبوها بأقل مقاومة ممكنة بعدما وعدهم القادة الصرب بالأمان، تفاصيل القتل الغادر بالجملة، والدفن في مقابر جماعية محفورة في الغابة. هل يحاكي القائد الصربي ملاديتش أفلام الهولوكوست؟ هل غدت المذبحة الجماعية صنفاً فنياً؟ 

تواجه مخرجة الفيلم، ياسمينا زبانيتش، المعضلة التي تواجه أي فيلم عن الإبادة. فالنهاية معروفة بالضرورة، والحبكات كثيرة لكنها استنفدت، البطل الشجاع من الأغيار الذي يعرّض حياته للخطر لإنقاذ الضحايا، أو الضحية الاستثنائية، عازف البيانو والمهرج والطباخ الذي يكافح لإنقاذ حياته وينجو، أو ربما العلاقة النادرة بين أحد الجناة والضحايا تسمح في إفلات البعض من المصير المحتّم. لكن عايدة، المترجمة التي تعمل في معسكر القوة الأممية في المنطقة الآمنة سربرنيتسا، ليست واحدة من هؤلاء. فهي مجرد موظفة في هيئة دولية، تحميها وظيفتها. ببساطة، بطاقة عملها البلاستيكية، هي الحد الفاصل بين الحياة والموت، لكن ماذا عن أسرتها، زوجها وولديها؟

يضعنا الفيلم مرة أخرى في مواجهة تفاهة الشر، تلك التي اكتشفتها المنظّرة حنة آرندت في المحرقة قبل وقت طويل. وهذه المرة لا تتعلق تلك العادية المجرمة ببيروقراطيين ينفذون أوامر القتل، بل بقوة الأمم المتحدة المؤتمنة على حماية المدنيين. من المشهد الأول، يسأل عمدة سربرنيتسا قائد القوة الدولية هل تضمن سلامتنا؟ فيرد عليه بأنه "مجرد عازف بيانو"، وتوضح المترجمة "هو مجرد رسول". الانهيار الكامل في سلسلة قيادة القوة الأممية، يقود إلى إشراف جنودها بشكل مباشر على المذبحة، تمنح الضحايا وعد زائف بالأمان، وتجرّد القوة، المدنيين، من أي فرصة للهرب، ومن ثمّ تسلمهم عنوة إلى الصرب، يحدث هذا كله فيما يردد القادة والجنود الأمميون، التعويذات البيروقراطية الراسخة: "نحن ننفذ الأوامر"، "أنا أبذل قصارى جهدي"، "أنا في انتظار الأوامر"، "هذا ضد القواعد".

فصل الحقول البيروقراطي، الذي يبينه زيغموند باومان في كتابه "الحداثة والهولوكوست" هو قاعدة أي مذبحة. التفريق بين الشخصي والوظيفي، بين العاطفي والمهني، بين الأخلاقي والتقني، هو ضمان الكفاءة الإدارية، وبالأخص لماكينة إبادة بلا قلب. محاولات عايدة المستميتة لإجلاء أسرتها معها، لا تنجح، فأسماؤهم غير مكتوبة في اللائحة، اسمها فقط هناك، واللائحة تحتاج لبطاقة هوية أممية، وماكينة صناعة البطاقات معطلة، ويخبرها القادة الأمميون مرة بعد أخرى بمنطق مفهوم وواضح، هذا ضد القواعد، ولا مجال للعواطف في العمل.

الفصل بين الجمالي والسياسي حجة لجنة نوبل في دفاعها عن اختيار الفائز بالجائزة قبل عامين. لا يمكن للمرء مشاهدة الفيلم من دون أن يخطر في باله، الكاتب النمساوي، بيتر هاندكه، الفائز بالجائزة النمساوية الرفيعة، مُنكر المذبحة البوسنية والمدافع الأكثر وقاحة عن مرتكبيها. لكن جماليات الأدب شيء، والأخلاق شيء آخر.

تدور أفلام الهولوكست في معظمها عن الحياة لا الموت، عن المعاناة بالطبع لكنها نوع من المعاناة يقود إلى النجاة، نتعلق بالبطل الناجي على الشاشة، فتخفت معاناة بقية الضحايا. لكن "إلى أين تذهبين يا عايدة؟"، كما عنوانه، لا يتيح أي فرصة للنجاة، وهو يطرح سؤالاً بلا إجابة، فإلى أين تهرب بالفعل، عايدة نفسها شاركت في المذبحة، ترجمت بأمانة ما طلب منها أن تنقله، وهي موقنة بأن ما تقوله سيقود سكان مدينتها إلى الموت، قامت بوظيفتها بكفاءة، وهي مرغمة، وبكل دقة، وقُتل 8732 إنساناً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري