آخر تحديث:12:45(بيروت)
الخميس 18/02/2021
share

إنجيل المسيح بحسب الإحياء للغزّاليّ

محمد حجيري | الخميس 18/02/2021
شارك المقال :
إنجيل المسيح بحسب الإحياء للغزّاليّ قيامة المسيح، منمنمة سريانية مصدرها مخطوط من الموصل يعود إلى القرن الثالث عشر، المكتبة البريطانية.
على منوال الأب ميشال حايك في كتابه "المسيح في الإسلام"، وهو عبارة عن تجميع موسوعي لكل ما قاله الاسلام في عيسى بن مريم، بدءاً من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، مروراً بالسيرة النبوية والكتابات الاسلامية المختلفة من تفسيرية وكلامية الى تاريخية وصوفية، والباحث والمؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي في كتابه "الإنجيل برواية المسلمين"، وهو يقتفي أثر المسيح في التراث الإسلامي، ليُظهر، من خلال من 300 قصة وخبرٍ، الرؤيا الإسلامية ليسوع، وقد جمع قصصاً من مصادر إسلامية متفرقة، وغير موجودة في الإنجيل، وعلّق عليها، لتشكّل ما أسماه بـ"الإنجيل الإسلامي"؛ تتناول مواضيع مختلفة كالأخلاق والحكمة والإيمان. في المسار نفسه، اختار الأب الدكتور سميح رعد ان يقدّم كتاب "إنجيل يسوع المسيح بحسب الاحياء للغزّاليّ"(صدر الكترونياً عن دار المشرق)، يقول "أردناه صورة من ذلك الجمال المبعثر الذي جمعناه باقةٌ من ذوق الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين"... مساحته اللغويّة هي العربيّة، والمكان هو حواضر الإسلام، والزمان يسبح من قبل وجود الإسلام حتى الغزّاليّ". ويعتبر في البداية أن "النَقْبَ في المسيح الإسلامي متعةٌ تُشاكلُ متعة النَقب في أيّ منحولةً تتكلّمُ على المسيح، لكنّ المنحولات الإسلاميّة أجمل ما فيها "رونق عربية القرون الوسطى وجمالها وخيالها"، والقصد بالمنحولة أي غير قانونية، وللدلالة على عدم وجود أي صفة مقدّسة لكتاب معين...

وصورة المسيح المنحولة تنتقل بألف شكلٍ، بين كتابٍ وكتابٍ من دون تقصٍّ وأحياناً من دون ترتيب، في كل زمانٍ وفي كل مكانٍ. ووصلتْ المنحولات إلى مهد الإسلام، أولاً إلى شبه الجزيرة العربية، مع التيارات المسيحية التي دانتْ الكنيسة الجامعة معتقداتها ونفتْ السلطة البيزنطية إتباعها إليها. واعتبرت هذه المنطقة في العصر البيزنطي المنفى لكل الخارجين على القانون أو على الدين القويم، فضمّتْ في أحضانها كل التيارات الفكرية السياسية والدينية المخالفة البيزنطيين، هذا ما دفع اوسابيوس القيصري، أحد مؤرخي المسيحية الأوائل، إلى أنْ يعتبر العربية "أرضًا خصبة بالهرطقات"، ومن هذا المهد انطلقت هذه النصوص الى حواضر المسلمين وانتشرت في معظم أزمانهم مروراً بزمن الغزّاليّ، وهي مرحلة خصبة للكثير من الدراسيات والتأويلات، مرة للحديث عن "المسيح العربي" وتمييزه عن "يسوع الناصري"، ومرات للحديث عن "استلهام" نبي الاسلام من بعض القصص المسيحية، وتحديداً الآرامية والسريانية...

والغزّاليّ "الهامة الكبرى بين علماء الإسلام" بحسب الاب سميح رعد، قرأ كتب الفقه والتصوف والحكمة، كما كان مطلعاً بشكل واسع على الكتب المقدّسة، القانونية منها وغير القانونية. ويقول الأب لويس شيخو اليسوعي، إن العرب أخذوا كلمات انجيل وتوراة وزبور من اليونان بواسطة السريان أو أخذوها تواً من الحبشة. كانت هذه الالفاظ في اللغة العربية قد سبقت الإسلام، وقد استعملها المسيحيون العرب في آدابهم. وأكد شيخو، في كتابه "النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية"، أن العرب عرفوا الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، منذ فترة ما قبل ظهور الإسلام، ودوّنوا أحداثه نثراً وشعراً.. ويقول الأب سميح "نظنّ أن الاستشهادات التي استعملها الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين مستمدّة من حقبة ما بين التاريخ الديني العربي، وما قبل الإسلامي، وصلتْ إليه مشافهة أو كتابة، علماً أن للمشافهة دوراً أساسياً في الفكر الديني الاسلامي". يتحدّث رعد عن أقدم الترجمات للكتاب المقدّس، إذ تخبرنا كتب التاريخ أنه في العام 18 هجري/639 ميلادي، طلب القائد العربي عمر بن سعد بن أبي وقاص ومن البطريرك السرياني يوحنا الثالث أن يضع ترجمة للإنجيل في اللغة العربية، وربما تم ذلك في هذا التاريخ. ونعلم أنّ المترجم والطبيب النسطوري حنين بن اسحق نقل الكتاب المقدس بجملته إلى اللغة العربية في أيام الخليفة المأمون. لدينا شواهد كثيرة على توافر ترجمات جزئية وترجمات سابقة لكن لم يبق أي أثر لها. أما أقدم ترجمة عربية للكتاب المقدس بعهده القديم وصلت أخبارها إلينا فهي ترجمة سعدية بن غلوون الفيّوميّ في القرن الثالث الهجري/ العاشر الميلادي...

أما أقدم ما وصل إلينا من المنحولات المتعلقة بالعهد القديم باللغة العربية فهي وصية آدم، صراع آدم وحواء، وصية اسحق، وصية يعقوب، كما يحدثنا بعض الباحثين عن توافر نصوص بلغة سامية من دون ان يحددوا تلك اللغة مثل صعود موسى وحياة الأنبياء. أما المنحولات المتعلقة بالعهد الجديد، فمنها منحولات ما قبل القديس اكليمنضس الروماني وانجيل الطفولة باللغة العربية، وصعود مريم، ورسالة يسوع الى أبحر... يقول الاب سميح رعد "إنّ الكتابات الانجيليّة العربيّة الاسلاميّة تحمل عواطف ومشاعر عيسوية تقويّة، وتحوي في جزء منها على نظرة جديدة مغايرة للمعتقد المسيحي بالمسيح. إلا أن الكنيسة لا تقبلها كنصوص مقدّسةٍ، لأنّها، وإن كانت تحمل رسالة مسيحية خلاصيّة جزئياً، تقدّم مسيحاً مختلفاً عن المسيح الذي نؤمن به، فهي مليئة بصور اسطوريّة تحاول أن تزيد من طبيعته الإنسانية على حساب طبيعته الإلهيّة، وهي بذلك تحطّ من قدره وليس بذلك رفعة له". كما أنّها لم تجمع كاملة لتصنّف بالمنحولة ولضمّها الى تلك الباقة الأدبيّة من المصنّفات. وعرف الغزّاليّ الكتب المقدسة المسيحية القانونية، ويسأل الاب رعد لكن هل هو فعلاًٍ من كتب ضدها كتاب "الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الانجيل. ليدافع عن صورة المسيح بحسب المعتقد الاسلامي استناداً على كتب العهد الجديد؟ يشك الاب رعد في نسبة هذا الكتاب الى الغزالي ويستبعد ذلك. ولكن في المقابل، تؤكد النصوص التي بين أيدينا، في الإحياء، أنّ الغزّاليّ عرف أنجيلاً "اعتبره الانجيل الصحيح الذي أنزل على عيسى، حيث قال: "ورأيت في الإنجيل...".

اختار الأب رعد كتاب الإحياء دون غيره، باعتباره "عصارة الفكر الديني في القرون الوسطى العربية والاسلامية. وهو موسوعة في العقيدة والتصوف". يشبّه مكانة الغزّاليّ الكبرى في الاسلام بمكانة القديس توما الاكويني العظيمة في مسيحية القرون الوسطى، ويشبه احياء علوم الدين بكتاب توما الخلاصة اللاهوتية. ويصل الاب رعد إلى أنه لا كتاب أعظم من كتاب الإحياء في القرون الوسطى الإسلامية في مجاله، وهو كما قال عنه الكاتب حاجي خليفة "أجلّ كتب المواعظ، وأعظمها. حتّى قيل فيه، أنّه لو ذهبت كتب الاسلام، وبقي الإحياء اغنى عما ذهب". ومن هذا الباب، ولغزارة استشهادات الغزّاليّ بالمعمدان يوحنا والعذراء مريم وبالمسيح اختاره المؤلف دون غيره، ويقول "جمعنا النصوص الغزالية المبعثرة عن المسيح في كتب الاحياء وحبكنا نصاً قريباً من النصوص الانجيلية القانونية علماً أنه ليس في النصوص الغزالية كل الفصول التي يمكن ان نجدها في الاناجيل، ولكن بعضها مغاير في مضمونه محتواه أو مختلف عنه، وهي غزيرة وكثيرة". وبالرغم من وفرة النصوص فهي لا تحوي كل الفكر الاسلامي عن المسيح، لكنها كافية لتقدم عنه صورة عيسى كما يؤمن به الإسلام نبياً... فمسيح الاحياء كما قدمه الغزالي هو نفسه مسيح القرآن والاسلام.

قسم المؤلف الكتاب إلى مقاطع وفصول، أما في منهج الاستشهادات فأخذ النصوص التي ذكرتْ المسيح أو أي نص قريب من النصوص الإنجيلية القانونية، وأورده كما رده في الاحياء. يختتم الأب رعد بأنه أراده من "انجيل يسوع بحسب الإحياء للغزالي"، وهو مجموعة نصوص غير موحاةٍ، شكلاً من أشكال الأناجبل المنحولة، نجد فيه عناصر من وجه المسيح كما فهمه الإسلام. والاستشهادات الغزّاليّة الشبيهة بنصوص الكتب القانونية، تغيب عنها الطقوس اليهودية وأسماء الامكنة، وبمجملها قريبة من نصوص الانجيليّ متّى، دون غيره من الانجيليّين القانونيّين الثلاثة الآخرين، كما هي قريبة من رسالة الرسول يعقوب، دون سائر الرسائل الأخرى أو كتاب اعمال الرسل او سفر الرؤيا. الجدير ذكره ان الرسولين متّى ويعقوب كتبا كتبهم المقدّسة متوجّهين إلى الجماعات المسيحيّة ذوات الأصول العبرانيّة، بالتالي يتساءل الباحث عن الصلة بين هذه النصوص والجماعات المسيحية – اليهودية التي كانت متواجدة في العربية السعيدة أيام نبي الاسلام.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها