آخر تحديث:13:29(بيروت)
الثلاثاء 16/02/2021
share

الأجساد الملقحة كميدان حرب

روجيه عوطة | الثلاثاء 16/02/2021
شارك المقال :
الأجساد الملقحة كميدان حرب لا تقرر الأجساد مصيرها.. وهذا ما يُسمى بالإخضاع (غيتي)
في حال الأخذ بما يردده الفوكويون (نسبة إلى الفيلسوف العنكبوت ميشال فوكو) على مختلف توجهاتهم حول بيوبولوتيكية (biopolitique) الموقف الكوروني الذي يعيشه العالم، من الممكن التوقف قليلاً على مشهد منه يستقر على صفته تلك، أي مشهد الحملات التلقيحية. فثمة في هذا المشهد ما يثير الانتباه، وهو، أولياً، دورانها كحفلات طرد جماعية للكورونا من خلال حقن الأجساد بما يرفع حدوداً داخلها أمامه. إذ لا يعود من السانح له أن يجتازها على سبيل إصابتها، وحملها إلى الموت. فما ان يصير اللقاح فيها، حتى يصير هذا الكورونا بعيداً منها.

بالطبع، كل هذا ليس اشكالياً نوعاً ما، لكنه يغدو كذلك بإدراج الحفلات تلك في سياق الحرب على "العدو" الفيروسي اياه. إذ أن البيوبوليتيكيا تصل في إثر هذا الإدراج إلى مقلب معين، حيث تحضر الأجساد بوصفها ميداناً لتلك الحرب. في هذا الميدان- ومن هنا تبدأ الاشكالية- لا يمكن الدراية بمن يقاتل "العدو"، فهل هي الأجساد أم هو النظام الذي يحقنها؟ فهذه الأجساد-وهنا أيضا الإشكالية تنطوي على رعب ما- وبحقنها، ما عادت منفصلة عن النظام الملقِّح لها، الذي يريد حفظ حياتها، إدارتها، لكي تبقى فيه، لكي تشغله. فها هو يسكنها من خلال اللقاح، وبالتالي، يحولها إلى ما يشبه الدروع مقابل "العدو". بالتأكيد، هذا "العدو" يواظب على التسلل إليها، على اختراقها بتطوره إلى نسخة جديدة منه، وبهذا، لا يستسلم، بل يصر على اجتياحها، أو بالأحرى السيطرة عليها. فالكر والفر بعد التلقيح، بين النظام و"العدو"، في ميدان الأجساد، لا يمكن حسمه لصالح الأول مباشرة، ولا يمكن الاعتقاد بأن الثاني يريد حسمه، وفي الأساس، ولأنه فيروس، هو لا يفعل ذلك. إنما يترك الميدان ذاك، ومشيده، اي النظام ذاته، تحت تهديده الدائم، كما لو أنه على أهبة الضرب باستمرار.

في الواقع، رعب الإشكالية تلك يتعلق، وبطريقة من الطرق، بكون الأجساد، وبتحولها إلى ميدان حرب، لا تعود إلى نفسها، إنما إلى النظام الملقِّح لها. بالتالي، يبقى اللقاح فيها بمثابة علامة على كونها، وفي صعيد حياتها، هي على ذلك الوضع، أي وضع كونها ليست على استقلاليتها، إنما تحت سيادة نظامها. ففي النتيجة، كل حياتها يكفلها هذا النظام، وبذلك، هي لا تفقد قدرتها على حياتها بطريقة منفصلة عنه فحسب، بل تفقد قدرتها على تقرير مصيرها بما هو موت أيضاً. يدرك الأعزاء الفوكويون أن معلمهم كان، وفي ما مضى، قد عرَّف الحياة بأنها قدرة على الموت. وعلى هذا الأساس، حين تفقد الأجساد، وبما هي ميدان حرب، قدرتها على موتها هي تفقد حياتها، فتعيش، لكن من دونها، من دون أن تكون حية.

و"يتأشكل" وضع الأجساد هذا أكثر، مع الاشارة إلى كونها أمام خيارين: إما الكورونا أو النظام، وإما موتها، أو انعدام قدرتها عليه، يعني خسارتها للحياة. الخيار معلوم بفعل اللقاح، وبعضها حين يختار عكسه، يُرمى في أمكنة بعيدة، تماماً كما جاء في صور المقابر النيويوركية الباردة والوحشية. فعلياً، الأجساد، حيال الكورونا أو حيال لقاحه، مصيرها لا يتعلق بها، أي انها لا تقرره. وهذا ما يسمى عادة بالإخضاع، وهذا ما قال مرة فوكو عن سلطته بما معناه أنها أينما حلت، تحل مواجهتها معها. لكن ذلك لا يدل على أن هذه المواجهة موجودة الآن. فحتى التشكيك في اللقاح، وإن وضع جانبه المؤامراتي الكوميدي جانباً، لا يضاهيها، إنما يبدو ادعاءً لمضاهاتها.  لذا، تبرز الأجساد كأنها من دونها، كأنها خسرت ميدانها، وما عادت تملك سوى، من ناحية، الخيال العلمي، الذي يتحدث عن تكشف اللقاح فيها، عن كونه يمدها بطاقة تجعلها تدمر نظامها. كما أنها ما عادت تملك، من ناحية ثانية، سوى الزمن، أو التعويل على وقائعه التي لم تحصل بعد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"