آخر تحديث:08:55(بيروت)
الأحد 14/02/2021
share

هل يجترح التيّار الحرّ ذاته قبل التحوّل إلى ركام؟

أسعد قطّان | الأحد 14/02/2021
شارك المقال :
هل يجترح التيّار الحرّ ذاته قبل التحوّل إلى ركام؟ عون نصرالله
أعلن التيّار الوطنيّ الحرّ، في كلام تقييميّ عن تفاهم مار مخايل لعلّه الأوّل من نوعه حتّى اليوم، أنّ هذا التفاهم «جنّب لبنان شرور الانقسام»، ولكنّه لم يحقّق أهدافه بالنسبة إلى «مشروع بناء الدولة وسيادة القانون». لقد اعتبر بعضهم أنّ هذا الكلام مجرّد خطوة تكتيكيّة من جهة رئيس التيّار السيّد جبران باسيل بغية ممارسة مزيد من الضغط على حليفه حزب الله. ولكن مهما يكن من أمر النوايا المبيّتة أو غير المبيّتة، لا ريب في أنّ هذا الكلام ذو دلالات خطيرة لكونه لا يتوانى عن وضع الإصبع على الجرح وتسمية الداء باسمه المجرّد. لقد فشل التفاهم بين التيّار وحزب الله، الذي أُبرم قبل خمسة عشر عاماً، في بناء دولة القانون. وهذا استنتاج مرّ، ولكنّه قابل للاستثمار فيه. 
ما لا يتكلّم عنه بيان التيّار الحرّ هو الأسباب التي أسفرت عن هذا الفشل. فالمساءلة التاريخيّة للماضي يجب إلاّ تنحصر في الإشارة إلى المحصّلة السلبيّة، بل يتعيّن عليها أيضاً أن تحلّل الأسباب وتفضحها. هل كانت هذه الأسباب ظرفيّة أم بنيويّة؟ هل ترتبط، مثلاً، بالمنظومة الدينيّة والإيديولوجيّة التي ينتسب حزب الله إليها ويدور في فلكها؟ من النافل القول إنّ التصدّي لمثل هذه الأسئلة ينبغي ألاّ يجري وراء الأبواب المقفلة وفي الزوايا المحتجبة، بل من حقّ الناس اليوم حيال التهافت الماحق للدولة أن يكونوا شهوداً على كشف هذه الأسباب، لكون هذه الدولة التي لم تنشأ ولم تُبنَ هي دولتهم في نهاية المطاف، ولو في شكلها الغيابيّ.

ما لا يتّضح في البيان أيضاً هو التوقيت: لماذا العمليّة التقييميّة اليوم بالذات؟ ربّما يربط بعضهم التوقيت بالانحسار الذي شهدته شعبيّة التيّار في أوساطه وخارج أوساطه خلال الأشهر المنصرمة، فضلاً عن الانقسامات والاستقالات والامتعاضات التي لا تخفى على أحد ولا تحتمل الروتشة. وربّما يحسب بعضهم أنّ هذا التيّار بلغ حالاً مدقعةً من الإفلاس السياسيّ بعد تراجع حظوته في المجتمع «المسيحيّ» والعقوبات الأميركيّة على رئيسه. ولكن يبدو أنّ العامل الأهمّ هو أنّ انتفاضة ١٧ تشرين حشرت التيّار الحرّ في الزاوية ودفعته إلى مثل هذه المساءلة، لا لأنّها انهالت بالشتائم على رئيسه، علماً بأنّها أسقطت معنويّاً الطبقة السياسيّة برمّتها، بل لأنّ النقمة على التيّار الوطنيّ الحرّ، وعلى مؤسّسه رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، كانت الوجه الآخر للأحلام التي علّقها الناس على «العهد القويّ». الأكيد أنّ ثوّار ١٧ تشرين يتحمّلون مسؤوليّة الشتائم التي كالوها للسيّد جبران باسيل. ولكنّ الأكيد أيضاً أنّهم لا يتحمّلون مسؤوليّة الوعود التي أغدقها قياديّو التيّار، والتي تتلخّص ببناء دولة حقيقيّة إذا هم قبضوا على ناصية الحكم وتمّ «تصحيح» التاريخ عبر عودة «الجنرال» إلى بعبدا بعدما طُرد منها العام ١٩٩٠. التيّار الوطنيّ الحرّ معنيّ بالمساءلة النقديّة لتاريخه، ربّما أكثر من سواه، لأنّ لسان حاله كان دائماً أنّه المُصلِح الذي يأتي من خارج المنظومة الفاسدة كي يعيد تشكيل الدولة على أسس القانون. وها هو يعلن اليوم بكلّ صراحة أنّه فشل في ذلك، وأنّ واحداً من عوامل هذا الفشل ليسوا خصومه الذين حالوا دون تحقّق رغبته في التغيير، بل حليفه منذ العام ٢٠٠٦ بموجب تفاهمٍ نصّ على بناء الدولة والتصدّي للفساد. هذا الحليف هو نفسه الذي اعتبر إبّان الانتفاضة أنّ رموز الفساد في السلطة خطّ أحمر ولا يسوغ للشعب إسقاطهم. إذاً، انتفاضة ١٧ تشرين لم تكن المشكلة رغم قسوتها على جبران باسيل وعلى غيره. المشكلة هي أنّ محاولة إعادة تكوين الدولة فشلت.


هل تستمرّ المساءلة النقديّة في التيّار الحرّ؟ لقد آن الأوان أن يدرك التيّاريّون أنّ الزمن «العونيّ» انتهى إلى غير رجعة، لا لأنّ رئيس الجمهوريّة قائم في مهبّ الشيخوخة والتجديد له نكتة سمجة فحسب، بل لأنّ عهده تحوّل، بفعل الأزمة السياسيّة والاقتصاديّة التي بلغت القعر على وقع انفجار مرفأ بيروت، إلى ركام يعلوه ركام. وإذا كان «تاريخ» الجنرال لا يشفع بحاضره، فمن غير المقبول أن يضحّى بالحاضر كرمى لعيون التاريخ. كذلك على التيّاريّين أن يدركوا أنّه سيكون من شبه المتعذّر عليهم أن يخوضوا غمار المستقبل برئيسهم الحاليّ، لا لأنّه منكوب بالعقوبات الأميركيّة فحسب، بل لأنّه يفتقر أيضاً إلى ثقة شريحة واسعة من اللبنانيّين بسبب أدائه السياسيّ الأخرق.


لا شكّ في أنّ التيّار الحرّ يحتاج إلى إعادة اجتراح ذاته قبل أن يتحوّل بدوره إلى ركام أو إلى شيء يشبه الخطأ (لا الخطّ) التاريخيّ. عمليّة إعادة إنتاج الهويّة هذه تتخطّى صوغ علاقة جديدة مع حزب الله، الحليف «الشريك» في فشل مشروع الدولة. فهي تتطلّب أيضاً أن يستعيد الخطاب بلّوريّته، من العزوف النهائيّ عن اللعب على وتر حقوق المسيحيّين وتأجيج العنصريّة ضدّ السوريّين والفلسطينيّين وصولاً إلى تبنّي مشروع دولة مدنيّة للجميع من دون التباسات تتحكّم فيها صغائر المصالح الظرفيّة. الدولة التي فشلتم في بنائها، أيّها السيّدات والسادة، تبدأ من هنا قبل أن تصل إلى العتب على الخصوم والحلفاء وحلفاء الحلفاء...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها