آخر تحديث:14:53(بيروت)
السبت 13/02/2021
share

"دروس الفارسية": الطبيعة الوحشية والمزدوجة للّغة

شادي لويس | السبت 13/02/2021
شارك المقال :
"دروس الفارسية": الطبيعة الوحشية والمزدوجة للّغة دارسو اللغات المخترعة يظنونها التاريخ الأصدق للعالم
في الأسطورة الغيلية المؤسسة، يذهب فينيوس فارسيد، الأب الروحي لإيرلندا، إلى شنعار، أرض النمرود التي بلبل فيها الرب أَلسِنة البشر. وهناك في جنوب الرافدين، يمضي فارسيد وحكماؤه عشرة أعوام في دراسة تلك الألسن، ليضع بعدها اللغة والأبجدية الغيلية. كانت تلك واحدة من أوائل الأساطير عن اللغات المخترعة، الخلق البشري للغة كعمل بطولي لعكس إرادة الآلهة، الرجوع إلى اللغة النقية، وإعادة توحيد البشر.

في القرن الثاني عشر، وضعت القديسة ورئيسة الراهبات البندكتية، هيلدغارد فون بينغن، لغة "لينغوا إيغنوتا"، أي اللغة المجهولة. لا يبدو واضحاً هدف فون بينغن، التي كانت لاهوتية وملحّنة كنسية أيضاً، من تأليف لغتها. بين افتراضات توحيد لسان العالم مرة أخرى والحديث مع الملائكة بلغتها، تصمد فرضية واحدة أكثر من غيرها. على الأرجح، كانت لغة فون بينغن، بعدما قضت معظم حياتها حبيسة ديرها وفي صدام دائم مع سلطات الكنسية، لغة سرية، لها وحدها أو لدائرة صغيرة من النساء السجينات في أديرة الغابات الألمانية، وسيلة تواصل صوفية مثل "الموسيقى غير المسموعة" التي لحنتها أيضاً بوحي إلهي. هكذا كانت اللغة الأولى المخترعة، شأناً نسائياً، وليد الألم والسجن، لقلب وظيفة اللغة، من التواصل إلى العزلة، ومن المجاهرة إلى الكتمان.

يعالج الفيلم البيلاروسي "دروس الفارسية" (أُطلق عبر المنصات الألكترونية الشهر الماضي)، تيمة قريبة. لكن بدلاً من الدير، نجد أنفسنا في فيلم المخرج الأوكراني فاديم بريلمان المؤسس على قصة واقعية، داخل أحد معسكرات العمل النازية في فرنسا. يستطيع، اليهودي البلجيكي، جيل، البقاء على قيد الحياة بفضل ادعائه أنه نصف إيراني. لكن تلك الكذبة تنقلب إلى تهديد دائم بالموت. فهو يجد نفسه مرغماً على تعليم الفارسية لأحد ضباط المعسكر الراغب في الانتقال للحياة في طهران بعد انتهاء الحرب.


دارسو اللغات المخترعة يظنونها التاريخ الأصدق للعالم، بعضها أساطير بالطبع، والبعض الآخر يوتوبيا هرب إليها الكثيرون في حلم توحيد الشعوب. لغات اخترعها الأدباء لرواياتهم، وأخرى صنعت خصيصاً لأفلام هوليوود الفضائية. لكن بعض تلك اللغات حقيقي، إلى درجة مخيفة، لغات القوميات الحديثة والدولة الأمة، كلها لغات مخترعة بمعنى من المعاني، اليونانية الحديثة والعبرية الحديثة، الفوارق الملفقة بين لهجات القوميات اليوغسلافية، الفصل المأسوي بين الهندية والأردية، المالطية المعدلة المنقاة من "عار" المفردات العربية. ثمة لغات اختُرعت من أجل جماعات بشرية، وثمة شعوب اختُرعت بالكامل بواسطة تلك اللغات، والأدهى ثمة جماعات اخترعت فقط من أجل تلك لغات. 

"أنت يا من رأى غروب الشمس، ومع هذا تدهشك الظلمة".. في لقائه الأول بالضابط النازي، كوخ، يؤلف جيل بيتاً شعرياً بلغة مجهولة بالنسبة إليه، بفارسية مزيفة، ويقوم بترجمته إلى الألمانية. تأليف لغة أمر في غاية السهولة، يعرف هذا كل الأطفال الذين صنعوا قواميس سرية لأنفسهم فقط، أو بين أصدقائهم المقربين، لكن تذكرها هو المعضلة. امتلك الضابط النازي عنصر القوة، الورقة والقلم، الذاكرة المدونة، وإمكانية العودة إلى سجلات المفردات كلما أراد. من يملك الوثيقة هو من يمتلك اللغة، لا من يصنع المفردات. يجد جيل وسيلته الشاقة للتذكر، ربط كل مفردة من مئات الكلمات التي اخترعها مع اسم واحد من سجناء المعسكر، ويمنح معنى لكل وجه، ومعه صلة عشوائية ثلاثية الأركان، بين الصوت والمعنى والصورة. تتحول إقامة جيل إلى كابوس يومي من تمارين التذكر، والرعب من زلة واحدة، فالنسيان يعني الموت، وأمام كل وجه يعيد تكرار الكلمة لنفسه ومعناها، ومع كل موت لأحد السجناء تصبح الكلمة وثيقة للبربرية والمذبحة.  
لكن فارسية جيل الخيالية، تتحول إلى واقع. أي شيء يمكن أن يغدو حقيقة مع التكرار. تبتلع اللغة مؤلفها، فحتى عند سقوطه مريضاً، وفي غيبوبته تخرج هلوساته بالفارسية، مع الوقت تنبسط اللغة الكابوس أرضية للتواصل بين السجين وجلاده، علاقة حميمية من نوع مَرَضي تنشأ بين الاثنين، برابطة من التواطؤ الذي تمنحه لغة مشتركة. هكذا، يضعنا "دروس الفارسية"، أمام الطبيعة الوحشية والمزدوجة للغة، كخلاص وبالقدر نفسه كجحيم، اللغة الخرافة والحقيقة، ومفرداتها كعلاقة وتهديد وسلطة كما أنها طريق وحيد للنجاة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب