آخر تحديث:09:04(بيروت)
الأحد 14/02/2021
share

الريبة في حضرة لقمان سليم

حسن الساحلي | الأحد 14/02/2021
شارك المقال :
الريبة في حضرة لقمان سليم اعصتام صامت تضامني مع لقمان سليم في ساحة سمير قصير(المدن)
عندما التقيت لقمان سليم ومونيكا بورغمان العام الماضي، للتعاون معهما ضمن مشروع "أمم" و"منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية"، شعرت بشيء من القلق والريبة، مع أني كنتُ متحمساً للمشروع الذي يهدف جزء منه إلى تدوين شهادات سجناء سابقين. 

كانت الاتهامات بالعمالة والتخوين، التي استعيدت ضد لقمان خلال ثورة 17  تشرين، وراء تلك المخاوف. ورغم قناعتي بتفاهتها وبطلانها، ومعرفتي التامة بأنها تنطبق على حلفاء "حزب الله" قبل اعدائهم. مع ذلك، فقد كانت تلك الاتهامات قادرة على زيادة الارتياب، كأن لقمان سينقل إليّ "خيانته" بالعدوى المباشرة، لأصبح أنا أيضاً خارجاً على الطاعة ومتهماً بالعمالة.
عززت المخاوف عندي، "شيعية" لقمان، وتواجده في منطقة محسوبة على "حزب الله"، خصوصاً أني أعرف من تجارب أقارب لي، أن عقوبة معارضة الحزب من داخل الطائفة تساوي أضعافها من خارجها، لأن الحزب ببساطة يظن أنه يمتلك سلطة أكبر على أبناء طائفته الذين، إن خالفوه، لا يراهم كمعارضين كما أبناء الطوائف الأخرى، بل كخونة وعملاء يجب عقابهم بشكل أو بآخر (المنطق نفسه موجود في إيران، إذ جاء في شهادات سجناء لبنانيين شيعة تطوعوا مع الجيش العراقي خلال الحرب العراقية الإيرانية، أنهم، في السجون الإيرانية، تعرضوا للتعذيب والتنكيل بشكل أكبر مقارنة بالسجناء اللبنانيين السنّة).

 حين أفكّر اليوم بأصول تلك المشاعر، تعود إلى ذهني أحاديث سمعتها في منزلنا، عن ضريبة معارضة حِزبَي البيئة الشيعية. تحضرني مثلاً صورة متخيلة في رأسي لشخص أخبرتني عنه أمي مرة، كان قد قُتل في برج البراجنة بعد هيمنة حركة "أمل" على المنطقة، وبدأ الناس يبصقون على جثته خلال مرورهم قربه، لأنه بالنسبة إليهم "ملحد" و"كافر" كما أخبرتهم الدعاية التي أشاعتها حركة "أمل" عن أبناء اليسار اللبناني.

حتى عائلتي القريبة طاولتها اتهامات بالإلحاد خلال الثمانينات. مثلاً أبي، استُهدف بتُهم من هذا النوع بعد محاولته بناء مستشفى في الهرمل، عن طريق أحد الأحزاب المدعومة من ليبيا. قيل في خطبة الجمعة أنه "كافر" و"يريد بيع دماء موسى الصدر"، ما أدى إلى تراجع أعضاء اللجنة التي كان يفترض أن تتسلم المشروع وتشرف على إدارته، خوفاً على أنفسهم. في النهاية، تحولت الأموال لبناء مدرسة في بلدة قريبة من الهرمل، تقع خارج سيطرة حركة أمل. 
يبقى مصير هذا المشروع أفضل من مصائر مشاريع أخرى، من مؤسسات وتعاونيات وجمعيات، تم تأسيسها في البلدة من قبل ناشطين في المجتمع المدني، ومن بينهم أبي، قبل أن تتم إزاحتهم من إدارتها بعد ضغوط سياسية، ليوضع مكانهم محسوبون على الثنائي الشيعي، لا يمتلكون أي معرفة بالإدارة، ما يؤدي في النهاية إلى توقف تلك المشاريع عن العمل. 

تعيد أمي هذه القصص أمامي من وقت إلى آخر، متذمرة غالباً من انتقادات أبي الدائمة لسياسات الحركة والحزب، ما سبّب لنا مشاكل عديدة، من بينها حرمانها من الحصول على وظيفة ثابتة بشهادتها في التمريض، بسبب هيمنة الحزب والحركة على المؤسسات الخاصة والرسمية الموجودة في البقاع الشمالي. وهي الضريبة التي كان يفترض أن يدفعها أبي، وليس هي، لأنه صاحب الآراء التي تطلب أمي باستمرار أن نقولها في مجالسنا الخاصة وليس في الأمكنة العامة. 

من ناحيتي، لم أعِش فعلياً هذه الأحداث التي حصلت خلال طفولتي أو قبل ولادتي. فأنا من جيل (ولد في أواخر الثمانينات) تفتّح وعيه السياسي على وقع الاغتيالات التي حصلت بعد العام 2005، أي في فترة كان خلالها النفوذ السياسي للحركة والحزب قد اكتمل في مناطق الشيعة، ولم يعد نفوذ اليسار الشيعي يشكل أي تهديد يفترض إزاحته. في تلك الفترة، كنت أعيش مع اخوتي في بيروت الشرقية التي سيبدأ بالإنتقال إليها، تدريجياً، المعارضون الشيعة، بعد زيادة التهديدات لهم في الضاحية. ثم بعد عام من ذلك التاريخ، ستندلع حرب تموز التي ستهجّرني من بيروت، بعد تحوّل شقتنا إلى ملجأ لأقاربنا الآتين من الضاحية. وبما أن الهرمل كانت لا تزال آمنة نسبياً، ولم تُستهدف سوى بضربات قليلة، قررتُ الذهاب إليها كي لا أترك أهلي وحدهم. 

وصلت إلى الهرمل لأنتبه الى وجود شخصين بشكل شبه دائم بالقرب من منزلنا. لم أفهم يومها ما الذي يحصل! كيف يمكن أن يشك هؤلاء في عمالة شخص مثل أبي الذي يعتبر أحد أوائل الذين أدخلوا الفكر العروبي إلى الهرمل، أو في عمالة أمي وهي التي عاشت جزءاً من طفولتها وشبابها في مخيم برج البراجنة، كفلسطينية ملتزمة بالقضية اكثر من الفلسطينيين ربما (حين درست التمريض في الاتحاد السوفياتي، بمنحة كانت فيها اللبنانية الوحيدة بين 25 فلسطينية، لم يعرف أساتذتها أنها ليست فلسطينية خلال سنوات الدراسة!).

تكرر الأمر نفسه مع اندلاع الحرب السورية ودخول "حزب الله" المعارك إلى جانب نظام الأسد. لكن، هذه المرة، كان تركيز عيون المخبرين على أقاربي "السنّة"، الذين لجأوا إلى بلدتنا هرباً من الحرب الأهلية في العراق. في الوقت نفسه، كانت عائلات من العشائر تعارض الحزب علناً في الهرمل، وتقتل منتمين إليه في أكثر من مناسبة. المثير للإنتباه، أن تلك الحوادث انتهت من دون انتقام من الحزب الذي ترك بعض العشائر "تعفّش" مناطق شاسعة من أراضي السوريين المحتلة في القصير كنوع من الرشوة لإبقائها إلى جانبه.  

فمنذ دخوله منطقة بعلبك الهرمل في الثمانينات، يتعامل الحزب مع هؤلاء بحذر وروية، على عكس تعامله مع معارضين في مناطق شيعية اخرى. فبيئات هذه المجتمعات لا تزال عصية على الهيمنة الإيديولوجية لحزب الله، وهي ترفع من وزن اللُّحمة العائلية على الانتماء المذهبي، والحزب يخشى الدخول في صراع معها، لأن ذلك يمكن أن يؤدي الى خسارته عشرات آلاف الأصوات والمخاطرة في جرود الهرمل التي تسيطر عليها العشائر وتُستعمل في الوقت نفسه لتدريباته العسكرية.
هذا على عكس الوضع مع ابناء الجنوب والضاحية الذين يهيمن على مجتمعاتهم الحزب بشكل اكبر، وبإمكانه فرض ما يريد من قوانين وأعراف عليهم بدون الخوف من التبعات (مثلا تمكن الحزب من منع المشروب في الجنوب والضاحية لكن في الهرمل لا يزال يباع بشكل طبيعي).
 لذلك، كان ابن الضاحية لقمان سليم وحيداً في معارضته الحزب، مثله مثل اي معارض في الجنوب، لأنه فقد الحماية المجتمعية والعائلية التي تسمح له بالمغامرة (بما أننا نعيش في بلد محكوم بقوانين المجتمع البدائية وليس بالقوانين المدنية) وأصبح المؤمنون به وبمشاريعه الثقافية، خائفين ومرتابين منه (كما في حالتي) أكثر من خوفه من أعدائه، تحديدا كما كان الحال مع اليساريين الذين تكفلت الاتهامات بالخيانة والعمالة بإخراجهم كليا من عباءة جماعاتهم، ليصبحوا هم أيضاً محط شك وريبة من أقرب الناس إليهم، وفي النهاية كان قتلهم مباركاً من "بيئاتهم" التي ستحتفل ربما بهذا القتل، كي لا تتهم هي أيضاً بالخيانة...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها