آخر تحديث:18:50(بيروت)
الخميس 11/02/2021
share

لقمان سليم... في جفن الردى وهو نائمُ

المدن - ثقافة | الخميس 11/02/2021
شارك المقال :
لقمان سليم... في جفن الردى وهو نائمُ
اختارت عائلة محسن سليم أن ترفع نصباً تذكارياً لابنها للراحل لقمان سليم في صدر حديقة الدار في حارة حريك، لما تمثله الدار(الواحة البيئية والثقافية) من دلالات في حياة الراحل ويومياته ومكان عمله ومركز مؤسساته وأرشيفه وهنغار عروضه ولقاءاته... وقد أمضى لقمان حياته مثقفاً وناشطاً معارضاً شرساً لبيئة حزبية تحيط ببيته، وكثيراً ما هُدد بكاتم الصوت مرفقاً بمقالات تحريضية تدعو الى تحسس الرقاب...

واختير النصب رخامة على شكل دائرة، كتب فيها: "هنا يحيا في الفردوس الأعلى بطلٌ من لبنان"... وقد حملت اللوحة بيتاً شعرياً بأحرف ذهبية كتبت بقلم خطاط، أنشده المتنبّي أمام سيف الدولة، قائلاً: "وقفتَ وما في الموت شكٌّ لواقفٍ كأنّك في جفن الردى وهو نائمُ"...

وشاركت في مراسم الصلاة مجموعة كبيرة من الناشطين والمثقفين ورجال الدين من مختلف الطوائف، وتضمنت الصلاة تلاوة قرآنية، والفاتحة، صلاة الأبانا، دعاء مشتركاً، وتعزية، وبعد الصلاة، ألقت والدة سليم، سلمى مرشاق كلمة العائلة، إلى كلمة سفراء الدول الحاضرة المراسم، وترتيلة "أنا الأم الحزينة"...

ثمة أبعاد رمزية لإقامة نصب تذكاري في الدار، في الشكل والمضمون... فالدار هي من بقايا ساحل المتن الجنوبي الآفل بالعمران الجديد، يوم كانت الأحياء والحارات تسمى بأسمائها، قبل أن يتحول كل شيء في وجدان المؤدلجين الحزبيين الى "ضاحية". ولا تزال دار سليم تحافظ على حديقتها وأشجارها ونباتها وربما عصافيرها، وثقافة أهلها المغايرة للسائد، من الناحية السياسية على وجه الخصوص. فالوالد محسن سليم كان محامياً وينتمي الى التيار الشمعوني، ونادى باللبنانوية في زمانه.

البُعد الثاني هو النصب في الدار نفسها، إذ غالباً ما تلجأ الجماعات السياسية والعائلية والحزبية إلى اقامة أنصاب في الساحات العامة أو عند المنعطفات والمفارق، والغاية تذكير الناس بأهمية الراحل ودوره، وأحياناً تكون الأنصاب ضرباً من الاستفزاز لشخصيات مارست القتل، بينما عائلة سليم اختارت ان يكون النصب في دارتها (أي ملكيتها الخاصة المحايدة من جهة، والمعارضة من جهة ثانية فهي في قلب الضاحية حيث يسيطر حزب الله)، لتتحول الدار رمزاً عاماً، في مواجهة ثقافة النسيان التي يسعى غلاة سياسة كاتم الصوت إلى تعميمها على اللبنانيين عموماً والمعارضين خصوصاً. 

البعد الثالث أن عائلة سليم اختارت النصب أن يكون على شكل دائرة، وليس مربعاً أو مثلثاً أو مستطيلاً، والنافل أن الدوائر تعد من أقدم الرموز الهندسية، وتمثل الوحدة واللانهاية. سمّى فيثاغورس الدائرة "أحادية"، وهي أكثر الأشكال إبداعًا، متصلة ودائمة، بلا بداية أو نهاية، بلا جوانب أو زوايا. لقد ربط الدائرة بالرقم 1 وممارسة التوحيد. وترمز الدائرة الى التنوير والكمال في وحدة مع المبادئ الأساسية، وأحياناً تمثل الدائرة مركز العالم. وللدائرة معانيها المختلفة في التصوف والحضارات والفلسفات... ويستخدم ابن عربي في إشاراته الإلهية قوله: "لو علمتَه لَمْ يَكُن هُو، وَلو جَهلَك لَمْ تكن أنت: فبعلمه أوجدَك، وبعجزك عبدتَه! فهو هو لِهُوَ: لا لَكَ. وأنت أنت: لأنت وَلَهُ! فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك. الدائرةُ –مطلقةً– مرتبطةٌ بالنقطة. النقطةُ –مطلقةً- ليست مرتبطةً بالدائرة. نقطةُ الدائرة مرتبطةٌ بالدائرة"...

أما بيت المتنبي الشهير المحفور في الرخامة الدائرية، فهو أولاً تذكير بالحب الذي يكنّه الراحل لشاعر العرب، ولطالما قرأه واستنبط من لغته. وثانياً، اختير البيت بديلاً من العبارات الدينية المقدسة التي توضع عادة على شواهد القبور والمقامات والأضرحة. لقد كان لقمان شخصية ثقافية، وأرادت العائلة أن تكون الشاهدة ثقافية. وهذه ليست المرة الأولى التي تتضمن شاهدة نصب، بيتاً شعرياً، فالكثير من الفلاسفة والأدباء والشعراء يختارون هذه الطريقة للتعبير عن حال الغياب.

والبيت الذي قيل في مدح سيف الدولة، له قصته ومعانيه. في شرح ديوان المتنبي، يقول عبدالرحمن البرقوقي، (توفي العام 1944): "وقفت في ساحة القتال حين لا يشك واقف في الموت؛ لشدة الموقف وكثرة المصارع فيه، حتى كأنك في جفن الردى وهو نائم فلم يبصرك وغفل عنك بالنوم فَسَلِمْتَ. قال الواحدي: سمعت الشيخ أبا معمر الفضل بن إسماعيل القاضي يقول: سمعت القاضي أبا الحسين علي بن عبد العزيز يقول: لما أنشد المتنبي سيف الدولة هذا البيت والذي بعده أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عجزي البيتين على صدريهما، وقال له: كان ينبغي أن تقول:
وَقَفْتَ وَمَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ
وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الْأَبْطَالُ كَلْمَى هَزِيمَةً
كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهْوَ نَائِمُ
ثم قال: وأنت في هذا مثل امرئ القيس في قوله:
كأني لم أركب جوادًا لِلَذَّةِ
ولم أتبطَّن كاعِبًا ذاتَ خلخالِ
ولم أسْبأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولم أقُلْ
لخيلي كُرِّي كَرَّة بعد إجفالِ
قال: ووجه الكلام في البيتين على ما قاله العلماء بالشعر أن يكون عجز الأول مع الثاني، وعجز الثاني مع الأول، ليستقيم الكلام، فيكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالسكر، ويكون سباء الخمر مع تبطن الكاعب. فقال أبو الطيب: أدام الله عز مولانا، إن صح أن الذي استدرك هذا على امرئ القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعرف أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف جملته وتفصيله؛ لأنه أخرجه من الغزلية إلى الثوبية، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى ليجانسه، ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسًا، وعينه من أن تكون باكية: قلت:
ووجهك وضاح وثغرك باسم
لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله بخمسين دينارًا من دنانير الصلات وفيها خمسمائة دينار. قال الواحدي: ولا تطبيق بين الصدر والعجز أحسن من بيتي المتنبي؛ لأن قوله:
كأنك في جفن الردى وهو نائم
هو معنى قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف
فلا معدل لهذا العجز عن هذا الصدر؛ لأن النائم إذا أطبق جفنه أحاط بما تحته، فكأن الموت قد أظله من كل مكان كما يحدق الجفن بما يتضمنه من جميع جهاته، فهذا هو حقيقة الموت. وقوله: «تمر بك الأبطال» هو النهاية في التطابق للمكان الذي تُكْلَم فيه الأبطال فتكلح وتعبس، وقوله: «ووجهك وضاح» لاحتقار الأمر العظيم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها