آخر تحديث:12:32(بيروت)
الثلاثاء 09/11/2021
share

زينب مرعي في "منزلها"... الاختناق في علاقة البنت بأمّها!

جان هاشم | الثلاثاء 09/11/2021
شارك المقال :
زينب مرعي في "منزلها"... الاختناق في علاقة البنت بأمّها! زينب مرعي
تغوص زينب مرعي في روايتها "منزل عائم فوق النهر" (دار نوفل، بيروت، 2021) في العلاقات التي تربط الأم بأولادها، بناتها على الأخصّ، عبر استعادة قصّة مسار عائلة، ويجوز القول سلالة، على مدى ما يقارب ثلثي قرن من الزمن، من مطلع خمسينات القرن الماضي حتى العام 2018.


تمتدّ الرواية على خمسة أزمنة في خمسة أقسام. فهناك زمن ليلى، الموزّع على قسمين، الأوّل (ليلىI) وهو يشكّل فصل البداية من طهران في العام 2018، والثاني هو القسم الخامس الأخير من الرواية (ليلى II).

في القسم الأوّل(ليلى I - طهران 2018 ) تحكي ليلى، الراوية، من طهران، عن ذاتها، كيف تعيش كابوساً، هو كناية عن صورة جثّة ما زالت تلاحقها، تتراءى لها تطفو على وجه النهر في أشكال وأوضاع متعدّدة. لا نلبث أن نعرف أن هذه جثّة أختها، التي قتلتها، ربما، هي وأمها، لكن الأمر الأكيد أنّها عاونت أمّها على حملها ورميها في النهر. وطوال الفصل الأوّل يتهيَّأ للقارئ أنّ هذه الصورة تؤرّق ليلى وتجعلها مضطربة، في حياتها ونظرتها إلى الأماكن وفي علاقاتها بالآخرين، بدءاً من زوجها أو حبيبها بنيامين، إلى زملائها وأصدقائها في العمل. بنيامين تركها مستاءً، بسبب علاقة سابقة، مشبوهة أو غامضة، مع شخصٍ يدعى شيرو، ويبدو أنّها أخفت قصة علاقتها به عن بنيامين. في ظلّ هذه الحالة المضطربة يردها اتّصال من بيروت، من الممرّضة نجلا، تنبئها بأنّ أمّها فاطمة أصيبت بانهيار عصبيّ شديد. لكن ليس الانهيار بحدّ ذاته ما جعلها تقرّر العودة إلى بيروت، رغم تأكيد الممرّضة أنّ وضعها على تحسّن، بل ما أخبرتها به عن عبارة ما تزال أمّها تردّدها: "وجدوا ابنتي. مفتوحة العينين تسبح مع الأسماك، وجدوا ابنتي". فتدرك ليلى أنّها لم تتخلًّص من أمها بعد، وأنّ عليها العودة إلى بيروت لمعالجة المسألة.

الزمن الثاني، زمن بديعة، (بديعة 1969- 1949). في هذا القسم الثاني ينتقل السَّرد إلى صيغة الغائب، مع الراوي العليم، الذي يستعيد قصّة الجدّة بديعة التي جرت وقائعها ما بين العامَيْن 1949 و1969. هي الصبيّة البيروتيّة، التي أغرمت بالشاب الأرمني هاروت، وإذ رفض الأهل زواجهما، واجهت بديعة بعناد إلى أن قرّر والدها، الحاج وحيد، كسرها وتزويجها من رضوان، العتال في مرفأ بيروت، والمتأتِئ في كلامه. لم يكن بإمكان بديعة أن ترفض، رضخت من دون أن تتخلّى عن هاروت الذي دأب على زيارتها، لا بل على العيش معها تقريباً في بيتها الزوجي، على عيون الجيران وأهل الحيّ. لم تأبه لألسنة الناس، لا بل واجهتهم بشخصيّتها القوية وفرضت هيبتها واحترامها عليهم. رزقت بولدين، فاطمة ونزيه، وراح أهل الحيّ يتساءلون عمّن يكون والدهما، العشيق هاروت الأرمنيّ، أم الزوج رضوان. ولم يكتفوا بالتساؤل بل كانوا يوجّهون السؤال إلى الولدين نفسيهما، اللذين لا يجدان ما يجيبان به، خصوصاً الصبي نزيه الذي انتهى ميتاً إثر احتراقه ببابور الكاز في ما اعتبرته فاطمة انتحاراً. تنتهي هذه القصة بمأساة، يُقتَل هاروت في ظروف غامضة، وتُنسب الجريمة إلى رضوان على أساس أنّه أراد الانتقام لشرفه، ثم يقتل رضوان ثأراً على يد أحد أقارب هاروت، لتفقد بديعة بذلك رَجُلَيْها، الزوج والعشيق، وتضطّر إلى العمل بنفسها على تربية ولديها قبل موت نزيه وبعده.

الزمن الثالث هو زمن فاطمة (فاطمة 1993-1974 ). أصبحت فاطمة وحيدة، تعاني من اضطهاد وسوء معاملة أهل الحيّ الذين حمّلوها وِزر ما أقدمت عليه أمها فصاروا "يقذفون في وجهها كلّ ما كانوا لا يجرأون على قوله لأمّها"، كما عانت من قساوة أمّها وعدم اهتمامها بها، وسخريتها من أمنياتها وطموحاتها. هنا تبرع الكاتبة زينب مرعي في تصوير توق فاطمة إلى الخروج من ذلك الحيّ، الأتون، الذي تعيش فيه، عندما صورتها خارجة من الحيّ متتبعة صوت بيانو في الحيّ الراقي المجاور، إلى أن تصل إلى مصدر الصوت في أحد المنازل... تصبح أمنيتها الحصول على بيانو، ما يثير سخرية أمها منها... تحقّق فاطمة أمنيتها في الخروج من الحيّ عندما تتعرّف بعدنان في الجامعة، وتفضّله على ذلك المغنّي الشهير (مروان الفالح) الذي طلب يدها أيضاً، لكنها تمنّعت بسبب شهرته واغتراره بنفسه كما تصوّرت، رغم إعجابها به وميلها إليه. تتزوّج عدنان، الخارج من حالة إدمان على الكحول، بعدما وعدها بالسفر وبالبيانو الذي منّت نفسها بالحصول عليه أخيراً... لكن عدنان الذي استكمل دراسته الجامعيّة وأمّن وظيفة مهمّة كمذيع في إحدى المحطّات الإذاعيّة، أخلّ بوعده وتخلّى عن فكرة السفر. انتقاماً منه، تعمل على إعادته إلى شرب الخمرة، وتسهّل غرقه في الإدمان مجدّداً لينتهي بهما الأمر إلى الانفصال، بعدما رزقت منه بابنتين، بانة وليلى. تحضنهما فاطمة بقوّة مانعة عليهما التعاطي مع الرجال ومحظّرة أي علاقة واعدة أو عابرة بجنس الذكور...

الزمن الرابع هو زمن بانَة (بانة 2009). أولت فاطمة ابنتها بانَة كلّ اهتمام ورعاية، مميّزة إياها عن أختها ليلى التي لم تستطع فهم أسباب هذا التمييز، والتي لم تنجح محاولاتها المبذولة في لفت انتباه أمّها إليها وكسب شيءٍ من عطفها. واستغلّت بانَة هذه المعاملة، متشوّفة في غرورها على أختها. حرصت بكل ما أوتيت على العمل على إرضاء أمّها لكي تبقى مستأثرة بتفضيلها لها، ولم يتسنَّ لها الوقت لتلتفت إلى ذاتها وتتأمّل في ما هي عليه أو في ما تتطلبه منها حياتها الاجتماعية والعاطفية والجسديّة خارج قوقعة فاطمة، إلى أن وقعت في غرام شاب في الجامعة، ربيع، الذي أوقع بها وقادها إلى علاقة غريبة الأطوار مشبوهة، إذ بدا أنّه اتّخذها ضرّة لزوجته الثانية... تنقاد بانة وراء مشاعرها الجديدة العمياء، وفي سذاجتها أو صدقها أو غرورها الزائد، وثقتها بنجاحها، تتحوّل إلى خادمة وراعية أطفال في منزل ربيع حتى قبل الزواج. ترتاب الأم فاطمة في تصّرفاتها، تراقبها وتلاحقها إلى أن تكتشف أمرها وتصبّ جام غضبها عليها، وتدفعها من حيث لم تشأ إلى الانتحار... وبدلاً من أن تدفنها بالشكل اللائق، لفّت جثّتها بسجادة، وأجبرت ليلى على حملها معها ونقلها لرميها في النهر... وتكتّمتا على السرّ.

الزمن الخامس هو زمن ليلى الثاني (ليلى II-2018)، ليلى في حياتها الجديدة بعيداً من أمّها التي دخلت السجن لطعنها زميلة لها بالسكين، ثم نقلت إلى مستشفى الأمراض العصبيّة. بعد اتّصال الممرّضة تعود إلى بيروت لتكتشف، بل تتأكّد أنّ أمّها تعي ما تفعله، وكل ما أرادته هو رؤية زوجها بنيامين وإلا... فضحت أمرها، أي اتّهمتها بقتل أختها وبمشاركتها في نقل الجثّة ورميها في النهر. ما زالت أمّها تلاحقها إذن، محاولة، كما دوماً، تدمير حياتها كما دمّرت حياة أختها بانة. تقرّر هذه المرّة المواجهة وحسم الأمر. تتدبّر حيلة للإيقاع بأمها، لتثبيتها في جنونها وعزلها عن الناس والمجتمع ولكفّ شرّها عنها...

تتناول الرواية إذن سيرة نساء معذّبات محكومات بقرارات الأهل، وبعادات المجتمعات التقليديّة وتقاليدها وأعرافها، وبظروف العيش القاسية وسط الفقر والحرمان. لكنّهن نساء ذوات شخصيّات قويّة، حاولت كلّ منهنّ المواجهة والتحدّي على طريقتها. ويمكن النظر في موضوع الرواية على مستويَيْن:

المستوى الأوّل هو المستوى الاجتماعي، أي موقع المرأة في مجتمع تقليديّ محافظ، من منتصف القرن العشرين وحتى الثلث الأوّل من القرن الحادي والعشرين، حيث تبدو مستضعفة وامتثاليّة، وإذا ما خرجت على أعراف مجتمعها تطلبّ منها ذلك قوّة في الشخصيّة وجرأة في التحدّي، وقسوة في التصرّف والسلوك تنعكس حتى على أفراد عائلتها، نتيجة ما اكتسبته من ثقة زائدة في نفسها، وربما بفعل أنانيتها او خوفها وحرصها الشديد على أفراد العائلة. لكن المجتمع الامتثالي بدوره لا يرحم، وهو إن تهيّب مواجهة المرأة المستقوية، مال بإدانته وأحكامه وعنفه المعنوي والجسديّ ناحية الأولاد المستضعفين الذين يدفعون الثمن مرّتين، مرّة في المجتمع ومرّة مع الأمّ في البيت العائلي.

والمستوى الثاني هو المستوى السيكولوجيّ، حيث نرى الكاتبة تهتم بتحليل شخصيّاتها وإظهار انعكاسات وتداعيات الحياة الاجتماعية، وتصرّفات الأهل على نفسيّات الأولاد وسلوكهم بالتالي. بديعة رفضت وزَنَتْ وتحدّت في المفهوم الدينيّ والاجتماعيّ عندما أتت بعشيقها إلى منزلها. لكن ولديها هما اللذان دفعا الثمن، نزيه انتحر أو مات وحيداً مقهوراً، وفاطمة حملت معها عقدها عندما اعتقدت أنّها تحرّرت في الجامعة وفي زواجها، لكنها واجهت بالتحدّي والمواجهة نفسيهما عندما تعرّضت للمهانة أو الخديعة من زوجها، وأبدت القسوة نفسها في مواجهة الزوج إذ عملت على تدمير حياته قبل أن تهجره. لكن عقدها النفسية انعكست على ابنتيها، فهي في كرهها الرجال وفقدانها الثقة فيهم بعد تجربة زواجها الفاشل وانهيار علاقتها بعدنان، انقلبت على ابنتيها لتحضنهما بقوة وتنحني عليهما مانعة عليهما كلّ علاقة بذَكَر. وإلام يفضي ذلك؟ إلى انتحار بانة عند أوّل تجربة لها، لأنّنا "نشعر بالذنب دوماً تجاههنّ" (الأمّهات)، ثمّ إلى خسارة ليلى، لا بل كسب كراهيّتها وعدائها، وبالتالي دفعها إلى التخلّي عنها نهائيّاً.

من الناحية السيكولوجيّة يمكن التوقّف عند شخصيّتي بانة وليلى، بما نلمسه من تناول الروائيّة قضية العلاقة بين الأم والبنت. الأم فاطمة عانت إهمال أمها بديعة واستخفافها بها وسخريتها منها... فانعكس ذلك ربما، رغبة جامحة عندها في حماية ابنتيها من جنس الرجال على الأخصّ بعد ما عانته هي نفسها منهم. فبدت هنا كالأم التي تقتل أولادها لحمايتهم من خطر ترى أنّه يترصّدهم، وهي هنا أشبه بأنثى حيوان "الهامستر" التي تأكل أولادها معتقدة أنها تعيدهم إلى جوفها حيث يبقون في أمان كما كانوا في فترة الحمل. أما الإبنة فتنقاد لأمّها من دون أن تدري أو تحسّ بأنّها تخنقها، ترى فيها مثالها وتتوهّم أنّها تشكّل معها ثنائيّاً متكاملاً، فتقابل إحاطة أمها بها بالعناقات والرقّة والحنان والطاعة والخضوع، إرضاء لها واستدراراً لعطفها. هذا ما نلمسه عند بانة في الرواية، وما كان موضع شكوى وتذمّر صامت من ليلى التي بقيت طوال حياتها في المشهد الخلفيّ، لا تفهم لماذا تعاملها أمّها بهذا الإهمال، ولا تنجح كلّ محاولاتها، على غرار ما فعلت بانة، في اجتذاب انتباه أمّها وكسب عاطفها واهتمامها. لكن أمراً إيجابيّاً نتج من ذلك، وهو أنّه بقي لليلى، المنكفئة قسراً إلى المرتبة الثانية، الباقية في المؤخّرة، متنفَّس لتكوّن شخصية شبه مستقلّة عن أمّها ساعدتها في ما بعد على التحرّر منها كما تمنّت دائماً، "أتمنّى لو يمكنني فقط أن أنسى وجودها وأرتاح، لكنها أمّي مجدّداً وهذا ما تفعله الأمّهات...". لكن، كلّما ازدادت ضغوط أمها عليها، وكلما أحسّت بخطرها على حياتها وسعادتها تمنّت التخلّص منها حتى ولو بالقتل الذي نَوَت عليه "سأقتلك أمّي. أقسم إنني سأفعل..."، مع أنها عاجزة عن ذلك، وأمّها تدرك عجزها هذا ولذلك تتمادى في إيذائها. لكنّ ليلى تتّخذ في النهاية قرارها الخلاصي وتُقدِم.

يمكن القول إنّ ليلى وبانة هما حالتان في شخصيّة واحدة، شخصية البنت التي تجد في نفسها نزعتين، نزعة الخضوع والانقياد للأم، ونزعة التمردّ والتحرّر منها. هذا التماهي بين الاثنتين نلمسه في الكثير من الإشارات التي تضمّنتها الرواية، "أنا على ضفّة النهر ذاته... لأتنبّه إلى أنها هي أيضاً كانت ترتدي ثوب النوم ذاته الذي كنت أرتديه"... "كأنّني أنا المرميّة في الماء بلا حيلة"، وفي وصفها الكابوس في مكانٍ آخر "كلا! لا يأتي الكابوس من فراغ (...) هو يخيفنا فقط لأنّه يخبرنا بشيء عن أنفسنا (...) وأنا كابوسي هو أختي". بذلك تتحوّل الحالة إلى صراعٍ داخلي في نفس الإبنة الواحدة، صراع بين الطاعة العمياء، وبين الرغبة الجامحة في التحرّر. وما موت بانة سوى سقوط الرغبة في الانصياع والانقياد، وما قرار ليلى بالتمرّد على أمّها وتثبيتها في جنونها، أي بقتلها معنويّاً، سوى انتصار هذه الروحيّة والخروج النهائي من كنف الأم الضاغط.

تتّخذ الرواية إذن طابعاً سيكولوجياً- اجتماعيّاً، مصوّرة ما ينطبع في نفس المرأة من مؤثّرات المجتمع عموماً، ومن تأثير الأم بنوع خاص. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك ما بيّنته الكاتبة من تأثير العامل الوراثي في تشكّل الشخصيّات وتحكّمه بتصرفاتها، وذلك على غرار أصحاب المذهب الطبيعي (إميل زولا، نجيب محفوظ وغيرهما) الذين عالجوا هذه المسائل في رواياتهم انطلاقاً من علم الوراثة الذي يؤكّد احتفاظ المورثات (الجينات) عبر الأجيال بمجمل الصفات التكوينيّة للفرد، وهي إن خبتت ولو لأجيال، قد تعود وتظهر في فرد أو أفراد من أبناء السلالة نفسها. وهذا ما ألمحت إليه زينب مرعي في غير مكان من الرواية، "أعرف أنّ السعادة ليست لنا، نحن نساء هذه العائلة الملعونة. جدّتي، ووالدتي، بانة وأنا". الأنانيّة، التمرّد، الخروج عن المألوف، القسوة والشراسة، وروح التحدّي والمجازفة... وغيرها، كلّها صفات نجدها في بديعة وفاطمة وبانة وليلى وإن بأشكال متفاوتة.

عالجت زينب مرعي هذه الموضوعات في روايتها هذه عبر بُنية روائيّة فنّية مدروسة ومتقنة، وازنت فيها بين السّرد والتحليل والوصف، عنيت بأدق التفاصيل المساعدة في الإضاءة على الشخصيّات والحالات، وكذلك بالسّرد المنساب بسلاسة في لغة متينة ومتماسكة. تبدو هذه العناية من الاهتمام بتوزيع الأقسام والفصول وأحجامها، بما حقّق توازناً لافتاً في الرواية.

فالأزمنة الخمسة المذكورة أعلاه موزّعة إذن على خمسة أقسام، متفاوتة الحجم، القسمان الأوّل والأخير متساويان (عشرة فصول لكل منهما) يرويان الزمن الحاضر، ليلى في تخبطّها في حياتها الخاصّة وفي صراعها الداخليّ، ومع أمّها ولو من بعيد، في طهران وبعدها في بيروت، ثم في القسم الأخير هذا المخاض المؤلم الذي أفضى في النهاية إلى قرار التخلّص من حكم الأمّ والنجاة من براثنها. وما بين القسمين أقسام ثلاثة متساوية الحجم تقريباً في ما بينها (ستّة فصول، ثمّ خمسة، ثم فصل واحد موزَّع على فقرات) فيها استعادة مطوّلة لتاريخ العائلة، أو السّلالة، من الجدّة بديعة، إلى الأم فاطمة، إلى الشقيقة بانة، وطبعاً في كل الحالات إلى ليلى الراوية، الشخصيّة الأولى في الرواية. وذلك في بنية روائيّة خطّية في الأقسام الثلاثة المتضَمَّنة بين القسمين الأول والأخير، والتي شكّلت استعادة مطوّلة ضروريّة لفهم الحالة التي تعيشها ليلى وسلوكها المفضي إلى الوضع النهائيّ في الرواية.

وقد عرفت مرعي كيف توازن بين هذه الأقسام باعتمادها إيقاع يبدو متباطئاً في القسم الأوّل تكثر فيه الوقفات أو القطع للتركيز على وصف بعض المشاهد من المدينة أو لوصف بعض الشخصيّات، ثم يبدأ هذا الإيقاع بالتسارع ابتداءً من القسم الثاني ليزداد تشويقاً وإمتاعاً في السرد والوصف على حدّ سواء. جميل هو وصف مشهد تأثّر فاطمة بصوت البيانو في الحيّ وانجذابها وراءه وصولاً إلى مصدره. ولافت بتأثيره (المرعِب) وصف مشهد الجثّة العائمة فوق الماء المرعب في أشكال متعدّدة ومختلفة من مرّة إلى أخرى. ومعبّر هو وصف تحولّ شكل وجه فاطمة لتصير شبيهة البومة أو "غولوم"، بما يعكس نفسيتها القاسية السوداء، وتصبح ذاك الوحش شكلاً ونفسيّةً، "فاطمة التي يفضح شكلها كلّ ما فيها!". ولافت أيضاً نقلها الحياة اليومية في دورة الشارع البيروتي... ولا تخلو الرواية من إضحاك مُرّ، وتصوير لا يخلو من سخرية لشخصيّات طريفة من المجتمع البيروتي، كما في الحوار بين بديعة وأمّها يوم أرادت ان تفرض عليها لبس الحجاب، بعد الزلزال الذي ضرب بيروت واعتبرته الام نتيجة الكفر. وكذلك في تصوير مشهد ارتعاب فاطمة يوم زارتهم أمها بديعة، فطلبت من البنتين الاختباء "اختبئوا" كما كانت تفعل عندما يبدأ القصف في أيام الحرب. توفّق مرعي في اختيار مفرداتها وإنزالها في مكانها، نضحك عندما نعلم أن صرخة "اختبئوا" هي رمز "كود حربيّ". وكذلك عندما غاب أحد رفاق والد عدنان عن طاولة الخمر، فشعر هذا الوالد باختلال التوازن بسبب فراغ الكرسيّ فنادى عدنان و"ملأه به".

رواية منزل عائم فوق النهر، تنطلق من النفساني والاجتماعي، لتعالج قضية المرأة والناس العاديّين في مجتمع ما يزال يتخبَّط في معتقداته وعاداته وتقاليده. إنّه منزل الإقامة على أساس مائيّ رخو وزلق يجري بنا إلى أقدار لا يمكننا تحديدها ولا تغييرها إلا بالخروج من المجرى كما حاولت أن تفعل ليلى لتتخلّص من هذه اللعنة المتوارثة في سلالتها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها