آخر تحديث:12:06(بيروت)
السبت 06/11/2021
share

الطفل الذي يحتاج الحرية... صباح فخري نموذجاً

أدهم حنا | السبت 06/11/2021
شارك المقال :
الطفل الذي يحتاج الحرية... صباح فخري نموذجاً كانت هذه النشوة، لنا وله، هي أثر سورية الخفي: إنَّها المرأة والله والحرية (غيتي)
لا يمكنُ وضع تعريفٍ لفكرة الموت لدى السوريين لأنَّ الموتَ مثلُ أيِّ شيءٍ آخر؛ محصورٌ ضمن حدودِ اللُّغة وما يمكن خلقه داخلها من خلالِ ارتباطاتها الاجتماعيَّة. هناك فكرةٌ اختزاليَّة في الموت الخصوصيِّ ذي الطابعِ الأهليِّ، وهناك نمطٌ آخر هو الموت العموميِّ الذي يضاف إليه أثر الإنسان؛ أعماله وفنّه وانتماءاته، بكلماتٍ أخرى: تأثيره والمعنى الذي أدركه المجتمع عن هذا الشخص وحياته. وكلُّ أشكال هذا الموت محكومةٌ بما تقرره السُّلطةِ السياسيَّة وتسمح به من إعلان هذا الموت أو تداول خبره على أنَّه مأساة وطنيَّة.

يُشكِّل موت صباح فخري صورة ثانيةً لموت الفنان نفسه؛ إنَّه موتٌ فيزيائيٌّ صرف. ففخري، كما قال عنه الموسيقارُ السوريُّ عابد عازرية، قد توقف عن الغناء منذ نهايةِ السبعينيَّات؛ حيث لم يقدِّم فخري بعدها أيَّ جديدٍ أبداً، لكن لا بدَّ من دراسة جديَّة لما استطاع صباح فخري تقديمه خلال وقتٍ قصير؛ لعلَّهُ يبدو بذلك عظيماً على المستوى الفنيِّ والمعرفيِّ.

صباح فخري هو أوَّل من جعل للفنِّ السوريِّ ذاكرةً أو تاريخاً نوعيَّاً، ليس بالاعتماد على استيهامات الإبداع لديه وخصوصيَّتها الفرديَّة فقط، بل بناءً على استيهامات الشعراءِ والأدباء الذين كتبوا في القرنين التاسع عشر والعشرين أيضاً. فالقدود والموشحات التي انتقاها، حملت طابعاً شعريَّاً للغيب الإلهي والأنثوي في آنٍ واحدٍ، وهي مرحلة فنيَّة تحرريَّة خفيَّة وحرجة في تاريخ الشعر ذاته: أولاً، عبر المزج بين الخوف من السطوة الإلهيَّة والعشق المازوخيِّ من جهة، واشتهاء المرأة والتغنَّي بمفاتنها من جهةٍ ثانية؛ ما شكَّل توحيداً للاحتجاب والغيبيَّة في ما يبدو أنثويَّاً وإلهيَّاً في ذات الوقت. ثانياً، من خلال تجسيده لهذا كله بوصفه مسرحيَّاً مؤديَّاً، يملك الجرأة الكافية لنقل التجربة الشعريَّة والشعوريَّة للأنا الفردية القلقة، ثمَّ إطلاق اللحن والصوت، وترسيخ الوجود الفنِّي والمكاني. ثالثاً، رسمه أشكال اللذَّة الجماليَّة التي تتراوح بين الآلهيِّ والهوسيِّ المازوخيِّ اتجاه الإله والأنثى بتضمُّنها الاحتجاج والشوق والحاجة، مع المحافظةِ على طابعٍ تراجيديٍّ في كثيرٍ من مشاهد الحانة لتتشكل مسرحيَّته بأداءٍ مذهل وقدراتٍ صوتيَّة عميقة؛ فيها التقطع وتقاسم الكليَّة الفنية بين أدوار الكورس ومساحات الموسيقا الشرقيَّة.

ولصباح فخري قدرة ممتازة على فهم الشاعريَّة التراجيديَّة التي تكون دائماً من خلال التواصل مع المحبوبة، التي تصل إلى الجمهور في أبهى صور الجمال وأكملها، فقد ترك للألم مساحاتٍ محدودةٍ وازنت بين التعاطف الجماهيريِّ ولذة الألم؛ هذه الاستساغة لما قدمَّه صباح فخري، مرَدُّها إلى الحال السياسية الاجتماعيَّة السورية، كان مؤسسها الحقيقي الشاعر فخري البارودي، الذي منحه صباح أبو قوس لقبه بعدما تبنَّاه. البارودي الشاعر والسياسي السوري الذي واجه السُّلطتين الدينيَّة والسياسيَّة، هو الأب الحقيقي أيضاً لحركة البوح الشعري الأصيل، وقد أتى بالمُلحِّن عمر البطش الذي كان جامع الموشحات الأكبر إلى دمشق، ونقل تجربة الموشح الدينيِّ بتغيير الكلمات الدعائية المتضرِّعة لله، وإعطائها سياقاً إنسانيَّاً شغوفاً بالحبِّ والأنوثة. وقد شهدت سوريا من خلال البارودي حرب المشايخ والمجتمع، حينما أيَّد البارودي تعليم رقصة «السماح الصوفيَّة» للطالبات الدمشقيَّات في الصفوف الابتدائيَّة.

ونُقل هذا إلى صباح فخري فتولَّد الفنان السياقي صاحب الفنِّ الفريد، ولكي تكتمل الصورة انتقل استيهام صباح فخري وجهده في اختزال البارودي والبطش ومجد العقيلي والعشرات غيرهم، وبالتالي اختزال المجتمع كله في نضاله السياسي والتحرري، إلى نقل الشعريَّة الإلهيَّة، والمتعة الفنيَّة وترسخهما في شخصية فخري التي نجحت شعبيَّاً وفنياً وعالميَّاً. الجدير بالذكر، أنَّ معظم ما قدَّمه فخري هو نتاج تاريخ خفي، لم يتم درسه جيداً كنصوص فنية، أو ألحان موسيقيَّة؛ فتاريخ المكتوب المغنى متناقل شفويَّاً، وحائر بين الكتابة الفرديَّة الخائفة من التسلُّط الاجتماعي والمؤسَّسي الدينيِّ، وبين النزعة الاجتماعيَّة وأهوائها.

يبدو فخري ومن ورائه البارودي تحديداً، كأب أو أخ أكبر حرر صباح من صراع الأنا الخاص فيه منذ طفولته التي يتحدث عنها وكأنَّها توقٌ للغياب، مستذكراً صباح ألمه حينما كان أحد أقربائه يقرَصُه ليسمع بكاءهُ العذب المُطرِب، ومسترجعاً لحظاته مع أبيه الذي احتضن حلم ابنه في الغناء على الرغم من تديُّنه، ولم يعارض ترك ابنه رداء الدين واتخاذ صورة الإنسان الحديث المُغني على الملأ. كان طرب صباح فخري يمثِّلُ انتقال اليقين بالمدد الإلهي على أنَّه وحيد وأزلي، إلى وثنية فطريَّة فنيَّة تحمل انفتاحاً وتجسيداً لما يحب ويُرغب فيه؛ فكان انتقاله من ساحة اللاهوت والتدين الواسعة لمرتادي الجوامع، وسكان البيوت المُصلِّين لله في إثر نداءات فخري للصلاة عبر المآذن، إلى مسرح محدد، تقوم فيه أناه الخاصَّة بمواجهة العالم بثقلٍ لم يتخلَّ عنه، ليبدو وكأنه مرتبطٌ بنشوةٍ إلهيَّةٍ حاضرة دائماً، في أثناء قوننة الألحان ولمِّ شملها، وتوزيع مداركها، والأهم من ذلك، فلتاته الطربيَّة المجسِّدة للنشوة الربوبيَّة في رقصة السماح التي كان يؤديها دون النظرِ إلى الجمهور، بل حتى دون النظر إلى فرقته الموسيقيَّة؛ تلك الحالة العظيمة من اللذة والارتقاء، الأشبه بصلة الشيخ بالمريدين في لحظة استحضار نفسيَّة عُلويَّة.

المقاربة التي خلقها صباح بين الإلهي والإنساني؛ مثَّلت نقلةً حداثويَّةً تمثَّلت بصباح فخري كظاهرة تراجيدية وشخصية مسرحية، وهوميروسية -بوصفه جامعاً للشعر- شعريَّة بليغة، وذلك من سمات الحداثة التي طرحها عصر التحرر السوريِّ في الخمسينيَّات، في الاتجاهات المتاحة سياسيَّاً والصراع بين العمل والفن دون إهمال حالة الزهد وترك الدنيا، وتمثيل كل اتجاه فني أو شعري إمَّا بهالة دينيَّة، أو بحالة سلطويَّة مباشرة وسطحيَّة. لكن صباح لم يكن أبداً ممتثلاً لضرورة الحالة السياسيَّة أو الاجتماعيَّة التي يحكمها الموقف، بل بقيت أناه تتحرر من الدينيِّ نحو الوجود الإنسانيِّ في أبسط الأشكال التي يمكن للفنان والإنسان الحقيقي اقتناؤها. فما إن حرَّره البارودي من سلطة الخوف الدينيَّة حتى تسلَّط عليه البعثيون الأسديون، وغرق صباح بين نرجسية أناه التي تملك بُعداً رحيماً صوفياً، وبين نرجسية مشيخة واعية؛ فصفة وشخصية الشيخ بقت فيه رغماً عنه، ولم تملك لقاءاته بُعداً جوهرياً مثقفاً، بل تعجرفاً أقرب إلى الاستعلاء من إنتاج المعنى أو الوعي، فيما انبعثت شخصيَّته الفنيَّة من إبداعه. ولا يمكن لومه على ذلك لأنَّ مرَّده إلى قصور قدرته على الوجود دون معونة هائلة من أشخاص آخرين.

ومع انتهاء عصر الديموقراطية السوريِّ، لم يستطع فخري تقديم أيِّ شيءٍ جديدٍ، ولم ينتبه هو ذاته للأمر، وحتى أفضل موشَّحاته وأكثرها شهرة أو مجمل أغانيه اليوم لا تُعرف معانيها، ولا يُبحث فيها جيداً من قبل الأجيال السورية؛ فالموشحات باتت تراثاً يعبِّر عن الاستعلاء والرقي من جراء لغتها الكلاسيكية، وقلة الوعي الإدراكي للغة بوصفها غير نافعة في مجتمعات مستبدة أصلاً لتكوين ثقافة عموميَّة حواريَّة، أو محاولة التنقيب فيها لفهم زمنها ومعانيها الرمزية.

وحتى انفلات الذائقة وتعددها بات موضع جدل وباباً كبير للتنوع، لكن ما لا يُفكَّر فيه لا تستخدمه اللُّغة كثيراً وهذا شرط (دي سوسور) لبقاء اللُّغة لصيقة بالمجتمع؛ فلا مجتمع دون لغة ولا لغة دون مجتمع أيضاً. أما فخري بعد عامه السبعين بدا مُقلِّداً لنفسه، باقياً منذ زمن الحب والشعر والكلمة بينما هي تصارع وقتاً خفياً مغيباً من تاريخ سورية، وتاريخ تطورها الاجتماعي والحاجويِّ. ليصير فخري بعدها نرجسياً حاداً، من جراء إهمال الأجيال الجديدة له. فغنَّى بقرب هيفاء وهبي تارةً، وانتقد الجمهور تارةً أخرى؛ لأنه لا يعرف ما يسمع، وظهر في مقاطع مصورة كثيرة إلى جانب فنانين لا يملكون أي بُعدِ روحي أو فكري أو موسيقي يوازي تجربته أو روحية ما قدَّمه. دون الحديث عن شعوره بأنه لن يتكرر، وبأن لا أحد يستطيع فعل ما فعله، متناسياً أنَّ الفن ذو فضلٍ تراكميٍّ لا شخصي، وأنَّ ما لا يجعله مكرراً هو المجتمع وليس ما ينظر إليه هو بوصفه اختزالاً هائلاً للسياسة واللحظة التي أُنشِئَت له. ويسهل قبول هذا لجهل السوريين ذاتهم بكلِّ ما يمرُّ عليهم من صور التجهيل والتهميش والاستبداد؛ فهو ذاته لم يعِ الدور الذي حققه في الخمسينيَّات والستينيات، وهذا ما يمكن شرحه وفقاً لهيغل على أنَّه مكرُ التاريخ وإنكاره من لا يدركون أدوارهم ما يقوم التاريخ به من خلالهم.

وما نسيه فخري منذ السبعينيات، نسيه في سنوات الثورة السورية أيضاً؛ فوافق النظام كما وافقه سابقاً والتمس أبوَّته الأسدية، بديلاً من أبوة البارودي وعمر البطش والمجتمع المتعطش للحريَّة، فأبقى النظام له على مبلغ ثابت من المال، ليبقى حياً دون أي معنى يمكن دراسته أو فهمه اجتماعيَّاً أو سياسيَّاً، سوى أن يكون سوريَّاً بالمعنى الأداتي للكلمة. وهو كثيراً ما ارتضى بعزلته، واكتفائه الصامت بتأمل ما صنعه سابقاً دون أيِّ سؤال عما يستطيع صنعه. أصدق ما يقال هو إنَّ شيئاً ما من سورية مات مجدداً؛ مات الزمن الذي كانت فيه سورية تغنِّي لتنشئ فناً إنسانويَّاً بالمعنى الحقيقي الذي يكون فيه البشر أحراراً ودعاةَ حبٍّ وروحٍ وحياة. موت صباح فخري مكرر، أمَّا سياقات أثر الموت فهي عارضة وحميميَّة؛ فلم يشكِّل موت جسده شيئاً محدثاً، لأنَّ عصر الميديا يُخلِّد الحياة بجعل الأثر متاحاً إلى الأبد طالما بقيت الذاكرة انتقائية وقابلة للاسترجاع بضغط زرٍّ.

الجيد في موته هو محاولة السوريين فهم ما كان عليه صباح؛ تجربته الفردية، أناه المرهقة من صراعاتها، مسرحيته التي تحمل شقَّاً متأرجحاً بين الدين والحياة، والأهم دور المجتمع في صنعه وحاجة المجتمع إلى الفنان ذاته في قوله وثقافته هذا ما لم يستطع فخري القيام به؛ إذ قتله التسلُّط وجعله قديماً وثابتاً وميتاً. فخري الذي كان يبحث عن أبٍ دائماً اكتفى من الآباء، وعاد إلى بساطته كطفل يهرب من مشيخته عندما ترتفع يداه نحو السماء ويرقص مع صرخات المنتشين به وبموسيقاه. لقد كانت هذه النشوة لنا وله هي أثر سورية الخفي؛ إنَّها المرأة والله والحرية. أمَّا موته المتداول اليوم فهو البحث عن هذا كله خفية ومن دون وعي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها