آخر تحديث:12:43(بيروت)
الخميس 04/11/2021
share

في التمرين على عدم محبة صباح فخري

عمر قدور | الخميس 04/11/2021
شارك المقال :
في التمرين على عدم محبة صباح فخري صباح فخري (غيتي)
ينطلق العنوان من بديهية أن يُحَبّ صوت صباح فخري وغناؤه، حتى إن قول العكس يحتاج إلى شجاعة أو تمرين. وفي وقت خاص، كتوقيت وفاته، قد يوضع التجرؤ على مكانته هذه في خانة الوقاحة، فمن كان مثله صاحب موهبة استثنائية ينبغي أن يُودَّع بما يليق بها وبه. قد يكون مفيداً التذكيرُ بأن موهبة صباح فخري لم توضع يوماً في حياته تحت المساءلة، بخلاف ما كان يُقال أحياناً عنه كشخص مثل أي شخص آخر له عيوبه، وفي مقدم تلك العيوب الشهيرة ما كان يُشاع عن بخله أو عن جشعه.


لم يقترن اسم مدينة حلب خلال العقود الأخيرة بأي معْلم من معالمها كما اقترن باسم صباح فخري، لقد نافس في ذلك شهرة مطبخ المدينة، وكأنه اختزل في غنائه إرثها الموسيقي وسمعتها كمدينة للطرب وأهله. للإنصاف، نال صباح فخري مكانته هذه بدأب قلّ نظيره، وعاش حياته كأنه موظف مخلص لدى حنجرته، يخدمها طوال الوقت، ولا يخدشها بحياة صاخبة أو مستهترة. هو، على سبيل المثال، ليس من طينة محمد خيري الذي رحل مبكراً بعدما أسرف في حياته شراباً وحشيشةً حسبما يُشاع. وليس من طينة الحلبية الأرمنية المعروفة بإسم ربى الجمال، صاحبة الصوت والأداء الرائعين، وقد أهدرتهما أيضاً في حياة مسرفة قصيرة.

هم أبناء المدينة نفسها والجيل ذاته؛ محمد خيري وصباح فخري ومصطفى ماهر وإبراهيم جودت.. انقطعت مسيرة كل منهم الغنائية لسبب أو لآخر، وحده صباح فخري عاش بعدما اختتم مسيرته، ولم يبقَ له ما يضيفه إليها، وحتى حنجرته تجاوزت بجدارة المدّة المعتادة التي تبقى فيها حنجرة على ألقها. خلال هذه المسيرة الطويلة المكتملة، غنى صباح فخري "مرات ومرات" ما هو معروف ومألوف من التراث الحلبي، مع إضافات قليلة خاصة به.

والحديث عن التراث الحلبي لا بد أن يستدعي إلى الذهن القدود الحلبية لشدة هيمنتها على تصوراتنا، إلا أن فترة الثلاثينات كانت تشهد مثلاً صعود الملحن الشيخ بكري الكردي الذي لحّن العديد من الأدوار والموشحات والطقطوقات، ومن ألحانه الشهيرة الشائعة حتى اليوم "ابعتلي جواب وطمني". أيضاً، في الفترة التي ولد فيها صباح فخري وجيله، كان جثمان كميل شمبير يعود ليُدفن في مدينته حلب بعد حياة زاخرة موسيقياً من حيث التجديد، ومن حيث التنقل جغرافياً بين حلب والقاهرة ودمشق. من ألحان كميل شمبير الشائعة "نويت أسيبك خلاص نويت" و"وحياة عيني ما أميل للغير"، وقد تناوب على غنائهما العديد من المطربين ومنهم صباح فخري.


تأخذنا الأمثلة السابقة إلى انفتاح المدينة وأهل طربها آنذاك على العالم، ففي مثالَي "ابعتلي جواب" و"نويت أسيبك" تطل اللهجة المصرية، رغم أن الغناء المصري لم يكن قد نال من الانتشار ما سيناله في الأربعينات والخمسينات مع تطور وسائط التسجيل والصوت، وأيضاً وسائل النقل التي ستحمل المطربين المصريين لإحياء حفلاتهم في الخارج. أما "وحياة عيني ما أميل للغير" فسنسمع في شطرها الثاني "وأنا كلامي بارول دونير"، ويبدو أن التعبير الفرنسي Parole d'honneur بمعنى "كلام شرف" كان معروفاً حينها، بل مقبولاً دخوله في كلمات أغنية. ستفتقد المدينة لاحقاً انفتاحها وجديدها ومجدديها، ومن دون أن نربط تلقائياً بين الأمرين ستزداد انغلاقاً كلما راح إرثها يرتبط باسم صباح فخري!

في إهداء له، وصف الشاعر تي.إس.إليوت صديقه إزرا باوند بالصانع الأمهر. لعل هذا الوصف يكون مدخلاً ملائماً جداً لفهم صباح فخري، فقد كان هاجسه الإتقان في ما يغني، وتجويده مع التكرار بحيث يصل إلى صيغة نهائية لا تجويد بعدها. هناك في "يوتيوب" قناة، فيها قرابة 57 ألف مشترك، باسم "مؤسس الطرب صباح فخري حالة لن تتكرر". هكذا؛ مؤسس الطرب على الإطلاق!

بالطبع لا يُسأل صباح فخري عما يقترفه محبوه، من قبيل تلقيبه بمؤسس الطرب، إلا أن هذه التسمية تلاقي ما يمكن أن ندعوه بقدرة استحواذية لديه، وهذه القدرة ليست عفوية بالكامل بل هي مسنودة بطبيعة علاقته بالأغاني التي أدّاها، خصوصاً تلك التي كرر أداءها كثيراً. مثلاً، نحن لا نعثر على تسجيلات لأغنية "ابعتلي جواب" التي لحنها الشيخ بكردي الكردي لصبري مدلل بصوت الأخير، بقدر ما نعثر عليها بصوت صباح فخري، وبحيث يبدو أداؤه لها هو الأصل. هناك الكثير من الأغاني التي باتت كأنها مسجلة باسم صباح فخري، وبطريقة أدائه، وكأنه حقاً هو المؤسس.

لا تنقص الصانع الأمهر المواظبةُ على تشذيب أدائه أو تحسينه مع التكرار، إلا أنه ليس مزاجياً بحيث يشذّ أحياناً عن طبيعته، الطبيعة المنضبطة الميّالة إلى النظام والاتقان على حساب المغامرة. لذا نراه يتقدم خارجاً ببطء أيضاً، فعندما اختار أن يغني دور "إيمتى الهوى" لأم كلثوم، راح يكرره في الحفلات محاولاً كل مرة تحسين صنعته، والأهم أنه استحوذ حقاً على الدور بحيث صار يُسجّل له أكثر مما يُسجّل لصاحبته. هذه الآلية، التي تتوخى الإتقان، هي بطيئة بطبعها لكثرة اشتغالها على المكان ذاته. يُحسب لصباح فخري اختياره أيضاً دور "يا اللي تشكي من الهوى هوّن عليك" من الحقبة الكلثومية ذاتها، وهي مرحلة غير معروفة على نطاق واسع كما هو حال المرحلة اللاحقة في تجربتها، لذا سيقترن الدور باسمه، يساعد في ذلك استخدام اللهجة المصرية في أغانٍ لملحنين ومطربين من حلب كما أسلفنا، فضلاً عن أغانٍ صار يُظنّ أنها حلبية مثل "والنبي يمّه تعذريني" لمنيرة المهدية.

ما غنّاه صباح فخري من خارج التراث الحلبي لم يكن بعيداً عن هذا التراث، مع توشيةٍ تزيد في حَلْبنته، وهو بهذا المعنى لم يأخذ الغناء الحلبي إلى أرض جديدة. كذلك هو حال ألحانه، ومعظمها من فئة الموّال، فهو لم يقدّم جديداً متميزاً على صعيد التلحين، وإن كان بإصرار لا يكلّ قد تمكن من فرض لحنه الأثير لديه "خمرة الحب اسقنيها" على ذائقة الجمهور.

إنه، بالإصرار والدأب المنظّمين المنضبطين، صنع النموذج وصقله بحيث يتراءى كاملاً أو يقارب الكمال. فعل ذلك في عقود كفّ فيها الغناء الحلبي عن خلق الجديد، فصار صباح فخري كأنما هو خازن بيت هذا التراث، وحارسه من الضياع. ولو كان الحديث عن حفظ التراث لاستحق صباح فخري أعلى مكانة عن جدارة، إذ يستحيل تخيّل مؤسسة بشخص واحد تقوم بما قام به لجهة تقديم التراث على "أفضل" وجه، والوصول به إلى جمهور واسع "سوري وعربي" كان لولاه ربما سيسمع بالغناء الحلبي من دون أن يستمع إليه.

من جهة مقابلة شديدة الأهمية، أسوأ ما فعله صباح فخري للغناء في حلب أنه صنع النموذج، وأن أجيالاً لاحقة من المطربين ستنظر إليه بوصفه المعلّم والمرشد، وأنه أعلى ما يصبو للوصول إليه "صباح فخري الصغير" الكامن في كلٍّ من هؤلاء المطربين الصاعدين. لقد أصبح كأنما هو "مؤسس الطرب الحلبي ومنتهاه" حقاً، وطريقته وأسلوبه في الأداء هما التعيّن السائد بلا منازع، فلا يُذكر غيره من جيله أو أجيال سبقت سوى كتنويع هامشي لطيف إلى جوار عمل "المؤسِّس".

على صعيد متصل، قدّم صباح فخري بنجاح قل نظيره الأمثولة على انتصار النظام والانضباط مع الدأب والإصرار، قدّم بنجاح شديد أمثولة النملة لا الصرصار، أمثولة السلحفاة لا الأرنب. وقد يُقال أن صباح فخري، على هذا الصعيد، كان مخلصاً أميناً لروح مدينته حلب الأقرب إلى الانضباط والمحافظة، الروح التي بطبيعتها تنفر من المغامرة واقتحام المجهول. لكننا، إزاء هذا الافتراض، لا بدّ أن نذكّر بأن الإرث الغنائي الحلبي لم يتراكم ويتطور من قبل بأصوات الذين اشتغلوا على تكرار وصقل قديمه، بل بألحان وكلمات وأصوات الذين امتلكوا حس المغامرة والتجريب المواكب لأزمنة اشتغالهم.

من ضمن استحقاقات عديدة، كأن صباح فخري وضع الغناء الحلبي أمام مهمة شاقة وعسيرة هي التخلص من سطوة صباح فخري، فلا يبقى كامناً كنموذج في حنجرة مطرب جديد، وكمسطرة في أذن مستمع، وكسقف يحجب الفضاء عن الاثنين. من باب الانحياز إلى حلب وموسيقاها، يجدر بنا التمرّن على عدم محبة صباح فخري، أو التمرن على الفصل بين حبه وعدم التورط في حب نموذجه، وبالتأكيد عدم محبة تلك النسخ الحلبية المقلَّدة منه. ربما يجدر بنا فعل ذلك أيضاً بعد أن نكون قد أحببناه حقاً، ولن يكون جديداً أن البراء من الحب شاقّ جداً بخلاف الوقوع فيه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها