آخر تحديث:13:17(بيروت)
الأربعاء 24/11/2021
share

هل تموت الفكرة؟

روجيه عوطة | الأربعاء 24/11/2021
شارك المقال :
هل تموت الفكرة؟ اسبينوزا
هل لديك فكرة عمّا تفعل؟ يصلح هذا الاستفهام من اجل الاقدام على طرح استفهام غيره، وهو الموضوع هنا، مفاده: هل تموت الأفكار؟ الاستفهام الاول يتيح تحديد ما هي الفكرة. وهذا، بداية، لا كشيء على ارتفاعه، لا بد من التقاطه، تماماً، كما حين يرفع ما يسمى الفكر الى درجة اعلى من اي شيء سواه، ويكون قطف ثماره، يعني الأفكار بالمجمل، بمثابة صعود الى مستواه. كما أن تحديد الفكرة في السياق نفسه، لا يقوم بقلب هذا الفكر من فوق الى تحت، او الى اقصى ما في هذا التحت، اي العمق. وبالتالي، جعل حيازة الافكار كناية عما ينتجه الذهاب في هذا العمق، او ما تشير اليه جُملة متداولة من قبيل "سبر الأغوار".

التفكير ليس صعوداً ولا تعمقاً، الافكار ليست فوق ولا تحت، انما، وبحسب ذلك الاستفهام: التفكير يتصل بفعل، يمكن ان يكون عملاً او تجربة أو حركة الخ. كما ان الفكرة، وفي اثر هذه الصلة بين الاثنين، قد تبصر وجودها. لكن، لكي تتحقق هكذا، لا بد من ضرورةٍ ما لها.. ما الذي يدفع الى تكوين فكرة عما نفعل؟

أول ما يمكن الانطلاق منه هو تلك الصلة بين الفعل والتفكير. فمما يؤدي اليه الفعل هو انفعال ما، الانفعال الذي يخص الفاعل ذاته، او أياً كان من حوله. هذا الانفعال قد يكون حاداً وشديداً الى درجة انتقاله من صاحبه الى سواه، ومن سواه الى كل مجاور له. معروفة مقولة اسبينوزا حول كوننا، وحين نصادف شخصاً ما يسكنه انفعال حاد، من المحال الا نشعر به، كما لو انه ينقله لنا. فالانفعال ينطوي على بُعد فيروسي، لا يمكن التقاطه، ولا ضبطه، ولا وضع اليد عليه، بل انه يدور وينتشر ويُرمى ويتسلل... في هذه الجهة، يصير الاستفهام ان كان لدينا فكرة عمّا نفعل، هو استفهام عن مغبة فعلنا، يعني عما ننتج وننقل من انفعال في اثره. "هل تعلم ما الانفعال الذي تعدينا به؟"، هذه احدى التفسيرات للاستفهام اياه، فالذي يريد ان تكون لنا فكرة عما نفعل، هو يريد ان يوقف نقلنا الانفعال، بما هو من اثر الفعل، اليه. وهذا، لسبب اساسي، وهو ان الانفعال مزعج، مخربط، مثير للريبة، "من اين جاء هذا الانفعال الي؟ لا بد من إيقافه". غير ان إيقاف هذا الانفعال يحتاج الى طريقة ما، وهذه الطريقة يعينها الاستفهام بتكوين فكرة عن الفعل.

بعبارة اخرى، لكي لا يبقى الفعل سبيلاً الى بث الانفعال، من الضرورة (وهكذا، تولد الضرورة) تكوين فكرة عنه. الفكرة هي التي في وسعها ان تضع حداً ما للانفعال. بحسب اسبينوزا مرة اخرى: الفكرة هي ما يمثل شيئاً ما، والانفعال هو ما لا يمثل. لا انقطاع بين الاثنين، بحيث ان الفكرة، كالانفعال، نمط تفكير، من جهة، يمثل، ومن جهة، لا يمثل. فالفعل، الذي نُسأل ان نكوّن فكرة عنه، ليس منقطع عن التفكير، على العكس، حين يصادف وينتج انفعالاً، فهذا يعني انه مرتبط به، لكن، بالاستناد الى نمط غير تمثيلي.

على هذا النحو، فإن تكوين فكرة عنه هو تحويل ارتباطه بالتفكير من نمط غير تمثيلي الى نمط تمثيلي، من الانفعال الى الفكرة. "هل لديك فكرة عمّا تفعل؟" له تفسير آخر: هل يمكن لك ان تجعل من تفكيرك تمثيلياً، بدلاً من ان يبقى تفكيراً غير تمثيلي؟ هل يمكن لك ان تجعل من انفعالك فكرة؟". من اجل عدم الوقوع في التعقيد، يمكن اختصار وقع الفكرة على الانفعال بكونها شبيهة باللقاح من ناحية وقف مفعول انتشاره، والاهم، من ناحية كونها تحمله فيها قبل ان تعطل لاتمثيلته: تجعله ممثلاً فيها، وبهذا، تخفف من الخشية منه. هذا التخفيف، بما هو حيازة فكرة ما، كان جيل دولوز قد وصفه بكونه عيداً. لكن، ماذا بعد العيد؟

في هذا المطاف، يجد الاستفهام الثاني مكانه: هل الأفكار تموت؟ في حال كانت تنم عن ضرورة لوقف الانفعال، للتلقيح ضده او حياله، فهذه الضرورة بديهياً ليست ثابتة. ما ان تتلاشى الضرورة، حتى تصير الفكرة من دونها. فكرة بلا ضرورة هي فكرة ميتة، لكن موتها لا يعني سوى انها تأخذ من الانفعال الذي، ذات مرة، انطوت عليه سمة، وهو الانتشار، الذي يصير دليلاً على كونها حية. هناك افكار تنتشر بسرعة، لا تتوقف عن ذلك، لكن هذا لا يشير الى انها حية. فعلياً، لا بد من الاشارة هنا الى كون دوران الافكار الميتة هذه، بوصفه دليلاً على حياتها، هو بمثابة طقس، مفاده تأبيدها، نكران موتها، من باب تحاشي عودة الانفعالات التي ذات مرة أوقفتها. هذا ما يحيل الى مقولات من نوع "كذا فكرة والفكرة لا تموت" او "فلان مات لكن فكره سيبقى من بعده حياً".

إنه نبذ موت الأفكار تجنباً لرجوع الانفعالات التي كانت تشتغل قبل تكونها، كما لو ان الانفعالات هذه ستعود لتنتقم من حاملي الافكار التي أوقفوها بها. فعلياً، تأبيد الافكار يقوم بإنكار العلاقة بين الفكرة والانفعال، بوضع انقطاع بينهما. فأن تموت الفكرة، هذا لا يعني ان انفعالها يتفلت منها، انما يرحل معها: تصير تابوته، وبدوره، يحملها!

كان جان بودريار يشكو ان هناك الكثير من الافكار، اي ان المشكلة لا تتعلق بغيابها. يمكن الاضافة ان المشكلة في رفض موتها، في تأبيدها، الذي يبدل في موقعها: بعدما كانت تجيء بعد الافعال لتسجل وتطوي انفعالاتها وتكون لقاحاتها، تغدو بمثابة عوائق وجدران تمنع الافعال نفسها. تصير متكدسة امامها، تعيقها، حتى تصير الاشكالية القديمة حولها تنسحب عليها: اين يقع الفعل إذن، في السماء أو في العمق، فوق ام تحت؟!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب