آخر تحديث:12:12(بيروت)
الثلاثاء 23/11/2021
share

"المستحيل"... أن يكون المتهم مذنباً في جميع الأحوال

محمد حجيري | الثلاثاء 23/11/2021
شارك المقال :
"المستحيل"... أن يكون المتهم مذنباً في جميع الأحوال إري دي لوكا
تميّز الروائيّ الإيطاليّ إرّي دي لوكا، بأنه "رجل المفردات" أو كاتب المفردات والوفي للغة الايطالية، وهو يعلن ذلك من خلال سرده أو كتاباته الروائية وعلى لسان أبطاله، واختار أنْ يُعنون روايته الجديدة "المستحيل"(*)، وافتتحها بعبارة للروائيّ البولندي إسحاق باشيفيس سينجر تقول "غالباً ما سمعت قصصاً ومن يقول: هذا مستحيل.. وفي أقلّ من عام واحد يُكتشفُ أنّه في مكان ما قد حدثَ ذلك حقّاً".  

والحال أن المستحيل من خلال الوقائع، يتصدّع، ويغدو وهماً وتخيلاً. والرواية القائمة على شكل سؤال وجواب، بُنيتها أنه على طريق جبلي شديد الانحدار، يسقط رجل في الفراغ وخلفه رجل(المتهم) آخر ينبّه. لكنّهما ليسا غريبين. كانا رفيقين في المجموعة الثورية نفسها قبل أربعين سنة، القتيل كان متهماً بالخيانة بسبب الوشاية على رفاقة. لقاء غير محتمل، مصادفة "مستحيلة"، خصوصاً للقاضي الذي يحاول جعل المشتبه فيه يعترف بارتكاب جريمة قتل مع سبق الإصرار. عبر التحقيق، ورسائل يكتبها المتهم لحبيبته من السجن، يحاول تفسير الشعور بالحرية.. شيئًا فشيئًا يتحوّل الاستجواب إلى مناظرة بين القاضي ومتهم هو "من الجيل الأكثر اضطهادًا في تاريخ إيطاليا"، تظهر انعكاسًا ثريًا للالتزام والعدالة والصداقة والخيانة، وما بينهما تحضر رمزية الأدب والرواية، من دانتي إلى عوليس وليوناردو ساشا وباسكال، وحتى السينما من بازوليني الى كيروساوا، مروراً بالرياضيات والتنس والأفكار الثورية ومعنى القضاء والضرائب. يأخذ الاستجواب منعطفاً غير عادي بسرعة كبيرة. حوار بين الماضي والحاضر، بين رفاقية الأمس، ولحظة المحاكمة. بالنسبة للمتهم، "الزمن يشبه الجذام ويجعل الماضي يتساقط أشلاء"، والقاضي يحاول ارباك محاوره، ويطرح الأسئلة نفسها مرارًا وتكرارًا. يراوغ، يستعمل عبارات أدبية لراسين: "يضيع ثأري/ إذا جهل وهو يموت/ أنني قاتله". كيف كان يومها، يوم الحادث؟ ماذا كان يفعل في الجبل خلف الشخص الذي قُتل؟ هل رأى الرجل الضحية مرة أخرى، وهو يعرفه، إذ كان كلاهما جزءاً من المجموعة الثورية في شبابهما؟ هل دفع إلى الهاوية هذا "الخائن"، الذي سلم مرة كل رفاقه للشرطة مقابل الحرية؟ والقاضي مقتنع بأن صدفة وجود المتهم والقتيل في مكان واحد "مستحيلة". لكنه سرعان ما يستجوب المتهم مثل التلميذ، في محاولة لإلقاء الضوء على حقيقة أبعد من الحقائق. يقول للمتهم: "في الاستجواب، يتصرف المحقّق بطريقة مغايرة عبر افتراض أن المتهم مذنب. فيحقق ثم يقرّر الإدانة أو التبرئة... معك كنت أتصرف وأفكّر كما لو كنت مذنباً في جميع الأحوال".

قدم المتهم روايته للأحداث مرات عديدة. لكن القاضي يصر، ويحاول إرباك المتهم، يناقش البطلان في مبارزة لفظية: الالتزام السياسي، والعدالة، والحرية، والصداقة، والجبل، والطبيعة. يقدم إري دي لوكا، على لسانَي المتهم والقاضي، بعض الصفحات اللافتة والرمزية حول لعبة التنس وعلاقته السوسيولوجية بها. يقول المتهم في رسائله: "ذكرنا التنس خلال الاستجواب، التنس الذي أحببته صبياً ولم أمارسه لأنّه آنذاك كان رياضة يمارسها بعضهم فقط في الأندية. اليوم انتشرت اللعبة"... "لطالما تساءلت عن سبب إعجابي بتلك اللعبة قبل أن أدرك أنّ الأمر عائد الى هندسة المسارات المستوية التي تبحث عن أبعد نقطة في الحقل، عن اللاعب الخصم"، و"كذلك المضرب الذي يستخدم كهراوة مرّة ومرّة كيَد حنون"، القاضي يقول: "أخبرتني أنك تحب التنس. أنا احبُّ كرة القدم. الدور المفضل بالنسبة إلي في اللعبة هو دور الحكَم. حين كنت طفلاً أذهلتني قدرة الحكم على تجنب اللعب ومواصلته الركض المجاني بين اللعبين. كان موجوداً ليجعل اللعبة عادلة"...

في الغالب لا أحبُّ الروايات التي تقوم على صيغة السؤال والجواب، كما لا أحبُّ الكتابات التي تشبه النص المسرحي. لكن، مع لوكا، يبدو الأمر مختلفاً، قدّم نصاً أخرجني من نمطية النفور من الشكل، هذا عدا عن امتلاكه السلاسة الأدبية والاختزال والشاعرية المرهفة والعبارات الأقرب إلى الفلسفة.
 
نبذة
جاء إري دي لوكا متأخراً إلى الكتابة. وهو جاء إليها من السياسة. لقد خرج من تحت معطف مقولة الإلتزام، لكن بعدما نزع عنها قشرة الإيديولوجيا الصارمة وأكسبها جاذبية سحرية. ولد في نابولي العام 1950 في عائلة متوسطة الحال. انخرط في منظمة la lotta continua (النضال يستمر) اليسارية المتطرفة، وفي العام 1976 انخرط في الأعمال اليدوية ليكون في صفوف "البروليتاريا". تُرجمت كتبه إلى أكثر من ثلاثين لغة، بينهما العربية.

(*) صدرت عن منشورات الساقي، ترجمة رامي الطويل.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"