آخر تحديث:15:18(بيروت)
الخميس 18/11/2021
share

حي السلم/ مدينة العباس

فوزي ذبيان | الخميس 18/11/2021
شارك المقال :
حي السلم/ مدينة العباس
البؤس يحفر في الوجوه عميقاً. لا مساحة في هذا المكان، مجرد شتات من فقر وعوز وملامح بائسة.

حي السلم/ مدينة العباس.

تغريني مقاربة الأمكنة وناسها كنصوص تداخل بعضها بعضاً. المكان هنا بناسه، سطور موت... مقاطع ذل... نثر إله لا يأبه بناسه... كلمات سائبة بخرقها وهلاهيلها ولوح مسطور للهزيمة.

ما أن وطأت المكان حتى استبدّ بي السؤال التالي: هل حقاً ثمة مَن يبالي من الذين يعيشون هنا بتحرير فلسطين واسترجاع القدس كما هو مدوّن فوق أحد الجدران الذي يشبه نصباً للملل؟!! كل القضايا والعناوين هباء لما تكون حجة للذل.

ينبىء هذا المكان المنسي أن الموت ليس محض خاصية الموتى، للأحياء أيضاً نصيبهم الوافر من الموت.

موت الأحياء دبِق، موت الموتى أخف وطأة.

مطرقون في الأرض وقد رسم العبوس محياهم، الصمت يدبدب فوق ألسنتهم حتى وهم يتصايحون. الألسنة هنا خالية الوفاض، والجدران بابل شعارات النصر والكرامة... العيون زائغة منفردة وثمة من يكفر للرب فوق أشلاء دراجته النارية، لا أعلم لماذا.

استوعبت شتم هذا الأربعيني للرب، فلا بأس بالرب عندما يكون فشة خلق، نفض عابر للغضب ونقطة ارتكاز رجراجة. مرّت ثوان عاد بعدها يستغفر الله وهو يمعس صدغيه المفصدين بالعرق بأصابعه التي رسم الشحم خطوطها وزوايا أظافرها.

هو غادر وأنا بقيت.

مسارب ضيقة، أعمدة تحمل صور الموتى وأنا أجترّ الشارع كفرس نهر يتمرّغ في بركة طين. زحمة أراغيل، فخذ عجل معلّق، ذباب، زحف خبيث للعتمة والكل بانتظار الساعة السادسة، ساعة حلول كهرباء الإشتراك.

استوقفت شاباً في حوالي الثلاثين وسألته عن أحد العناوين. شملني بغمزة من عينه اليمنى ولفتة رأس، صمت لثوان ثم قال: "آه... إدّام شوي عليمين يا دمّي". شكرته، ولّيته الظهر وسرت وأنا أرقب نظراته التي تنقر رأسي من الخلف وظهري. لقد أحببت هذا الشاب وتمنيت لو كان صديقي. "يا دمّي"، هكذا يخاطبون بعضهم البعض... لم يعتبرني غريباً.
صيحات صاخبة تزامنت مع الإنارة التي قد انبثقت فجأة... إنها السادسة بتوقيت مدينة العباس في حي السلم. ترامت إلى ذهني ذكرى ليست بالبعيدة على وقع الصخب المفاجئ:

ليل 19- 20 آب 2021 في أحد مقاهي الضاحية. يخرج الشبان من المقهى على وقع صوت الطيران الإسرائيلي، يرفعون رؤوسهم نحو السماء وقد غشيهم ضحك جهنمي ويدعون الطائرات بملء الصوت لرمي الصواريخ عليهم من أجل أن يموتوا. شاركتهم الضحك واللامبالاة وأنا أدوّن هذه الواقعة في دفتر ملاحظات لا يفارقني البتة.

أسلست قيادي لهدير المولدات الكهربائية ورائحة المازوت ودخان مثل هؤلاء القوم ومثلي، غير مرئي. طالعني شعار بالنصر وتل من النفايات وصوت شاب ممدد تحت سيارة يقول لآخر شاخصاً في المحرك: "عجّلْ شوي، ع التماني بتروح الكهربا".

ثمة وجه يجيد ترتيب الهزيمة كان يحوط الجميع بابتسامة عبر صورة ضخمة.

صرت أتمهل السير وأعمل على مداراة خواطري. الرغبة في الوضوح غالباً ما تكون إقصائية. تركت حواسي تلتهم المكان وتركت الغموض يحفر داخل ذهني ما تيسر من فهم.

انفلشتْ العتمة في المكان.

إنها الثامنة بتوقيت مدينة العباس في حي السلم، لقد انقطعتْ الكهربا. لم تسعفني أذناي على سماع السؤال الذي توجهتْ به الفتاة الصغيرة لأمها، لكني سمعت جواب الأم: "ع جهنم الحمرا".

انتشرت الظلمة وامتقعتْ الوجوه بمد من السواد والصمت ما خلا أصوات النعال فوق الطريق وأصوات الأفأفة.

انفلشتْ العتمة كوشاح أسود من النسيان. يقال أن "النسيان هو حركة بلا أثر". تولّتْ العتمة/النسيان المكان وناسه وصرت مثلهم بلا أثر.

في نص له بعنوان "أفكار حول جهنم" يرى جاك دريدا أنه عندما يصير البؤس أوسع من المكان وقاطنيه يبتلع النسيان هذا المكان من كل حدب وصوب. يرى دريدا في نصه هذا أنه في تلك اللحظة نكون عند أعتاب جهنّم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها