آخر تحديث:14:41(بيروت)
الإثنين 15/11/2021
share

مازن الرفاعي... هندسة الظلال والنوافذ

محمد شرف | الإثنين 15/11/2021
شارك المقال :
مازن الرفاعي... هندسة الظلال والنوافذ من المعرض
يعتمد مازن الرفاعي، المربع، في أحيان كثيرة، كمساحة لقماشاته العشرين، ذات الأحجام المتوسطة والكبيرة، والمنفّذة بتقنية الأكريليك، المعروضة حالياً لدى "غاليري أجيال".

اعتماد المربع، كما يدور في ذهننا، يُعتبر مستحدثاً في الفن التشكيلي، إذا ما نظرنا إلى تاريخ هذا الفن في كلّيته، بعدما كانت الأشكال المستطيلة، الأفقية أو العمودية، سائدة أكثر من سواها لفترة طويلة. هذا الأمر، أي التغيير الذي طرأ على محيط الإطار الهندسي، قد يعتبره البعض شكلياً، لكنه ليس كما يبدو عليه للوهلة الأولى، إذ أصبح الشكل الربّع مفضَلاً في الفن الحديث، وخصوصاً حين بدأت الأعمال الفنيّة تبتعد شيئاً فشيئاً عن الموضوعات التقليدية. وإذا كان من المتعارف عليه أن تكون المشاهد الطبيعية أكثر إنسجاماً مع الشكل المستطيل الأفقي، بحسب العادة والقماشات الجاهزة التي تُباع في الأسواق، فإن أعمال الفنّان، التي تنحو صوب مشهد مختلف وجدت في المربع غاية ووسيلة لم تجدها في إطارات مختلفة، على ما نلاحظ في المعرض الذي نحن في صدده.

هكذا، خطرت الفكرة في بالنا ونحن في صدد معاينة أعمال مازن الرفاعي. لا شيء يشير إلى أن اللوحة تحاكي مشهداً يمكن التعرّف إليه، مما ينفي عنها صفة العمل الكلاسيكي التقليدي، مع العلم أن المشهد التشكيلي الكلاسيكي لم يفقد بريقه حتى الآن، حين لا يكون مجرّد محاكاة خرساء للواقع. كما لا يمكن نسب الأعمال، في شكل نهائي ومبرم، إلى الناحية اللاتمثيلية. لذا، سيكون من المناسب إلحاق أعمال الفنّان بأحد فروع الفن الحديث الذي يحاول الجمع (بشكل  مناسب وموّفق في حالة الرفاعي) ما بين الإتجاهين، وذلك ضمن قماشات مربّعة تولي التأليف أهمية مبدئية وتفضيلية. المشاهد التي تحتويها اللوحات مدينية، والمدينة هي بعلبك، مسقط رأس الفنّان، والتي أبعدها الدهر عنها وقاده إلى العاصمة، كالكثيرين سواه، ولتصبح زياراته إلى "مدينة الشمس" (يبدو أن هذا اللقب صار شعريّاً أكثر منه جغرافيّاً ومناخياً) موسميّة، تقلّ تارة وتزداد أحياناً أخرى، بحسب الظروف والمناسبات. لكن البحث في الأعمال عن أمكنة بعينها، يراها مازن خلال زياراته السريعة، سيبقى من دون جدوى. ثمة "هندسة" أخرى في الأعمال قد نرى من خلالها منزلاً، أو زاروباً في حي من الأحياء التي لم يهدم ساكنوها منازلهم القديمة.

إلى ذلك، سنلحظ تفاصيل سريعة ومختصرة، لكنها فاعلة وظاهرة، تشير إلى طبيعة المسكن: باب من هنا، أو شباك من هناك، وجذع شجرة قديم يشكّل أحد دعائم السقف يخرج بحريّة من جدار طيني أبيض.

باب وشبّاكان (كما في الأغنية) أو هذا من دون ذاك. فتحات باردة لوناً في بعض المواقع تخترق جداراً أبيض يميل حيناً إلى البرودة اللونية، وأحياناً أخرى إلى حرارتها. لا بأس، أيضاً، بحائط ثقيل الوزن يحدد المسار التأليفي، وقد يكون عموده الأساس إذا شاء الصانع. الأفق غائب تقريباً عن الأعمال، في ما عدا قطعة من سماء شبه بيضاء بدورها، وكأن مازن شاء تصوير ما تراه العين في حالة الثبات، من دون أن تتنقّل ضمن المساحة الواسعة. إبتكارات تشير في مجملها إلى أن الفنان كان إنصاع لنواح شعورية وحتى عاطفية، انعكس بعضها غموضاً يميّز صوراً خارجة من وعاء الذكريات الفسيح، التكدّسة والممتزجة في اللاوعي حول مدينة قديمة تغيّرت ملامحها، حتى كادت تصبح ممتنعة على الإستيعاب والقبول بالواقع المستجد، بعدما كان الجيل الماضي عاش نقيضه. نتساءل أحياناً عمّا سيتراكم في أذهان الجيل البعلبكي الشاب في اللحظة الحاضرة، الذي لم يعرف سوى الإسمنت والسيارات التي تملأ المكان، باعثة زعاقاً أجوف، وضجيج الكثافة السكّانية الذي لا تحتمله أذُن.

وللظلال أيضاً مكانة في اللوحات لا يجب إهمالها، لكنها، هي أيضاً، لا تهدف إلى تظهير الحجم، كما هو معروف عن دورها، بل تصبح جزءاً من المسار التأليفي، وعاملاً مهماً في بنية اللوحة، كما في الخيار اللوني التي هي جزء منه. لا ندري لماذا، ونحن في صدد معاينة أحد أعمال مازن، وملاحظة الظلال التي ترتسم فيه، قفزت إلى ذهننا الصورة الفوتوغرافية الأولى في تاريخ التصوير الفوتوغرافي، التي أنجزها المهندس الفرنسي ومخترع الفوتوغرافيا جوزف نيسفور نيبس، عام 1826، وهي تمثّل ملكيته في منطقة سون أي لوار الفرنسية. أطلق على الصورة إسم Le Point de vue du Gras ، وتقول بعض المصادر أنه ترك عدسة الكاميرا، البدائية الصنع والتي ليست سوى حجرة سوداء على شكل صندوق، مفتوحة يوماً كاملاً كي تتمكّن اللوحة الحسّاسة، البدائية بدورها، من تثبيت الصورة وحفظها.

يوم واحد، أنتج صورة فيها أحجام هندسية وظلال، قد يُعبر فترة بسيطة نسبياً من أجل الحصول على صورة (مع العلم أن النتيجة جاءت بعد تجارب مديدة قام بها نيبس)، قياساً إلى أعوام كثيرة قضاها مازن من أجل تثيت صور كثيرة في ذهنه وخياله، كنا رأينا مفاعيلها في معارض سابقة، ونرى إنعكاساتها الآن في المعرض لدى "غاليري أجيال".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها