آخر تحديث:14:19(بيروت)
الإثنين 15/11/2021
share

إيتيل عدنان التي تشبه بيروت

محمد حجيري | الإثنين 15/11/2021
شارك المقال :
إيتيل عدنان التي تشبه بيروت اتيل عدنان
بين الكاتبة والفنانة المترحّلة الراحلة إتيل عدنان، التي "تفضّل الموج على البحر" ومدينة بيروت، حالة عشق ولغة ولون وذاكرة... فصاحبة كتاب "الست ماري روز" ولدت في هذه المدينة المتوسطية، لأن والديها غادرا تركيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. تقول: "كانت بيروت قريبة من دمشق وطن أبي وبعد سنوات كثيرة ولدت أنا في عالم يختلف كل الاختلاف عن العالم الذي عرفه والدي". كان والدها دمشقياً سورياً و"ضابطاً من رتبة أعلى في الامبراطورية العثمانية"، وكانت أمها يونانية من سميرنا. فقدت أسرتها كل شيء- احترقت سميرنا(أزمير) سنة 1922، وقبل ذلك بسنوات تعرضت الامبراطورية العثمانية للتفكك والانهيار. كان محتماً عليهما أن يتخذا من لبنان منفى لهما.

"كانت الشمس شيئاً قوياً خلال طفولتي في بيروت" تقول إتيل، و"بما أنني كنت الابنة الوحيدة، كان العالم الذي يحيط بي يمتلك أهمية كبرى وخاصة الشمس، لأنها كانت حاضرة بقوة هناك، وكانت المدينة تتشكل من بيوت منخفضة، ثلاثة أدوار على الأكثر. كنت أهتم بالظلال كذلك. أتذكر أنني كنت أحاول أن أنظر للشمس مباشرة وكان هذا يحرق عيني ويعميني". وهي تلقت تعليمها الابتدائي والثانوي في مدرسة كاثوليكية فرنسية (في دير كاثوليكي) في بيروت، فأصبحت الفرنسية لغة التعبير الذي جبلت عليه ثقافتها ومن خلال مسيرتها الدراسية، "الأسلوب المستخدَم لتعليم الفرنسيّة للأطفال كان بذاته نوعاً من التطبيع النفسانيّ الذي لم يعترض عليه أحد، حيث النّاس يعتقدون أنّ كلّ ما تفعله الرّاهبات هو خيّر دوماً ويتّجه دوماً نحو الأفضل: وهكذا، في كلّ المدارس المدارَة من الفرنسيّين، يجري تكليف عددٍ من التلامذة المختارين بأن "يتجسّسوا" على الآخرين: فكلّ من يُسمَع في الصّفّ أو خلال الاستراحة وهو يتكلّم العربيّة يَلقى عقاباً وتوضع حصى صغيرة في جيبه: "كان التكلّم بالعربيّة يعادل اقتراف خطيئة، وهذا سيكون له تأثيره لاحقا"... وبشكل ما، تشبه شخصية إتيل الثقافية، تركيبة بيروت المتعددة، قبل ان يحصل زمن القحط الجهنمي. فهي تتقن أكثر من لغة (انكليزية وفرنسية)، من ابوين متباعدين في الدين، ومن هويات متعددة، تركية، عربية، يونانية، وتحمل ثقافة اكثر من مدينة، غربية ومشرقية، تبدأ مدينة امها، ازمير التركية اليونانية، ودمشق مدينة والدها، ومن بيروت وتمر بباريس "العارية" ولا تنتهي في بعض المدن الأميركية، حتى في خياراتها الحياتية كانت حديقة ألوان وأشعار، بين الترحال والبحر والجبل والعشق، عدا عن اختيارها المثلية طريقاً للحب.

ولعلاقة إتيل ببيروت مسارها، كانت في الثّانوية عندما اندلعَت الحرب العالميّة الثانية. تقول "شاهدتُ بيروتَ تتحوّل إلى مدينةٍ ذات مكانةٍ عالميّة. اتّخذَت الجيوشُ الفرنسيّة والبريطانيّة منها مراكزَ لقياداتها وشعّ الوجهُ الكوزموبوليتيّ للمدينة برومنطيقيّةٍ مميزّة أعدّتْنا لها الأفلام السينمائيّة. إلى سكّانٍ يضمّون اليونانيّين والإيطاليّين والأكراد والأرمن إضافة للسكّان الأصليّين، إضيف جنودٌ من جنسيّات مختلفةٍ تتكونّ منهم جيوش الحلفاء: أستراليّون وكنديّون ونيوزيلنديّون وأفارقةٌ سود وبولونيّون أحرار. تحوّلت بيروت إلى صورةٍ مصغّرةٍ من العالم، زوبعةٍ صغيرةٍ من الحرب والمرَح. لم تشاهد الحربَ الحقيقيّة، اكتفتْ بمشاهدة الجيوش التي كانت تمزّق العالم إرباً". فوي مطلع خمسينيات القرن العشرين، حصلت على منحة لاتمام دراستها في الادب والفلسفة في باريس، قبل ان تحملها مجموعة من المصادفات الى الولايات المتحدة العام 1955. وقعت إيتل في حب اللغة الانكليزية والثقافة الاميركية، فقررت ان تجعل من كاليفورنيا موطنها الثاني بحسب ما تذكر الكاتبة جمانة الياسري، وهناك أصبحت شاعرة ورسامة ملتزمة النضال ضد حرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية. الا ان هزيمة 1967 راحت تشدّها الى العالم العربي وقضاياه، خصوصا فلسطين، وقررت العودة للعيش في لبنان العام 1972. عند عودتها الى بيروت، عملت اتيل في الصحافة واستلمت إدارة الصفحة الثقافية في جريدة "الصفا" التي كانت تصدر باللغة الفرنسية، الا أن عودة ايتل الى بيروت في ذلك الحين "رافقها شعور عميق بالكارثة"(جمانة الياسري) وكانت قد تنبأت بها في قصيدة "قطار بيروت نحو الجحيم"(1970) التي كتبتها في كاليفورنيا وهي تفكر في بيروت والقدس والعواصم العربية.

في مطلع العام 1975، قبل فترة وجيزة من اندلاع الحرب الأهلية، راحت إتيل تكتب مجموعة من القصائد التي ستشكل كتاب "سفر الرؤيا العربي" الذي أنهته العام 1976، الا انه لم ينشر حتى العام 1980. رمّزت الى هزيمة 1967 وذاكرة الحروب الاستعمارية والحرب الاهلية اللبنانية بالصراع بين شمس وقمر. "الشمس بركة دم" تقول وتردف "شاهدتُ بيروتَ المجنونة تكتب بالدم: الموت للقمر"، و"أيها الشعراء غيروا العالم أو اذهبوا إلى بيوتكم". "سفر الرؤيا " نص متفرّد إذا قررت الشاعرة فيه "ان تتحدى اللغة بواسطة الحرب. والحربَ بواسطة اللغة"، بحسب توصيف صديقها فواز طرابلسي... 

في العام 1977، بعد عامين على بداية الحرب الأهلية، غادرت اتيل عدنان بيروت "كانت لي أسبابي الخاصّة لأنْ أعود إلى كاليفورنيا، بعد سنوات من ذلك، إذ ازدادتْ صعوبة العودة إلى بيروت أكثر فأكثر. أغلقت الصحيفة التي كنت أعمل فيها. وكان لا بدّ من مواجهة مصاعب أخرى". حصل ذلك بعد صدور روايتها "ست ماري روز"، التي باتت من كلاسيكات أدب الحرب الاهلية. كتبت إتيل روايتها بالفرنسية ومن ثم تُرجمت إلى الإنكليزية سنة 1982. تقول "عندما كنت في باريس، سمعتُ عن أمر رهيب حدث في لبنان: امرأة عرفتها قليلاً، لكنّي احترمتها كثيراً، تعرضتْ للخطف من قبَل أفراد مليشيا مسيحيّة وعُذّبتْ وقتلتْ.(...) ألّفتُ كتاباً، روايةً مبنيّة على الواقع، عن ذلك الحادث المفجع". وجاء في مقدمة الكتاب أن إتيل تصوغ هذه الواقعة المأسوية، "واقعة قتل امرأة كرّست حياتها للمستضعفين ونادت بحق الفئات المسحوقة، متحررة من الصورة السلبية للمرأة التي يروّج لها المجتمع ومن أسر التدين المنحرف والمتعصب، لتنخرط بحياتها وموتها، بفعلها وبشهادتها، في جوهر الدين بمبادئه السامية وتمحوره حول التضحية. تصوغ إِتيل عدنان هذه الواقعة في عمل روائي متميز بنيةً وتقنيةً، مضفيةً على النواة التاريخية، وعبر تخييل فني، تفاصيل معبّرة وحوارات مؤثرة". وبسبب طبيعة الرواية المثيرة للجدل، لم تُعرضْ الترجمة العربية للرواية في أسواق بيروت "الشرقية"...

وكتبت إتيل عدنان العام 1982، شعراً عن بيروت الاجتياح، تقول:
آهٍ لوحشةِ القلبِ الرّقيقة
يومَ ماتت بيروت
تحتَ وابلٍ من الأزهار الحمراء.
قبلَ ذلك، غادرتنا أمّ كلثوم
كانت تغنّي للملائكة والأحصنة
ثم لحق فلسطينيّون
صامتون
بالموكب
كما في جداريّات
أسلافهم.
الوحوش الضاريـة ليســـــت في حدائق الحيـوان.
«بِ» يعني «بيغن»
الذي انضمّ إلى ميثولوجيا الشرّ
بثلاثةِ مليارات من الدولارات
لقتلِ طفل
لقتلِ غابةٍ من الرجال.
آنَ الأوان
لمنعِ الكلماتِ المُستعارة
من أن تغادر
حضيضَ
حُزننا".

ربما اليوم نحن في قطار بيروت نحو الجحيم..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها