آخر تحديث:11:45(بيروت)
الأحد 14/11/2021
share

سوريا كجنّة بين أسنان مفتي الأسد

علي سفر | الأحد 14/11/2021
شارك المقال :
سوريا كجنّة بين أسنان مفتي الأسد المفتي أحمد حسون
أراد مفتي النظام السوري أحمد حسون أثناء تأبينه للمطرب الراحل، صباح فخري ومن خلال تأويلٍ مفرط في القصدية، حشر سوريا الحالية كبلد وجغرافية في النص القرآني، فذكر أنها هي المقصودة في الآية الأولى من سورة التين، أي قوله تعالى: "والتين والزيتون"! أراد الرجل أن يمتدح البلد بوضعها الراهن، وأن يلقي عليها إهاب القداسة، من خلال تفسير قديم للسورة، ورد ذكره في تفسير الطبري، كواحد من تفاسير شتى، حيث جاء في النص: "حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) يعني مسجد نوح الذي بني على الجوديّ، والزيتون: بيت المقدس؛ قال: ويقال: التين والزيتون وطور سينين: ثلاثة مساجد بالشام".

وضمن هذا السياق، لن يكون من المنطقي أن يتهم المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة أوقاف النظام المفتي، بأنه قد فسر النص القرآني من خلال "مفهوم ضيق"، يبعده، وبحسب بيان المجلس، عن "المقصد الإنساني الذي أراده الله في هذه السورة" و"أنه إقحام للدِّين في إطار إقليمي ضيق". فالرجل لم يفعل شيئاً سوى أنه ذكر تفسيراً من التفاسير، أراد أن يستغله في سياق حربه على اللاجئين، الذين يريد منهم أن يعودوا إلى سوريا الأسدية، وإلا فإنهم سيردون إلى "أَسْفَلَ سَافِلِينَ"! ورَدُّ المجلس وبيانه، يأتي ضمن سياق المناكفة والصراعات التقليدية بين مؤسسة الإفتاء وبين وزارة الأوقاف، فلا تخرج الحكاية كلها عن زوبعة في فنجان النظام.

غير أن ضحالة استخدام المفتي للنص القرآني، لا يضاهيها في سياق هذه الحادثة، سوى ضحالة مجلس وزارة الأوقاف الفقهي، الذي يشير إلى أن "منهج التفسير بالأغراض الشخصية أدى إلى ظهور التطرف في تفسيره من جهة أخرى؛ لأن منهج المتطرفين والتكفيريين إنما يعتمد على تحريف تفسير آيات القرآن لتنسجم مع أهدافهم التكفيرية"، متناسياً أن دور المؤسسة الدينية التابعة لنظام الأسد، كان ومنذ وصوله إلى السلطة، تفسير الدين الإسلامي بكل نصوصه بما يخدم استمراره في حكم البلاد، ونهب ثرواتها، وقتل سكانها، وسجنهم وتهجيرهم! بل إنها تطرفت بدورها، وبما يوازي تطرف المتطرفين الذين تهاجمهم، حينما دعمت سياسات الإبادة التي اتبعها ضد ثائرين كان ذنبهم هو قولهم كلمة حق عند سلطان جائر، وهذا أفضل الجهاد بحسب الحديث النبوي!

من وجهة نظر أخرى، وبالعودة إلى كلام حسون، وتفسيره لتَموضعِ سوريا في العقيدة، هل يمكن فعلياً وبعيداً من ذِكر فضائلها ومحاسنها في النصوص الدينية، تجاهل أن بلاد الشام بالنسبة لشعبها هي جزء من المقدس الذي يجب الحفاظ عليه، والعودة إليه!؟

يحكي الموال السبعاوي، المنسوب إلى المغني الشعبي الراحل تيسير السقا (أبو رياح)، رأياً يتصل بما ذكره مفتي النظام، لكنه يقول النصف الآخر من الحقيقة التي يسعى مع مجلس النظام الفقي إلى تجاهلها، فيقول: "الشام لولا المظالم كانت فوق المدن جنة/ ومن جول بغداد تسمع بصيتها الجنة/ واللي يدعي على الشام ربي تحرمو الجنة/ غريب بلادكم شبيه الذليل يعود/ يا من هواكم علمني لغات العود/ وعاد منها يرجع الزمان ويعود/ ونرجع عالشام ونشاهد الجنة"!

هنا، يمكن ملاحظة تقدم الوعي الشعبي البسيط على منطوق ومعتقد "فقهاء السلطان" (في حال كانوا يعتقدون ذلك، ولا يُرَاءونَ)، فهو يرى ثنائية الحال، بين شام المظالم، والشام كجنّة، ويلقي القبض على المفتي حسون، وهو يطلي المظالم الحاصلة تاريخياً في البلاد، بألوان براقة، وببلاغة لفظية تتهدج فيها العواطف، يظن أنها قد تخدع من يستمعون له.

فعلياً، لا يختلف وعي المثقفين السوريين والنخب السياسية والمجتمعية عموماً عن المعتقد الشعبي، فهؤلاء يدركون أن جنتهم الأرضية كانت ومازالت منذ قرون، جحيماً مستمراً، لم يحصل فكاك منه، إلا في فترات وجيزة من التاريخ! وبالتأكيد فإن آمالهم المستمرة بخلاص سوريا من الغزاة ومن الطغاة على حد سواء، هو ما جعلها بلداً حاراً، تتخم تاريخه بأفكار التحرر، متعددة المشارب والمصائر، لكنه بقي يمتلك صورتين، الأولى وهي الواقع المستلب، والثانية هي الحلم، أو التصور اليوتوبي، الذي يمكن للمؤمنين من كافة الديانات السماوية وغير السماوية، اعتباره تعبير عن الجنة!

ذات يومٍ حالك، من منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفي كرّاس أدبي جامعي، كتب الشاعر فرج بيرقدار، قصيدة يخاطب فيها أحد ما، أنقل عبر ذاكرتي ما حفظته منها: "ستخجل منا دمشق، وستخجل منا دمشق، أما قلت أن دمشق اثنتان؟".

تذكُّرُ أن أصحاب هذا الكراس، مثل فرج وجميل حتمل ووائل سواح ورياض الصالح الحسين وبشير البكر، وغيرهم، قد تعرضوا للاعتقال والملاحقة بسبب نشاطهم في إصدار هذا الكراس بالإضافة لاشتغالهم في الشأن العام، قد يبدو كافياً، لتلمس أو فهم أن سوريا التي يريدها السوريون في حياتهم، فحاولوا الوصول إليها، عبر الثورة، ولم ينجحوا، ربما يمكن الحصول على بعض ملامحها في المنافي حيث يعيشون. وهم بالتأكيد لن يستمعوا لتخرصات المفتي حسون، الذي يصر على أن يلعب دور ممسحة القذارة لنظام، يحاول بعض مؤيديه هذه الأيام، أن يصلوا إلى جنات الآخرين، هرباً من جحيمه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها