آخر تحديث:12:29(بيروت)
الأربعاء 10/11/2021
share

مارون الحكيم "يرسم" حياة تشكيلية في كتاب

محمد شرف | الأربعاء 10/11/2021
شارك المقال :
  • مارون الحكيم "يرسم" حياة تشكيلية في كتاب
    مارون الحكيم
  • مارون الحكيم
    مارون الحكيم
  • مارون الحكيم
    مارون الحكيم
  • مارون الحكيم
    مارون الحكيم
"بالفن أحيا"، هو العنوان الذي إختاره الفنان مارون الحكيم لكتابه الجامع، الكبير الحجم، الأنيق من حيث إخراجه وطباعته، والذي يبان، من خلاله، أي الكتاب، الجهد الذي بُذل من أجل صناعة هذا "الملف الحياتي"، كثير التفاصيل، قياساً إلى كتب من هذا القبيل، تحاول أن تختصر مسيرة فنّان استمرت لعقود من الزمن.

إصدار هذا الكتاب يُعتبر إنجازاً، يفوق، ربما، إقامة معرض أو معارض تُنظّم للفنّان من فترة إلى أخرى، لكون المعرض يحاول، أحيانا، معالجة موضوع محدد مرتبط إمّا بحدث أو بحالة سيكولوجية، أو أسباب أخرى، أملت على الصانع أن يعكسها شكلاً أو باللون. أمّا الكتاب فتلك مسألة أخرى، وخصوصاً حين يهدف إلى سرد قصة حياة فنيّة كاملة، قدر المستطاع. على أن كتباً من هذا الصنف لا تُصنع بسهولة، إذ عدا عن المسألة المادية (التي لا مفرّ من ذكرها)، الناتجة من أزمة أرخت بثقلها على الجميع، يجد الفنّان نفسه أمام معضلة أخرى: كيفية الخيار بين أعمال تكدّست خلال عقود، وما يتصل بهذا الخيار من انتقاء صعب، وأيضاً كيفيّة تنظيم الأقسام، وتوزيعها بحيث يُتاح للقارىء، وهوالمتلقي في آن واحد، أن يطّلع في شكل مناسب ووافٍ على السيرة الفنيّة.

لكن مارون الحكيم، وكما لاحظنا، استطاع تأدية هذه المهمة بنجاح، واستطاع أن "يرسم" رواية حياة تشكيلية في كتاب. ويعود ذلك إلى رؤيا، ومعرفة بماهية النتيجة، ومهارة في التنظيم، عرفناها عنه عبر العلاقة الشخصيّة، ولمسنا مفاعيلها، ذات الفحوى المختلف، من حيث علاقته مع الطبيعة، والتدريس، والشأن اليومي، ومع محيطه، أكان هذا المحيط إنسانياً أم غير إنساني. وكما هي العادة في سرد تفاصيل الحياة الفنيّة، تبدأ الأمور من المرحلة الأكاديمية التي  إنطلقت، لدى الفنّان، عام 1971 في معهد الفنون الجميلة، وليبدأ بعدها المسار الإحترافي، والذي كان في صلبه هاجس محوري هو كيفية الجمع بين الرسم والنحت في عمل واحد، وذلك ضمن هواجس أخرى. ولا شك في أنه كان للنحت، في غالب الأحيان، مكانة بارزة في نتاج الفنان على مدى الفترة الزمنية الممتدة من منتصف سبعينات القرن الماضي، وحتى اللحظة الحاضرة. هكذا سيصبح تعبير "اللوحة المنحوتة"، كأحد أشكال العلاقة بين الرسم والمادة والصفحة الحاملة للمنتج، أحد التعابير التي سترد مراراً خلال مسيرته الفنيّة، وفيما كُتب عن هذه المسيرة.

المتصفّح للكتاب، أو الذي يتوقف عند كل قسم من أقسامه كي يتمعّن في المحتوى (وهما طريقتان للتعامل مع أي كتاب فنّي، بحيث يتكوّن التعرّف مزيجاً من الحالتين، بحيث تكوّن الأولى إنطباعياً مبدئياً، وتؤدي الثانية إلى تأمّل وأفكار نقديّة)، يجد أن علاقة مارون الحكيم بفن النحت، هي علاقة "مصيريّة". امتدّ إزميله إلى مواد عديدة، تنوّعت بين الرخام والحجر العادي والحجر الملوّن والخشب. خاض دائماً في بحر التجارب والبحث عن شكل نهائي للعلاقة المذكورة، لكن الجهوزية الكاملة في مسائل تمت بصلة للفن تبدو شيئاً مستحيلاً.

العمل الكامل هو عمل ناقص، على ما نعتقد، وكما يعتقد الكثيرون سوانا. وفي الأحوال كلّها، تعامل الفنّان – النحّات مع مادته بشغف، مزوّداً أحاسيس لحظوية، وأخرى كامنة في غياهب اللاوعي. في إحدى زياراتنا لمحترفه المخصص للنحت، المحاذي لمنزله، رأينا ورشة تشبه طاحونة من الطواحين القديمة التي غيّبتها التقنيّات الحديثة. مكان يغلب عليه الأبيض، الناتج من فتات الحجر الناعم. أشار الفنّان الى مساحة العمل وقال لي: "هون لمّا بكون مأجرم". أعجبتني العبارة. ليت نتيجة الجريمة تكون على شكل منحوتة تتناقض في شكل واضح وجلي مع الفعل الإجرامي الحقيقي، في زمن تنتشر الجرائم، على أنواعها، من حولنا، وتبقى من دون حساب أو عقاب.

لم يقتصر نتاج مارون الحكيم على النحت، كما رأينا الأعمال بأمّ عيوننا، وكما تفيدنا صفحات الكتاب. فاللون هو الرافد الآخر، الذي لا تقلّ أهميته عن زميله النحت.

وكما في منحوتاته، التي إتخذت من بعض جوانب الواقع موضوعاً لها، وأتى بعضها الآخر ذو وجه تجريدي، أتت لوحة الفنّان ذات طابع تمثيلي، وخصوصاً حين إرتبطت بحوادث مفصلية شهدتها الساحة اللبنانية، كما جاء النوع الثاني لاتمثيلياً. على أن قسماً آخر ذا أهمية كنّا أشرنا إليها، هو ما سُمي "اللوحة المنحوتة"، التي هي عبارة عن مزيج من المواد لا يخجل بعضها من أن يأتي نافراً، وربما كانت العناصر الأكثر بروزاً، في هذه الحالة، هي الأشد تعبيراً عن الهدف المرتجى من العمل.

تنبغي الإشارة إلى أن الكتاب يتضمّن مقالات وشهادات وصوراً فوتوغرافية من أزمنة مختلفة، يُعتبر الكثير منها إرثاً توثيقياً، كونها شملت العديد من الشخصيّات المتوفاة، وهذا الحكم ينسحب، أيضاً، على الكتّاب والنقّاد الذين غادروا عالمنا. إضافة إلى ذلك، جاءت غالبية الكتابات بلغات ثلاث، كي تتيح للعدد الأكبر من القرّاء الإطلاع على فحواها. في الخلاصة، الكتاب ذو قيمة من نواحيه كافة، ونتمنى أن يعمد فنّانون آخرون إلى إتباع الخطوة نفسها... إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها