آخر تحديث:11:43(بيروت)
السبت 09/10/2021
share

خال ريبيكا جيزلر

روجيه عوطة | السبت 09/10/2021
شارك المقال :
خال ريبيكا جيزلر تجر من مقطع إلى ثاني نحو الضحك، ليس على الخال، إنما معه
قبل روايتها الأولى التي صدرت مؤخراً عن "دار فردييه" تحت عنوان "D'oncle"، لم تكن ريبيكا جيزلر تكتب بالفرنسية، لكن، رغم ذلك، مَن يقرأ هذه الرواية يصعب عليه ألا يتوقف عند وقع لغتها الذي يترك أثره في وتيرتها وفي تركيبة جُملها. ربما إمساك جيزلر بالفرنسية، مع أنها ليست لغة كتابتها، مردّه انها لطالما تكلمت بها بالتوازي مع الألمانية، وربما أيضاً مردّ ذلك ببساطة أنها ليست لغتها، وبالتالي، هي تجد حرية ما في خوضها. هذه الحرية بالتحديد هي ما يمكن تلمسه في نصها السردي الجديد، الذي كان من الممكن له ان يكون ثقيلاً، أو مملاً، لكنه، لم يكن كذلك، على العكس، فهو يتسم بعجائبية خاصة به.

بالطبع، الاشارة إلى أن هذه العجائبية تخص رواية جيزلر وحدها، لا يعني أنها لا تحيل الى غيرها. فمن مطلعها، تبدو أنها تنطوي على معنى كافكاوي، أو "مسخي" على وجه الدقة (ميتامورفوزي)، تدرك جيزلر كيف تضعه في خدمة سردها، من دون أن تكثر منه. مع العلم ان اكثارها هذا، ما كان ليحصل لأن شخصية روايتها لا تشبه شخصية غريغور سامسا.

تدور رواية جيزلر حول شخصية الخال، الذي يعيش في إحدى المناطق البروتانية، وينزل في ضيافته كل من ابنة وابن اخته لتمضية ما يشبه الحجر الصحي معه. تبدأ الرواية بفتح ابنة الأخت، باب الحمام، لكي تتفقد عمها، فتجد انه هرب من بالوعة كرسي المرحاض. تحاول ابنة الأخت انقاذه عبر تغطيس وجهها في ماء البالوعة، وصراخها بإسمه، لكنها لا تلبث أن تنزلق إلى كل ما تحمله هذه البالوعة. لا تروي جيزلر كل هذا المشهد بطريقة تبدو فيها أن تُقرِف القارئ، انما بطريقة تجعلها تمر بمصدر القرف فيه من دون تركيز كبير عليه. بعبارة اخرى، هي لا تبغي دفع القارئ إلى أن يقرأ ويقرف، إنما أن يقرأ. أما، وفي حال قرف، فليس ذلك بدعوة من نصها. فعلياً، يمكن القول أن جيزلر تجعل من كل تفاصيل الرواية، التي تتسم بكونها مقرفة، أو مزعجة، أو موجعة، أو لا يمكن تفسيرها، تفاصيل عادية، ليس من باب التكيف معها بالطبع، إنما من باب تلقيها بلا إنكارها وبلا الخوف منها وبلا تقديمها كأنها ليست عجيبة. وسبب ذلك، هو العلاقة التي تجمع أولاد الأخت بخالهم، بحيث انهما، ورغم إيجاده على اختلافه، لا يكرهانه، إنما يواظبان على اكتشافه اكثر فأكثر، وفي اكتشافهما له ضرب من الحب.

يُمضي الخال معظم وقته في منزله المطلّ على البحر، لكن من دون أن يحمله ذلك الى السباحة. يلعب خلال النهار مع أولاد اخته، ويجدان أنه، ورغم كبر سنه، هو الطفل الحقيقي، نظراً للعبه، الذي يجمع المغامرة مع الوحشية، إذ يلتهم الحشرات، والفواكه بقشورها القاسية، كما أنه يجمع نباتاً مسمماً. أما في المساء، فيجلس أمام التلفاز الذي لا يشتغل، ويأكل عشاءه. تصف ابنة اخته كيف يصدر أصواتاً في حين تغميسه اصابعه في المقلاة، وكيف يزيد البهار على طبقه إلى درجة أن عينيه تدران الدموع في إثر ذلك. فللخال عادات يومية، لا يفهمها أولاد اخته، ومع ذلك، هما يبدوان على ألفة معها، بحيث أنهما يستظرفان بعضها، أما بعضها الثاني فتبرز صادمة لهما. الخال بهذا المعنى ليس موضوعاً لاستنكار عاداته من قبل أولاد اخته، إنما هما، في الواقع، يحاولان ان يكونا على اتصال مع حياته، التي تأخذ أشكالاً متنوعة ومتناقضة. فرغم كل حركة الخال، يبدو أحياناً انه في انزواء، ولو قليل، وفي ذلك، تحضر ابنة اخته، التي تبدد حجره المضاعف.

من هنا، يمكن القول إن الخال ليس شخصية كافكاوية، أو بالأحرى مسخية، لأنه حيّ اكثر من غريغور سامسا. ففضاؤه الغرائبي ليس مقفلاً، كما أنه ليس شخصاً ملغزاً، بالإضافة إلى أنه لا يبدو معاقباً أو يهرب من خطأ ما. لكن، ومع أن الخال بعيد من الكافكاوية، إلا أن مسيرة الخال فيها شيء من الجو السردي لكافكا، وهذا، على الارجح، ما عمدت جيزلر إلى الحفاظ عليه طول روايتها: نوع من السوداوية، التي قد تنتج الزعل، لكن كل قيمتها انها تجر من مقطع إلى ثاني نحو الضحك، ليس على الخال، إنما معه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب من اسرة المدن