آخر تحديث:12:48(بيروت)
الخميس 07/10/2021
share

تهجير الفائز بنوبل للطب أرديم باتابوتيان... وتهجيرنا

محمد حجيري | الخميس 07/10/2021
شارك المقال :
تهجير الفائز بنوبل للطب أرديم باتابوتيان... وتهجيرنا باتابوتيان احتُجز خلال الحرب اللبنانية
منح رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، وسام الاستحقاق اللبناني المذهب، للبروفسور أرديم باتابوتيان الذي حصل على جائزة نوبل للطب، وبعث له برسالة تتحدث عن "هذا الإنجاز غير المسبوق للبنان، وفي هذه الظروف الصعبة التي يعيشها وطننا والتي نحتاج فيها إلى إعادة تأكيد ما يتمتع به شعبه من إمكانات ثقافية وحضارية". والرئيس نفسه، ويا للمفارقة،  كان سابقاً قد دعا اللبنانيين الذين لا يعجبهم أداءه وأداء عهده، إلى الهجرة..

بالطبع سنشهد الكثير من التقريظ الكلامي عن إنجاز "الطبيب لبناني الأصل"، رافع اسم "لبنان عالياً"، مع الكثير من العتب حول أسباب "هجرة الأدمغة"، بمثل ما تحدثناً كثيراً عن عالمية الروائي أمين معلوف وجبران ومايكل دبغي وشاكيرا وسلمى حايك... هي أسطوانة تتكرر دائماً، ونهدر فيها الكثير من الحبر، مع إدراكنا بأن التغني بإنجازات أشخاص من أصول أو جذور لبنانية، هو في الواقع توهمات و"أفكار" سعيد عقلية (نسبة الى سعيد عقل)، بكائيات على أطلال بلد محكوم بالفشل، مع علمنا أن المجتمع الغربي هو مزيج من هجرات عالمية، إفريقية وآسيوية وعربية وسلافية وصينية وإيرانية، وفكرة انتشار "الأصل" ليست حكراً على لبنان، بل باتت معمّمة، ومن الأمور العابرة...

وما يمكن قوله الآن، على هامش فوز باتابوتيان بنوبل للطب، مع الأميركي ديفيد يوليوس، أن لبنان الآن في حاضره الكارثي والأمونيومي، يعيش مرحلة تشبه الثمانينيات (زمن هجرة طبيبنا أرديم). فباتابوتيان، عالم الأحياء الجزيئية، وعالم الأعصاب المتخصص في النقل الحسي، والمتخرج في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس العام 1990 والحاصل على الدكتوراه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجي... قبل أن يكون أميركياً، وقبل أن يصبح "من أصل لبناني"، ولد في بيروت العام 1967، وهو نجل الشاعر والكاتب سركيس فاهاكن. تلقى علومه الأولى في مدرسة داميرجيان، والتحق لاحقاً بثانوية هوفاكيميان - مانوكيان التابعة لها... وهو يتحدث بشوق عن رحلاته إلى البحر الأبيض المتوسط والجبال المشجرة المحيطة ببيروت، وعن "الحرم الجميل للجامعة الأميركية في بيروت"، بصفته طالباً في السنة الثانية كيمياء، في الجامعة الأميركية في بيروت خلال العام الدراسي 1985-1986، قبل تخصصه في الطب. وفي سيرة ذاتية كتبها لجائزة كافلي، ذكر باتابوتيان أن مسلحين من المليشيات احتجزوه خلال فترة تصعيد في الحرب الأهلية اللبنانية، وانتقل إلى لوس أنجليس بعد بضعة أشهر. وهنا بيت القصيد في الكلام.

فالمليشيات، وهي كثيرة ومتشعبة ومتشابهة، وإن كانت بهويات متناقضة، سيطرت بشكل متفاوت على السلطة في لبنان بعد اتفاق الطائف، وكانت سبباً في تهجير الطبيب العالمي وآلاف آخرين خلال الحرب، وهي نفسها ستتسبب بهجرة آلاف اللبنانيين نتيجة الانهيار الاقتصادي والفساد وانفجار بيروت في 4 اب. كأن أحوال لبنان الكارثية تتكرر أو يعاد إنتاجها بأدوات وأطر مختلفة، والذاكرة ما زالت طرية حول أحوال بيروت في الثمانينيات... كان لبنان عموماً، وبيروت خصوصاً على طريق النحر... حركة 6 شباط، خطف رهائن أجانب، عمليات انتحارية، خطف طائرات، حرب مخيمات، تهجير، حروب متنقلة بتخطيط من اللواء غازي كنعان وأمر من نظام "سوريا الأسد" وتنفيذ مليشيات "أمل" و"الاشتراكي" و"الشيوعي" و"السوري القومي" و"الناصري" و"القوات" و"الكتائب"... اغتيالات مدروسة لشخصيات بارزة، ثقافية وسياسية... والأبرز من ذلك كله كان التهجير المدروس للأرمن من مناطق الصنائع والقنطاري والحمرا... كان يجري اقتلاعهم من أحيائهم بطريقة خبيثة، وقد هاجر العديد منهم أو فروا إلى مناطق أكثر أمانًا في لبنان... وزاد تهجير المسيحيين والأرمن، بعد الحرب المسيحية المسيحية التي خاضها عون وجعجع في المناطق الشرقية... ولم تنقذ سنوات السِّلم، اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، من التهجير، فنقلت جريدة "الأخبار" أن آخر انتخابات نيابية أجريت في لبنان، كشفت عن التغييرات الجذرية التي أصابت الطائفة المسيحية بشكل عام والطائفة الأرمنية بشكل خاص. يقول تقرير الجريدة إن "غالبية من بقوا اليوم، ينتمون إلى الفئة العمرية الطاعنة في السنّ، ما يطرح أكثر من سؤال حول وجود طائفة بأكملها باتت مهددة فعلياً بالانقراض! وزادت وتيرة الهجرة والنزيف في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع شعبوية شعارات حقوق المسيحيين".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها