آخر تحديث:13:31(بيروت)
الثلاثاء 05/10/2021
share

عز الدين شكري لـ"المدن": تجنبت الوقوع في فخ الذكورية

أسامة فاروق | الثلاثاء 05/10/2021
شارك المقال :
عز الدين شكري لـ"المدن": تجنبت الوقوع في فخ الذكورية أكره تسلط السلطات بأنواعها، رسمية كانت أم ثقافية
بعد "باب الخروج"، الرواية التي استشرفت أحداث ثورة 25 يناير في مصر، و"كل هذا الهراء" التي تابعت مصيرها ومصير أبطالها، يفاجئنا عز الدين شكري فشير، برواية عن الحب! وبالتحديد "عن الحب والأمومة والحرية، وعن الإنسانية التي يجرفها نهر الزمن بعيداً" كما يقول غلافها.

عبر أربعة أجيال نسائية نتابع "حكاية فرح" التي تعقبت ماضيها، أو بالأصح تعقبها ماضيها، ثم تصورت أنها يمكن أن تتخلص منه ومن آثاره، فتهدم بيتها القديم وتهجر أمها وتترك حبيبها وتحاول إنقاذ ابنتها من تكرار أخطائها فتفسد زواجها وتقتل جنينها! حكاية كقطع البازل مبنية على التفاصيل الصغيرة التي لا تكتمل الصورة ولا تتضح إلا بجمعها معاً. وقتها فقط، يمكن فهم دوافعها وأسبابها، أو بعضها على الأقل. تشكل التفاصيل الصغيرة في مجملها "حكاية فرح"؛ عالمها وتاريخ عائلتها الممتد، تربيتها واختياراتها ومعاركها التي شكلت شخصيتها ومنحتها دروساً عظيمة، وخلفت جروحاً لا تندمل، وتركتها وحيدة في النهاية في مواجهة ماضيها الذي لا يريد أن يمضى.

ليست حكاية حب تقليدية بالتأكيد، قراءة متمهلة ستكشف طبقات أخرى لحكاية مغزولة بعناية عن التخطي والتجاوز والتحرك للأمام.. وأيضاً عن التمرد والسعي الحثيث للتغيير، وأنها أعمق بكثير من أن تكون مجرد فكرة عفوية أو حتى هدنة أو استراحة لكاتبها من ضجيج السياسة. الأقرب أنها كانت فكرة مؤجلة، أخذت الكثير من التخطيط والتحضير انتظاراً لوقتها المناسب، لكن شكري يقول إنها، مثل كل أعماله السابقة، بدأت بفكرة عفوية، أو مجموعة من الأفكار العفوية، ثم تطورت وتغيرت وخضعت لتخطيط وكتابة وإعادة كتابة "بهذا المعنى لا قصدية في هذه الرواية أكثر من سوابقها". حتى توقيت صدورها لم يخضع لاختيار، بل العكس هو الصحيح. يقول إنه كان من المفترض صدورها قبل ذلك بعام ونيف، لكن ذلك تأجل لأسباب لا علاقة لها بالرواية نفسها، من ضمنها أثر جائحة كوفيد على صناعة الكتاب. لكنه يؤكد صحة ظني حول كونها فكرة مؤجلة، أو نصاً مؤجلاً.  فقد بدأ كتابتها في نهاية 2012، وقطع فيها أشواطا كبيرة حتى 2014، بما في ذلك العنوان والأحداث الرئيسة، ثم توقف وكتب "كل هذا الهراء"، ثم عاد إليها مجدداً، ليكتب ويراجع ويعيد، حتى انتهى من النص في 2019.

شهد النص تحولات كثيرة ليس فقط نتيجة للتوقف الطويل، لكنها طريقة عز الدين شكري في الكتابة، فهو يتعامل مع نصوصه كـ"عجين الصلصال" يشكّل فيها ويغيّر، يحذف ويضيف، ويعيد النظر، لعل هناك جزءاً زائداً أو ناقصاً. ثم يضعها جانباً لشهور ويشغل نفسه بأشياء أخرى، ويعود إليها في محاولة لرؤيتها من جديد، من الخارج، كما لو كانت نصاً كتبه غيره، كي يرى عيوبها ونواقصها وما تحتاجه. يقول إن هناك أسئلة أو مشكلات يتعين حلها من البداية: مثلاً، من الذي يروي الحكاية، وأين هو أو هي، وإن كان الراوي أحد الشخوص فما المبرر الروائي لكونه يروي أشياء لم يرها، الحل الذي يتبناه يفرض خطوطاً معينة في الحكاية وفي بناء الرواية، كما أن هناك حلولاً تبدو براقة عند التفكير فيها، لكنها بعد التنفيذ تبدو سيئة – مملة أو غير مقنعة، إلى آخره. هناك أيضاً تطورات الحكايات نفسها، علاقة الحكايات بالواقع الزمني والاجتماعي والسياسي الذي تحدث فيه.

بصراحته المعتادة يقول: "في مرحلة ما شعرت أني عجنت الصلصال أكثر مما ينبغي وأفسدت الرواية، وفكرت جدياً في إعدام النص، لكني في النهاية ذكرت نفسي بأن كتّاباً غيري انتابهم الشعور نفسه إزاء روايات لهم أعجبتني، واستغربت أن يكونوا قد فكروا فعلاً في التخلص منها. فقررت – مرة أخرى – المغامرة في نشرها".

وبقدر التماسك الذي خرج به النص في النهاية، بقدر ما يثير من أسئلة طرحتُها على عز الدين شكري، وهنا نصوص إجاباته...

- عبر الحكاية الشخصية، نشاهد تحولات اجتماعية بالغة الدقة، ورغم ذلك هناك من يرى أن الرواية انحراف عن موضوعات رواياتك السابقة...

حلو تعبير "انحرفت"؛ يذكرني بالحديث عن الأدب الملتزم بقضايا الطبقة العاملة والنقد الذي تعرضت له روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس لعدم "التزامها". لكن بغض النظر عن التعبير – "الغرض" كما تقول زينات جدة فرح – لدي تعليقان. أولاً أني أتبع رغباتي في الكتابة، من دون برنامج ذهني أو مشروعات لبناء مسار مهني. بمعنى أني أكتب عما يلح علي، وبالطريقة التي أراها ذات معنى. بالنسبة اليّ، الكتابة عمل شخصي بحت، حتى وإن كانت بالتعريف، عملاً يدعو الآخرين لتذوقه. وأتوخى أقصى درجات الحرية في هذه الكتابة، لأني أكره تسلط السلطات بأنواعها، رسمية كانت أم ثقافية. ثانياً، أن موضوع "حكاية فرح"، لا يختلف كثيراً عن موضوعات رواياتي السابقة؛ كلها تدور عن معاناة شخصيات مع وجودها والسياق الذي تعيش فيه. المعاناة مع الوجود تطرح قضايا مثل الحب والأبوة والصداقة والعلاقات الإنسانية بشكل عام، بتعقيداتها وإحباطاتها وجمالها والأسى الذي تحمله في طياتها. والسياق الذي تعيش فيه الشخصيات يطرح قضايا الحياة الاجتماعية والسياسية كالظلم والمساواة والقهر والحرية والهوية وصراعاتها. لكن الجانبين دوماً حاضران ومتداخلان.
هل يمكن فهم "حكاية فرح" من دون السياق الاجتماعي والسياسي الذي عاشت فيه أجيال النساء الأربعة؟ في رأيي يستحيل. هل يمكن التفكير في التحديات التي تواجهها المرأة لأنها امرأة، من دون السياق السياسي والاجتماعي؟ هل أصلاً قضية المساواة في الحقوق، قضية يمكن تناولها من دون سياقها السياسي؟ الإجابة لا، حتى إن كانت الزاوية التي تركز عليها الرواية ليست زاوية سياسية. وحتى رواية مثل "باب الخروج"، المعجونة بأحداث سياسية، ليست مقالاً في السياسة، بل رواية تدور في قالب سياسي – لأنها تدور في سياق ثورة. تماماً مثل – ومن دون مقارنات مدعية – "قصة مدينتين" أو "الحرب والسلام"، كلها روايات تدور حول معاناة شخصياتها مع ظروف وجودها كبشر، ومع السياق الاجتماعي والسياسي. مع الوقت، يذوي الاهتمام بالظرف السياسي ويبقى الجانب المتعلق بمعاناة الوجود – تماماً مثلما نقرأ "الحرب والسلام" ولا نلتفت كثيراً للحروب النابليونية التي تدور الرواية في سياقها (وإن كان هذا السياق ضرورياً للرواية).

كيف تختار موضوعاتك على أي حال؟

أنا مؤمن أن العالم مليء بالقبح، وبالمعاناة، وبدرجات متفاوتة من الانحطاط الإنساني الذي يعكس نفسه في المستوى الشخصي والعام. كما أن العالم مليء بالجمال، وبالبهجة، وبدرجات متفاوتة من النبل الذي يسمو بأصحابه الى درجات عليا من الإنسانية. الموضوعات التي تجتذبني، كلها لها علاقة بصراع الفرد مع الجانبين، بكيفية سقوطه في جانب وتمسكه بالآخر. شخصية فخرالدين، في "أبو عمر المصري" مثال على ذلك، شخصيات "عناق عند جسر بروكلين"، و"باب الخروج"، وحتى ضابط الأمن الوطني في "كل هذا الهراء"؛ كلهم يحاولون تفادي السقوط في هذا الجانب والتمسك بأهداب الطرف الآخر، كل على طريقته وبدرجات متفاوتة من النجاح والفشل. الرواية نفسها في نظري هي محاولة لتحويل جانب من القبح والمعاناة والانحطاط إلى عمل جميل ومبهج يأخذ قارئه لتجربة إنسانية أعلى، أيضاً بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل.

تقدم الرواية أربعة أجيال نسائية عبر مساحة زمنية ومكانية واسعة وممتدة، لكن ما هو سؤالها: الحب، الزواج، التمرد.. هل تشغلك التصنيفات أصلاً؟ 

تشغلني طبعاً – قضية الرواية لا التصنيفات. أظل أسأل نفسي هذا السؤال طيلة عملية الكتابة – وحتى اللحظة الأخيرة حين يرسل الناشر لي "البروفة النهائية": هذه الرواية عن ماذا بالضبط؟ والإجابة تؤثر في كل شيء في الرواية، من تطورات الحكاية إلى الشخصيات إلى بنائها نفسه. لكني لا أحب البوح بما أراه "قضية الرواية"؛ أشعر أن هذا أشبه بتوجيه للقارئ لا يصح من قبل الكاتب. أشعر بالضيق حين أرى نقداً للرواية لا يلتقط الخيط الذي كتبتها بناء عليه، لكني أحتفظ بضيقي لنفسي، إيماناً مني بأن النص، من لحظة خروجه للمجال العام، مِلك قارئه. لكن في مقابل حقوق الملكية التي يكتسبها القارئ، هناك أيضاً مسؤولية، وهي أن يفكر قليلاً ولا يكتفي بالمستوى الأكثر وضوحاً للرواية – أي الحكاية. بمعنى التفكير في ما يربط هذه الحكايات ببعضها البعض، في المعاني الممكن أن تشير إليها، وأن يفترض في الكاتب قدراً من حسن النية والذكاء؛ أنه لا يقص حكايات بلا هدف أو يملأ صفحات بـ"حشو" لا لزوم له. لا أعني أن عليه بالضرورة الإعجاب بالرواية أو الاتفاق مع "قضاياها"، لكن على الأقل عليه محاولة تبين ما وراء حكاياتها المباشرة.

- تراجعت الموضوعات الاجتماعية المشابهة كثيراً خلال السنوات الأخيرة، لصالح موضوعات أخرى سياسية، في الغالب، هل تتقادم موضوعات الرواية في رأيك؟

لا أعرف، حقيقة لا أعرف الإجابة. أظن أن هناك موجات من اهتمام القراء بموضوعات دون غيرها، وهناك موجات أخرى من اهتمام الكتّاب بموضوعات دون غيرها وبطرق معينة في الكتابة دون غيرها. أتذكر حين قدمت نص "أسفار الفراعين" للأستاذ حسني سليمان، صاحب دار شرقيات العام 1996، أنه وصفها بأنها "النوع القادم من الكتابة"، أن الموجة السائدة هي الكتابة الذاتية وأنها أول نص جديد يراه وقتها يعود بالرواية من هذه الذاتية إلى العالم الخارجي. تعليقه بقي عالقاً في ذهني لأني لم أكن أفكر في هذه الموجات، ولا في موضوعات اهتمام القارئ. كأنه نبهني لوجود أشياء يتعين الاهتمام بها، لكني فشلت في فهم هذه الموجات وصراحة في الاهتمام بها. ربما لأني لست جزءاً أصيلاً مما يسمى الجماعة الثقافية، لست عضواً في الشبكة، وبالتالي لا تصلني "النشرة" في موعدها، وربما لأني أرى الكتابة كعمل ذاتي وحر بلا أي قيود، حتى تلك الآتية من الموجات الثقافية.

الرواية بالكامل مكتوبة بصوت نسائي، وهو تحدٍّ كبير جداً نجحت فيه بامتياز، خصوصاً أن المسألة لم تكن مجرد صوت، بل القدرة على النفاذ للمشاعر الدقيقة والأفكار، وهذا ليس رأيي وحدي بل رأي كثر ممن قرأوا الرواية. لماذا اخترت هذا التحدي وكيف أعددتَ نفسك له؟

موضوع الرواية هو الذي فرضه، كونها تدور حول حياة أجيال متعاقبة من النساء، يجعل الصوت النسائي ضرورة، وإلا وقعت في ما تنتقده، وهو خطاب الذكور عن النساء. التحدي الحقيقي ليس فقط في العثور على الموجة الصحيحة للصوت النسائي ولا التعبير عن المشاعر والأفكار الأنثوية. فقد جربت ذلك من قبل في "غرفة العناية المركزة" ثم في "عناق عند جسر بروكلين" وفي "كل هذا الهراء". التحدي الأكبر كان تجنب الوقوع في فخ الذكورية الأصيل، وهو إنتاج خطاب ذكوري بإسم النساء، أي الاستيلاء على الصوت النسوي لترويج رؤى ذكورية. التحدي إذاً مزدوج: أن تخرج الرواية بأصوات نسائية، وأن تطرح أيضاً رؤية تجدها القارئة معبرة عن رؤيتها – لا خطاباً موجهاً لها أو بإسمها.
ما الذي جعلني أقدم على هذا التحدي المزدوج؟ هو نفسه ما جعلني أقدِم على كتابة الرواية من الأساس: بعض من الثقة، بعض من التهور، بعض من الأمل، وسعي مستمر خلف ما لا يكاد يُدرَك.

رغم أن زينة هي من تحكى الحكاية، لم تنتهز الفرصة لتحكي حكايتها، أو على الأقل لتوضح وجهة نظرها في ما حدث لها شخصياً، وهو ليس بالقليل، حتى الفصل الأخير لملمت فيه "فتافيت" حكاية فرح..

ربما لأنها مازالت تتعافى مما مرت به وتحاول أن تجد طريقها. ربما ستحكي زينة حكايتها في ما بعد.

أحمد، والد زينب، تسبب في زواجها التعيس، وأحمد أخوها استولى على ميراثها.. إيهاب، حسين، وائل، خالد كل الشخصيات الرجالية تقريباً إما هامشيه أو سيئة لماذا؟

لأن هذا رأيي في معظم الرجال: كما تقول فرح، أطفال كبيرو الحجم لم يكتمل نضجهم وما زالوا يسعون للحصول على رضا أمهاتهم، وفي الوقت نفسه، بسبب قلة نضجهم وإحساسهم المتضخم بالذات، وبسبب ضعفهم الذي يغطونه بمحاولات مستمرة لتقمص القوة، يدوسون على من حولهم، خصوصاً النساء أو يخذلوهن.



مقارنة "زينة" المصرية، بـ"ميري" الأميركية بطلة رواية فيليب روث، كانت ملفتة جداً، فالإثنتان فعلاً كانتا متأرجحتين بين تأثير تيارات فكرية ودينية وتحكمات أسرية أفسدت حياتهما في مرحلة ما، ربما يكون حوارنا فرصة لتحليل أكبر لهذه المقارنة، كيف يمكن أن يحدث ذلك رغم بعد المسافات واختلاف الثقافات الكبير؟

ربما لا تكون اختلافات الثقافات بالحجم الذي نتصوره! ربما تكون التحديات التي يواجهها الإنسان أكثر تشابهاً مما تصوره لنا نظريات الخصوصية الثقافية. ربما يواجه المراهقون أسئلة متشابهة، ويتخبطون بدرجات متشابهة بين الأفكار الدينية والعقائد السياسية والغرائز والمخاوف والأحلام. ربما يواجه الأب والأم مشاكل متشابهة وهم يربون أبناءهم: كيف يساندونهم وفي الوقت نفسه يحمونهم من المهالك المحيطة، كيف يقوون استقلالهم واعتمادهم على أنفسهم وفي الوقت نفسه يحتفظون بقدر من السيطرة على تربيتهم؟ كيف يتعاملون مع المؤثرات الخارجية التي تحط فجأة على أبنائهم – أصدقاء السوء، أفكار مدمرة، مخدرات وإدمانات متنوعة؟ كيف يتعامل الجميع مع المشكلة الأزلية: الخلاص من أثر الجوانب السيئة للتربية التي تلقوها، مع الحفاظ على مودة الذين ربوهم، أو الشعور بالذنب إزاء مآل الأبناء رغم بذل الأم والأب كل ما استطاعا، أو السؤال عما إذا كان المرء قد كرر أخطاء والديه التي عاش عمره يشكو منها. أليست كل هذه التحديات عابرة لما يسمى الثقافات؟ لا عجب إذاً أن تتحول "ميري" أو "زينة" من ابنة مدللة إلى مشروع إرهابية، سواء كان هذا الإرهاب بإسم الطبقة العاملة أو الدين.

- في الحديث عن التربية، نشاهد على امتداد الرواية أنماطاً مختلفة للتربية، من زينات حتى فرح.. من الأم القوية المسيطرة على أولادها، إلى المتحررة التي لا تسمح لنفسها حتى أن تكون لها توقعات إزاء ابنتها، لكن الجميع كان فاشلاً في النهاية.. كيف رأيت المسألة؟ هل كان فشلاً حقاً أم تطورات طبيعية فرضها تغير الزمن؟

لم يكن فشلاً ولا نجاحاً، مثل الحياة نفسها، محاولة مستمرة لتحقيق أشياء لا تكتمل، وفي الأثناء تتحقق أشياء لم تتوقعها، وبين هذا وذاك تحاول منع كل هذه الأشياء من التداعي.

ربما تكون هذه هي الرواية الأولى التي تكتبها بالكامل خارج مصر.. هل يؤثر مكان الكتابة في طبيعة الكتابة نفسها؟

كتبت "أسفار الفراعين" بالكامل خارج مصر، ومعظم "غرفة العناية المركزة". أما "حكاية فرح" فنصفُها على الأقل كُتب في مصر، بين 2012 و2016 حين غادرت. على أي حال لا أظن أن مكان الكتابة يؤثر، على الأقل ليس بشكل فوري. في معظم الأحوال تأتي الكتابة عن فترات ماضية، أو على الأقل تتغذى من خبرات مرت وانقضت، وبالتالي تحمل الحكايات معها مشاعرها القديمة بغض النظر عن موقع الكتابة. مثل الأدباء الذين هاجروا من الريف للمدينة وعاشوا حياتهم كلها يكتبون عن الريف الذي كبروا فيه وغادروه. نحن غالباً ما نكتب عن الماضي. ومن ثم ربما، حين يصبح الحاضر ماضياً، تتأثر به الكتابة.

اللغة السلسة البسيطة كانت محل تعليقات كثير من القراء، لكن لا يمكن هنا تجاهل مسألة الألفاظ/السُّباب.. هل ترى أن الاحتفاظ بها كان ضرورة فنية رغم الاستعاضة عنها بالنقاط في كثير من المواضع؟

طبعاً ضرورة فنية. كيف تريد للتعبير أن يكون صادقاً إن تم بلغة مزيفة؟ حين تتعامل مع إنسان عرص، بم تصفه؟ هل تقول إنه رجل عرص أم أنه "سيء الأخلاق" مثلاً؟ لماذا نريد من اللغة المكتوبة أن تكون نقية وطاهرة وخالية من السُّباب، إن كانت حياتنا ولغتنا المستخدمة عامرة بها؟ أليس لدينا ما يكفي من الازدواجية؟

لكن هذه الألفاظ تثير حساسية بعض القراء هل فكرت في هذا الأمر.. ومتى تفكر في القارئ على أي حال؟

القارئ ليس مضطراً للقراءة، وفي كل حال أنا لا أفكر كثيراً في رد فعل القراء. هذا ليس تعالياً مني على القارئ، بل هو احترام. فالتفكير في رد فعل القارئ يعجزني عن الكتابة ويجعلها أقل صدقاً، وليس هذا ما يريده القارئ في نهاية المطاف.

- قرَّبت وسائل التواصل بين الكتّاب والقراء، لم يعد هناك وسيط بينهما تقريباً، لكنك تحرص على أن تكون هناك مسافة ما، هل هذا صحيح أم مجرد انطباع خاطئ؟

انطباعك صحيح مئة في المئة. أعتقد أن التقارب بين الكاتب والقراء فكرة سيئة، ولم تعد بأي فائدة على أيهما.

تشير بشكل عابر إلى مارغريت اتوود وستاندال وفيليب روث.. لمن تقرأ وما الذى يعجبك؟

أنا من عشاق روايات أتوود، التي أظن أنها من أفضل الكتّاب قاطبة. لكني أيضاً أحاول قراءة كتّاب جدد لا أعرفهم لتغذية عقلي وخيالي وتوسيع أفقي. لي تفضيلات في القراءة كما في الكتابة: أحب الروايات الواقعية المغموسة في سياقها الاجتماعي، لا الفانتازيا ولا الخيال العلمي ولا تلك التي تقوم على تيار الوعي الذاتي. لا أحب الروايات التي تعذب القارئ أو التي تتطلب مجهوداً مضنياً لقراءتها، وإن لم تجتذبني رواية بعد 20 أو 30 صفحة، أتركها ولا أعود إليها، حتى لو كان كاتبها جيمس جويس. فلست أسيراً لدى الكاتب، وأقبل هذه القاعدة من القراء أيضاً.

لو أتيح لك التراجع عن عمل من أعمالك، فهل تفعل؟ وما هو العمل؟ ولو أتيح لك التغيير، فما الذى تغيره؟

ما زال الوقت مبكراً للتراجع عما كتبت!

- هل تنشغل بموقعك بين كتّاب جيلك أو بين كتّاب مصر عموماً؟ وهل حققت ما تطمح إليه على مستوى الكتابة؟

لا، للسؤالين. لا أشغل بالي بموقعي بين الكتّاب لأني لا أعتقد بإمكانية تقييم موقع الكتّاب، لا في الحاضر ولا حتى في الماضي. أتمنى لو كان ذلك ممكناً، طبعاً كنت أحب أن يكون لدي تقييم موثوق به لجودة كتابتي، وأسأل نفسي طيلة الوقت عن مدى جودتها وسوئها وما يمكنني عمله لتحسينها. هذا ما يشغلني، لكني لا أجد إجابة تستريح لها نفسي. لا الإطراء أصدقه، ولا النقد أثق فيه. لو راجعتَ تاريخ الرواية في العالم كله، لوجدتَ أدباء اشتهروا وتلقوا إطراءات كبيرة في حياتهم، ثم تواروا واختفوا ولم يعد أحد يهتم بما كتبوه أو يرى فيه جمالاً يُذكر. وهناك العكس أيضاً. وهناك كتّاب أشبه بالمغمورين، لكن كتاباتهم رائعة وأفضل من آخرين مشهورين. يبدو أن الصدفة والعلاقات الإنسانية والظروف الاجتماعية السائدة في لحظة ما، كلها تلعب دوراً كبيراً في تحديد "كبار الكتّاب" وفي تكوين ما يسمى بمتن الأدب The canon وليس فقط مدى جودة الكتابة أو جمالها أو قضاياها. ولا سيطرة لي على أي من هذه العوامل، ومن ثم أحاول صرف نفسي عن التفكير في الأمر برمته والتركيز على مواصلة الكتابة، وكأن كل رواية هي الأولى التي أكتبها. وبالتالي ليس أمامي أي أمل في تحقيق ما أطمح إليه، لأن ما أطمح إليه لا يمكن قياسه ولا معرفة ما إذا كنت قد حققته أم لا. كل ما في يدي هو مواصلة الكتابة، الباقي غير قابل للتحقيق.

(**) عز الدين شكري فشير، روائي مصري يعمل أستاذاً في قسم دراسات الشرق الأوسط بكلية دارتموث في الولايات المتحدة. صدرت له سبع روايات: "مقتل فخر الدين" 1995، و"أسفار الفراعين" 1999، و"غرفة العناية المركزة" 2008 التي وصلت إلى اللائحة الطويلة لجائزة البوكر العربية، و"أبو عمر المصري" 2010، و"عناق عند جسر بروكلين" 2011 ووصلت للائحة القصيرة للبوكر العربية، و"باب الخروج" 2012، و"كل هذا الهراء" 2017. "حكاية فرح" أحدث رواياته وصدرت مؤخراً عن دار الشروق في القاهرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها