آخر تحديث:13:14(بيروت)
السبت 02/10/2021
share

في ليتوانيا: أورشليم الشمال وأنفاقها

شادي لويس | السبت 02/10/2021
شارك المقال :
في ليتوانيا: أورشليم الشمال وأنفاقها صلبان ليتوانيا
يطلق عليها أهلها، بلاد المطر. لكن هذا اسم عفا عليه الزمن، فالليتوانيون اليوم يتندرون على أنفسهم بالقول أن بلادهم هي بلاد المولات، أو على الأقل، فيلنيوس عاصمتهم، مدينة لمراكز التسوق متعددة الطبقات. على الأغلب هم يحبون الإكثار من التسميات. مضيفي، الرجل المسن والضخم، بادرني باستقبال حار وغير متوقع. احتضنني، وكان هذا لقاؤنا الأول، وبعدها صاح بصوت عالٍ فعلاً: مرحبا بك في أرض الباسكيت بول. مضيفاً بقهقهة اهتز لها جسده كله، هنا الدِّين الأول ليس الكاثوليكية، بل كرة السلة. اخبرني أنه من أصل أوكراني، وأنه كان يمتلك أشهر نادٍ لتأجير شرائط الفيديو في المدينة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وعائلته متحدرة من قرية قريبة من تشيرنوبل. أخرجت هاتفي وأطلعته على صور لي هناك، على بعد أمتار من المفاعل.

وما الذي ذهب بك إلى هناك؟ سألني بفضول، لكنه لم ينتظر إجابة.. أعتقد هو نفسه ما جاء بك إلى هنا، في العموم هنا يوجد متحف للهولوكوست، ويمكنك زيارة سجن "كي جي بي"، إن كنت تحب هذه الأشياء. كانت نغمة صوته ساخرة، لكنها أصابت بعض الحقيقة.

كان في الأمر بعض من سوء التخطيط من جانبي والكثير من سوء الحظ. في يوم وصولي إلى فيلنيوس العاصمة، هبطت درجة الحرارة من العشرين إلى ما يقرب الصفر، لم يكن هذا معتاداً في هذا الوقت من العام، وهطل المطر لمدة خمسة أيام متوالية، بلا توقف، لم يكن مطراً غزيراً لكنه كان كافياً لإفساد أي رغبة في المشي. المدينة القديمة بشوارعها الضيقة المخصصة للمشاة، كانت خالية تماماً من المارة. المدينة عتيقة بشكل مذهل، وصقل خواؤها الهالة التاريخية التي كللت كنائسها، وكان بين كل كنيسة أثرية وأخرى كاتدرائية. (ليتوانيا كانت آخر بلد في أوروبا اكتمل تنصيره، على أيدي جماعات الفرسان الصليبية، المعروف بعضهم بإخوة السيف، وتطلب هذا الكثير من الحملات الجرمانية وغرس الكثير من الصلبان لترسيخ الإيمان عنوة). 

في ليلتي الأولى، وقفت أمام مجلس المدينة وحيداً، وكان الميدان الرئيس فارغاً، ومن بعيد سمعت ثلاثة شبان يتصايحون بالعامية المصرية. أي صدفة هذه! 

وصلت يوم السبت، والمتاحف مغلقة في إجازة نهاية الأسبوع، وككثير من متاحف العواصم الأوروبية كانت مغلقة أيضاً يوم الإثنين. المتحفان الوحيدان المتاحان للزيارة، كانا المتحف اليهودي ومتحف الهولوكوست. 

عادة ما أحرص على زيارة المتاحف اليهودية في رحلاتي، ضايقني الأمر هذه المرة كوني شعرت بأنني مضطر، فلم يكن هناك شيء آخر يمكنني القيام به. في عواصم بلدان وسط أوروبا وشرقها، سيكون متحف للهولوكوست أو معسكر سابق للعمل أو غيتو، في لائحة أي كتيب للإرشادات السياحية. هناك شيء مرعب يتعلق بالقسوة البشرية يمكن معاينته، ربما أيضاً شعور أناني بالارتياح للإفلات من مصير مشابه. يقولون إن هذا هو الدافع وراء السياحة السوداء، أي سياحة التجول بين شواهد الكوارث المحفوظة وأطلال المأساة. أكثر ما يؤثر فيّ في متاحف الهولوكوست، هو قسم "الأبرار بين الأمم"، حيث تدوّن قصص النساء والرجال من غير اليهود الذي ساهموا أو حاولوا على الأقل إخفاء الضحايا وإنقاذهم، الكثير من "الأبرار" تم اكتشافهم وتلقوا رصاصة في الرأس.


ليست هذه القصص بالضرورة ما أبحث عنه في المتحف اليهودي، ولا في المتاحف بالعموم. أكثر ما يبدو جذاباً بالنسبة اليّ، ليست المقتنيات نفسها، بل طريقة ترتيبها، شبكة المعاني التي ترسمها وتربطها بعضها ببعض وبالعالم في الخارج. المتحف اليهودي/الهولوكوست مؤسسة فريدة في هذا الشأن، فحضورها دائم وشامل، بشكل لافت. وجدتُ أنصاباً ومتاحف للهولوكوست في أماكن لا يمكن توقعها، في مونتيفيديو - عاصمة الأورغواي، كان النصب الوحيد على شاطئ المدينة الشهير هو نصب للهولوكوست. في شنغهاي وجدت متحفاً آخر، عن جماعة من يهود فيينا، هربوا إلى الصين بعد ضم هتلر للنمسا. في مدينة تدعى كوتشي في كيرلا الهندية، زرتُ متحفاً يهودياً عن أقدم جماعة يهودية في آسيا، يهود بيض بعيون ملونة من أصول برتغالية يتحدثون المالايلامية ويهزون رؤوسهم على طريقه سكان جنوب الهند. ما لفت انتباهي أكثر من غيره هناك، كان صورة "بن غوريون" معلقة على المدخل. الرسالة المكررة، بصور مختلفة، اليهود جزء من كل مكان، والذنب موزع على الجميع ومعمّم، وصكوك "البر" يمكن استيفاؤها بتكفير الذنب. لكن، وكما أن اليهود ينتمون إلى هنا، هنا الذي هو كل مكان، فهم ينتمون بشكل أوثق إلى إسرائيل. التفريق الصوابي بين اليهودي والإسرائيلي يبدو باهتاً في المتحف اليهودي في معظم الأحيان. 

كانت أخبار إلقاء القبض على آخر الفارين من سجن جلبوع ما زالت طازجة ومُرّة في الحلق، حين وصلت إلى المتحف. فيلنيوس ليست أي مدينة، فواحد من أسمائها الكثيرة هو أورشليم الشمال. كان الدوقية الكبيرة لكومنولث بولندا-ليتوانيا، هو أكبر دولة في أوروبا في القرن الحادي عشر، ولبضعة قرون تالية ستأوي الدوقية أكبر تجمع لليهود في العالم... ببساطة كانت اليهودية لوقت طويل جداً، ظاهرة بولندية-ليتوانية بالأساس، قبل أن تتم "ألمَنَتها" لاحقاً ولفترة قصيرة نسبياً.  

بين فيلنيوس وكاوناس (العاصمة القديمة للبلاد)، طُوّرت العبرية الحديثة، وطُبع فيها أول ديوان شِعر، وأول رواية، وظهرت قبلها أول النوادي الأدبية والمجلات باللغة اليديشية، وبينهما أيضاً ولد أو عاش الكثير من الرواد الأوائل للصهيونية وبعض من مؤسسي الدولة.

بين مقتنيات المتحف، كان هناك مجسم لأحد معسكرات العمل النازية، بنفق طويل أسفله، يفضي إلى الخارج، وكان قد حفرهُ السجناء اليهود في محاولة للفرار. تقول البطاقة التوضيحية بجانب المجسم، أن معظم الفارين قُبض عليهم مرة أخرى، كانت المفارقة ساخرة ومأساوية.

في صباح الاثنين، وصلتُ إلى مدينة كاوناس، وعلى باب محطة القطار استوقفني رجلان بالزيّ اليهودي الأرثوذوكسي، ومعهما صبيّان يحملان زعف النخيل (كان أول أيام عيد العرش اليهودي)، وسألني أحدهما بالإنكليزية إن كنت يهودياً، فأجبته بلا. وبعد دقيقة، عاد الرجل الآخر، وسألني بإصرار: هل أنت متأكد؟ 

غير هذا، لم يحدث الكثير مما يستحق الذِّكر. كان هناك الكثير من المطر، الكثير من الصلبان (يطلق على ليتوانيا بلد الصلبان أيضاً) والكثير من المقاهي، أكثر من أي مكان آخر قمت بزيارته. مقاهٍ حديثة وبرّاقة بواجهات زجاجية، ربما يجب تسميتها بلاد المقاهي. الليتوانيون بدوا لطيفين ومتحفّظين بحس ريفي، ولم تتجاوز لائحة الطعام في المطاعم التقليدية اللحم والبطاطس المعدّة بمئة طريقة مختلفة. أكلت الكثير من اللحم على غير عادتي، حتى "الصوصات"(الصلصات) كان بعضها معدّاً من اللحم المفروم والدهن الساخن. في آخر وجبة لي، نصحني النادل بطبق ليتواني جداً، كان سجقاً محشياً بالبطاطس المهروسة ومحشية باللحم المفروم. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها